بيانات الناتج المحلي تُظهر سقوط تركيا في فخ الدخل المتوسط

ما زال الاقتصاد التركي يُعاني من آثار أزمة العملة، التي بلغت ذروتها في أغسطس 2018 نتيجة لخلاف مع الولايات المتحدة. وتُظهر أحدث بيانات رسمية انخفاض الدخل إلى مستوى لم تشهده البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.

وظل الاقتصاد يُسجّل نمواً سلبياً وينكمش على مدى الأشهر التسعة الماضية دون توقف. وقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى ما دون المستوى المُسجّل في عام 2007، عند تسعة آلاف و656 دولاراً، إلى ثمانية آلاف و811 دولاراً فقط، وفقاً للبيانات التي أعلنها معهد الإحصاء التركي.

وأعلن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق سلسلة من البرامج الاقتصادية منذ أن شغل هذا المنصب في يوليو من العام الماضي. لكن بيانات معهد الإحصاء تُظهر أن تلك البرامج فشلت بكل ما تحمل الكلمة من معان.

وفي واقع الأمر، فإن وعود الحكومة بتحقيق التوازن الاقتصادي تخلّفت بركب الاقتصاد وعادت به إلى ما كان عليه قبل 12 عاماً، في الوقت الذي ارتفع فيه معدل الفقر.

وعندما أعلن معهد الإحصاء التركي بيانات معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من عام 2019، قال البعض إن هناك سبباً للاعتقاد بأن الأرقام التي كان يُعلنها يينال ياغان، رئيس المعهد، كان بها الكثير من الحشو. ومع ذلك، فقد أعلن المعهد أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش 1.5 في المئة خلال الربع الثاني من هذا العام، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي.

وقال المعهد إن الاقتصاد نما 1.2 في المئة مقارنة مع الربع السابق. لكن من الضروري إمعان النظر في هذه الأرقام بشدة لكي نتبيّن كيف جاء هذا النمو.

بينما نما القطاع الزراعي بنسبة 3.4 في المئة، فإن قطاعي الصناعة والبناء انكمشا بنسبة 2.7 و12.7 في المئة بالترتيب.

وانخفض إسهام قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي أيضاً بنسبة 0.3 في المئة. ويُشكّل القطاع 52 في المئة من حجم التوظيف.

وهبط الإنفاق الاستهلاكي للأسر 1.1 في المئة، مقارنة مع العام الماضي، بينما ارتفع الإنفاق الاستهلاكي الحكومي بنسبة 3.3 في المئة.

ويسجل الاستثمار أيضاً انكماشاً بوتيرة متزايدة، وعلى وجه الخصوص الاستثمار في الصناعة. وقد انكمش بنسبة 1.3 و3.5 و3.7 و7.1 في المئة خلال الأرباع الأخيرة بالترتيب.

ومن ثم فإن الإسهام الأكبر في النمو جاء من إنفاق الدولة، بينما هبط رأس المال الاستثماري بنسبة 22.8 في المئة، بما يعطي إشارة على أن القادم سيكون أكثر سوءاً.

وزادت صادرات السلع والخدمات بنسبة 8.1 في المئة؛ لكن هذا صاحبه انخفاضٌ بنسبة 16.9 في المئة في حجم واردات السلع والخدمات، وهو ما يعطي إشارة على انخفاض الطلب على السلع الوسيطة، في الوقت الذي ينكمش فيه قطاع الصناعات التحويلية في تركيا.

وكما يُظهر النمو السلبي الذي أُعلن عنه في الربع الثاني من العام الجاري، فإن الاقتصاد ككل ظل ينكمش على مدى الأشهر التسعة الماضية على التوالي.

في الوقت ذاته، فإن انخفاض حجم الاستثمار بنسبة 23 في المئة، وانخفاض حجم الإنفاق الاستهلاكي للأسر 1.1 في المئة، يُظهر أن إنفاق الدولة ووارداتها وحدهما هما اللذان أوقفا الانكماش عند حدود 1.5 في المئة في الربع الماضي.

وجرى تمويل الإنفاق الحكومي من احتياطي البنك المركزي، ومن خلال الاستدانة، وهو أسلوب غير مستدام في الأجل الطويل.

يؤكد هذا الانخفاضُ الحاد في إيرادات الضرائب وعجزُ الميزانية، الذي ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة متخطياً الثمانية مليارات ليرة (1.4 مليار دولار) في سبعة أشهر، بما يُخالف قوانين حدود الائتمان.

وانخفاض الناتج المحلّي الإجمالي للفرد إلى ثمانية آلاف و811 دولاراً إشارة أخرى على مشكلة خطيرة، حيث يشير إلى تراجع مرعب في مستويات المعيشة وزيادة في مستويات الفقر.

وكانت تركيا قد تخطت مستوى عشرة آلاف دولار في 2008-2009، على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية. وبعد أن ظل الدخل يحوّم عند هذا المستوى لفترة طويلة، وصف محللون البلاد بأنها عالقة في "فخ الدخل المتوسط" النظري، الذي يجعل من الصعب على البلدان أن تتخطى مستوى معيّناً من الثراء.

عندما وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة في عام 2002، كان الناتج المحلّي الإجمالي للفرد عند مستوى خمسة آلاف و556 دولاراً، وارتفع إلى تسعة آلاف و656 دولاراً في عام 2007، ثم وصل إلى عشرة آلاف و931 دولاراً في العام التالي. وبلغ الدخل مستوى ذروة في عام 2013 عند 12 ألفاً و480 دولاراً.

وشكلت محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016، والنهج الاستبدادي الذي تبنته حكومة حزب العدالة والتنمية في أعقاب تلك المحاولة، نقطة تحول وبداية الانهيار، حيث بدأ المستثمرون ينسحبون بسبب مخاوف بشأن سيادة القانون. وهبط الناتج المحلّي الإجمالي للفرد إلى عشرة آلاف و602 دولار في عام 2017، ثم إلى تسعة آلاف و632 دولاراً في العام التالي.

ولا يسعنا اليوم سوى أن ننظر باعتزاز إلى تلك الأيام التي حذرنا فيها من السقوط في فخ الدخل المتوسط. ومع بلوغ دخل الفرد المستويات الحالية، فإن الأتراك قد باتوا أفقر مما كانوا عليه قبل 11 أو 12 عاماً بنحو ألفي دولار للفرد.

والزيادة الأخيرة في رواتب العمال وموظفي العموم – والذين اتفقوا على زيادات في الأجور حتى عام 2021 بعيدة كل البعد عن أن ترقى إلى مستويات التضخم – إشارة على أن الموقف سيزداد سوءاً بالنسبة للكثير من هؤلاء.

وتُظهر بيانات الناتج المحلي الإجمالي أن الحكومة تتجه إلى التغلب على الاختناقات الاقتصادية الحالية من خلال تقليص الحصة العامة في الدخل القومي، وهو ما يجعل أصحاب الدخل المنخفض، والمتقاعدين، والطبقة العاملة، والعاطلين عن العمل يدفعون ثمن الأزمة الاقتصادية الحادة.

وتحاول الحكومة طرح النمو، الذي بلغ 1.2 في المئة على أساس فصلي في الربع الثاني من عام 2019، على أنه أول إشارة إيجابية. لكن تركيا ستكون بحاجة إلى نمو بنسبة خمسة في المئة سنوياً على الأقل لكي تتعافى من جديد، وستحتاج سنوات للوصول إلى ذلك المستوى.

قبل ثماني سنوات، تعهد الرئيس رجب طيب أردوغان إبان انتخابات عام 2011 المحلية – وقت أن كان رئيساً للوزراء – بالوصول بالناتج المحلي الإجمالي إلى تريليوني دولار، والناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 25 ألف دولار بحلول الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية في عام 2023.

ومع اتجاه الدخل بالفعل إلى الانخفاض، وجد أردوغان نفسه مضطرّاً للتراجع عن ذلك الوعد.

ويظهر انكماش الاستثمار وقطاعي الصناعة والبناء أن الأمل محدود في أن تتمكن الحكومة من إنعاش الاقتصاد وجذب استثمارات وزيادة معدلات التوظيف.

ويبدو من المستحيل أن تستعيد حكومة غاشمة، تفرض سياساتها الاقتصادية من خلال التخويف والضغط، ثقة المستثمرين في الأجل القصير إلى المتوسط.

بمعنى آخر، فإن النماذج التي قدّمها البيرق فشلت تماماً في تحقيق أهدافها، وانهارت خلال عام واحد من الإعلان عنها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/latest-gdp-data-shows-even-middle-income-trap-out-reach-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.