بوتين يسعى لتعاون إماراتي سعودي معه ضدّ تركيا وإيران في سورية

القاهرة – يؤكد المحلل العسكري كمال علام، المتخصص في التاريخ العسكري المعاصر للشرق الأوسط، إنه قد اتضح أن التقييمات المبكرة حول فشل ونهاية بشار الأسد لا أساس لها من الصحة وبعيدة عن أي تفهم للحقائق الأساسية.
ويرى علام، الذي يحاضر في كليات عسكرية في الشرق الأوسط وباكستان وبريطانيا، في تقرير له نشرته مجلة ناشونال انتريست الأميركية أمس السبت، أنّ الرئيس السوري يدرك بالتأكيد أنه لكي يفوز في المعركة الاقتصادية، يتعين عليه التخلص من الأسماء الفاسدة حتى لو كانوا من أفراد عائلته. وهو في ذلك يحظى بدعم روسيا وجيشها. كما أكد أن روسيا لا يمكن أن تتخلى عن سورية أو الأسد، فهناك علاقات مستمرة منذ 60 عاما وستبقى على الدوام.
وفي الحقيقة، فقد توقع كثيرون نهاية الرئيس السوري بشار الأسد منذ العام 2011، وبشكل خاص منذ فقدانه أربعة من كبار مسؤولي الأمن في تفجير عام 2012 الذي طال خلية الأزمة حينها، ثم كانت اللحظة المصيرية وهي لحظة انشقاق مناف طلاس ضابط الحرس الجمهوري السابق والعليم ببواطن الأمور في نفس العام.
ويستغرب علام، المحلل السياسي السوري المُقيم في المملكة المتحدة، أنّ نفس من تكهنوا بنهاية بشار الأسد من محللين ووسائل إعلام يتحدثون الآن بصخب عن كيف أن روسيا "سئمت" الأسد وأن الخلاف مع أغنى رجل في سورية وهو رامي مخلوف دليل على النهاية.
لكن، وفي حقيقة الأمر، كانت روسيا في كل مرة في تاريخ سورية حتى قبل تولى عائلة الأسد الحكم تدعم العسكريين ليتولوا زمام الأمور في البلاد.
ومع تركيز الأسد على الاستقرار الاقتصادي بالنسبة لسورية التي تعاني من عجز مالي، يقوم الروس بالتفكير في طرق لتدعيم مكاسبهم العسكرية أيضا في المجالين السياسي والاقتصادي.
ويقول علام، زميل معهد ستيت كرافت البريطاني، إنّ الحديث عن وجود خلاف روسي مع دمشق أو شعور بالإحباط إزائها يتجاهل أساسا الدور التاريخي لروسيا في سورية. وهو تاريخ يسبق تولي فلاديمير بوتين الرئاسة ويمثل استمرارا لأكثر من ستين عاما من المشاركة الدائمة في الشؤون العسكرية السورية. وهذه العلاقات شكلت جزءا رئيسيا من السياسة السوفيتية في العالم العربي والتي لم تتغير.
وهو يرى أنّ الجيش السوري والمخابرات السورية تفضل العمل مع الروس، الذين ينظر إليهم على نطاق واسع على أنهم يدعمون مؤسسات الدولة، ولهم تاريخ في دعم سورية في حروبها الاقليمية. فقد ساعدت روسيا الأسد والجيش السوري في استعادة الدولة وتحدّي أي فكرة بأن يكون هناك أي جهاز أمني مواز.
وذكر علام أنه في فعالية لمركز ناشونال انتريست الأميركي في عام 2015 تنبأ بسبب نجاح التدخل الروسي في سورية في وقت كان كثيرون يشككون في الدوافع أو ما إذا كانت سورية سوف تكون أفغانستان جديدة بالنسبة لروسيا.
ويرى أنه في حقيقة الأمر كانت سورية شيشان جديدة وليست أفغانستان جديدة بالنسبة لروسيا . فبمجرد أن حقق بوتين انتصارا ساحقا في جروزني، أعاد البناء وحقق وجها جديدا كاملا للمنطقة ذاتية الحكم. والروس يعيدون الآن بناء الجيش السوري وببساطة يتخلصون من الميليشيات التي تهدد سيادة دمشق.
وكانت محاربة الفساد الاقتصادي مطروحة على أجندة الأسد منذ عام 2018، وبعد شعوره الآن ببعض الارتياح على الجبهة العسكرية، بدأ يلاحق الفاسدين بما في ذلك ابن خالته رامي مخلوف. ويراقب الروس عن كثب الوضع في دمشق وكيف أن الرأي العام تحول ضد الفساد والأسماء الكبيرة مثل رامي مخلوف.
وفي مؤتمر عقد بجامعة دمشق عام 2018، نظمته الجمعية البريطانية السورية، تحدث رئيس الوزراء السوري ووزير المالية بغضب عن الفساد في الدولة وكيف أنه يمثل أكبر خطر أمام تحقيق الاستقرار. وكان الروس ببساطة ينصحون الأسد بالتصرف على أساس ما أظهره المجتمع المدني ونخبة قطاع الأعمال. وبالفعل فإنه بعد تحقيق انتصار عسكري بدأت الحرب الاقتصادية وبدأ الروس يحشدون حلفاء جددا للتعاون معهم في سورية.
ويشير علام إلى أن سورية نجحت دائما في تحقيق توازن في علاقتها القوية بإيران، ومع ذلك تواصل تحقيق مصالح استراتيجية قوية مع دول الخليج العربي. وقد تعلم بشار من والده حافظ الأسد متى وكيف يستخدم ورقة الخليج، فبعد اغتيال الحريري نجح في إعادة كل دول الخليج كمستثمرين في دمشق مع تغلب سورية على العقوبات في فترة ما بعد اغتيال الحريري.
ويفعل بشار الأسد نفس الشيء الآن وفي الوقت المناسب، كما أن مصالح موسكو تتوافق مع العديد من دول الخليج، ولاسيما الإمارات العربية المتحدة والبحرين بتأييد ضمني من السعودية. فروسيا والإمارات تتخذان معا الآن مواقف مضادة في مواجهة تركيا في ليبيا وسورية. وهذا يعني أنه سوف يتعين على تركيا تحقيق توازن دقيق مع روسيا في ضوء أنها تبدو في حالة انعزال متزايدة في منطقة البحر المتوسط. ومع زيادة تواصل اليونان وقبرص مع سورية ، يؤدي هذا إلى زيادة الضغط على تركيا.
وسوف يتطلع الروس للاستفادة من المشاركة الجديدة للإمارات في سورية ، حيث يتطلع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد لدعم الأسد كقوة موازنة ضد النفوذ التركي في شمال سوريا.
وقد أشادت الإمارات صراحة بـِ "القيادة الحكيمة" للأسد، ومع انتشار جائحة كورونا اتصل الشيخ محمد بن زايد هاتفيا بالأسد وأبدى له مساندته ووعد بالمساعدة أثناء الجائحة وفي إعادة إعمار سورية. كما أرسلت الإمارات وفدا تجاريا رفيع المستوى إلى سورية في تحدّ لعدم رضا الولايات المتحدة. ومن المهم بالمثل قيام ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان بمبادرات تجاه الأسد في عدد من الحوارات.
ويقول علام إن بوتين يسعى للتعاون مع الامارات والسعودية في سورية من خلال تعزيز عدائهما ضد تركيا والرغبة في إحداث توازن في مواجهة النفوذ الإيراني. ومن المعروف تماما أن الروس يريدون انحسار الدور الإيراني، وهو ما ترحب به المنطقة كلها.
كما ترحب روسيا بتواجد صيني واضح بصورة متزايدة في سورية. فهناك مسؤولون صينيون كبار يزورون دمشق بانتظام، ويعتبر الصينيون سورية مركز استثمار طويل الأمد وليس مجرد مكسب سريع. بالإضافة إلى ذلك، عينت اليونان أول مبعوث رسمي لها في سورية منذ بدأت الحرب هناك، وهو ما يعتبر دليلا إضافيا على وجود تحالفات جديدة لمواجهة تركيا في سورية.