بيلاروسيا ضد تركيا: تحدي أوروبا الأخلاقي

بينما أجل الاتحاد الأوروبي مجلسه إلى يومي الخميس والجمعة (1 و2 أكتوبر) لمناقشة قضايا مثل الاستجابة المناسبة للتطورات في بيلاروسيا وانتهاكات أنقرة في جوارها، يستمر القمع في كلا البلدين بلا هوادة.

اليوم، لا يشعر الأوروبيون بالارتياح مع هذين الجارين رغم خلافاتهم الآن مع عضوين في الاتحاد (المجر وبولندا) لبعض الوقت على الأقل. لكن صداماتهم كانت "داخل أسرة واحدة" لا يمكن حله دون "طلاق بالتراضي".

ينبع القلق من الرغبة في معاقبة كلا البلدين بسبب اتجاهاتهما السياسية. ففي نظر الاتحاد الأوروبي، يختلف البلدان فيما يتعلق بسوء تصرفهما. ففي حين افتك نظام بيلاروسيا الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أُعلن أنها غير حرة وغير عادلة، أزعج النظام التركي دولتين عضوتين (قبرص واليونان) بعدائه الذي يستهدفهما على وجه الخصوص. وعندما يتحدث الاتحاد الأوروبي عن تركيا، فإنه يحوم حول حقيقة انتهاك سيادة القانون والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لكنه لا يفكر في معاقبة تركيا على هذه الأفعال.

وبالنسبة إلى هذا التكتل، تستهدف أفعال بيلاروسيا مواطنيها، بينما تستهدف تركيا قبرص واليونان، وليس المواطنين الأتراك. لكن العقوبات تبدو مشروعة ضد بيلاروسيا، لكنها غير مرحب بها بالنسبة لتركيا بينما يتعاطف الاتحاد الأوروبي مع البيلاروسيين ويتجاهل المواطنين الأتراك على الرغم من أن كلا المجتمعين يعانيان من الديكتاتورية ويحاولان مقاومتهما. أما بالنسبة لقبرص واليونان، فإن ردود الكتلة لا تتحاوز الإجراءات الرمزية.

فيما يتعلق ببيلاروسيا، أعلن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل في 21 سبتمبر: "تأثرنا بتصميم ومثابرة الشعب البيلاروسي على الرغم من القمع الوحشي وغير القانوني... يتمسك البيلاروسيون بمطالبهم السلمية باحترام حقوقهم الإنسانية والسياسية الأساسية على الرغم من اعتقال آلاف الأشخاص وتعذيبهم. نحن نقف بثبات في دعمنا من أجل تحقيق خيار الشعب البيلاروسي الحر والديمقراطي لقائدهم ومستقبل بلادهم".

وفي 24 سبتمبر، أعاد الاتحاد الأوروبي التأكيد على أن الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 9 أغسطس في بيلاروسيا لم تكن حرة ولا نزيهة. ورفض الاعتراف بنتائجها المزورة. على هذا الأساس، يفتقر ما يسمى بـ"التنصيب" يوم 23 سبتمبر 2020 والتفويض الجديد الذي طالب به ألكسندر لوكاشينكو إلى أي شرعية ديمقراطية. وبالتالي، يعدّ الاتحاد الأوروبي عقوبات ضد حوالي 40 بيلاروسيا يُعتبرون مسؤولين عن القمع، وينظر في معاقبة لوكاشينكو نفسه.

من جهة أخرى، قال بوريل نفسه فيما يتعلق بتركيا إن التوترات في شرق المتوسط ​​بين اليونان وتركيا وقبرص تتزايد، وإن الأمر يضاعف خطر اندلاع مواجهة تتجاوز مجرد حرب كلامية. كما أشار إلى أن التهدئة الفورية ضرورية للسماح باستئناف الحوار والمفاوضات، وهو السبيل الوحيد نحو الاستقرار والحلول الدائمة.

وحسب ما قال، كان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي واضحين بشأن العواقب المحتملة في صورة غياب التقدم في التعامل مع تركيا. واعتُبرت الخطوة الأخيرة التي اتخذتها تركيا لوقف المسوحات الزلزالية في الجرف القاري لليونان خطوة في الاتجاه الصحيح وتعطي بعض الأمل في أنها ستؤدي إلى مزيد من الخطوات نحو الحوار.

وتابع: "من الواضح أن الحلول لن تأتي من علاقة تصادمية متزايدة. لا نريدها، لا نبحث عنها. فتركيا جارة مهمة للاتحاد الأوروبي ولن نغير الجغرافيا... وهي شريك رئيسي في العديد من المجالات، مثل الهجرة".

تكمن المفارقة الثانية بعلاقة الطرفين بالغرب. إذ تبقى تركيا حليفًا في الناتو، بينما يُفترض أن تكون بيلاروسيا، المُدرجة في الشراكة من أجل السلام التابعة للحلف، خصما للناتو. في هذا الإطار، بدا رد فعل الاتحاد الأوروبي على انتخابات بيلاروسيا حاملا لسمات الحرب الباردة، كما يتضح من استجابة وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت للأمر. ومع ذلك، وقف بيلت نفسه إلى جانب تركيا ضد أي عقوبات من شأنها أن تطالها، على الرغم من انتهاك سيادة القانون وحقوق الإنسان هناك، ووصنف تركيا على أنها "عضو في الأسرة الأوروبية".

ليست بيلاروسيا دولة صديقة للناتو. لكن، لا يمكن اعتبار تركيا دولة صديقة للحلف عندما نرى قراراتها المستمرة المناهضة له مثل ذلك المتعلق بشراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية إس-400 غير المتوافقة ومع خلافها مع خطط الدفاع فيما يتعلق ببولندا ودول البلطيق. كما لا يمكن اعتبارها عضوا منتظما في الناتو نظًرًا لافتقارها إلى الحد الأدنى من المعايير الديمقراطية كما هو منصوص عليه في مبادئ الحلف التأسيسية.

يمكن تفسير ازدواجية المعايير في رغبة الغرب الساذجة في إبقاء تركيا داخل الحلف وبعيدا عن نفوذ موسكو الذي أصبح حقيقة.

وتظهر المهزلة الأوروبية وازدواجية المعايير في التصنيفات الدولية لكلا البلدين من حيث سيادة القانون وانتهاك حقوق الإنسان، وهما متشابهان تماما. ففي مؤشر سيادة القانون لمؤسسة مشروع العدالة العالمية، تحتل بيلاروسيا المرتبة 68، وتركيا المرتبة 107 من بين 128 دولة. بالنسبة لمؤسسة فريدوم هاوس، اعتبرت كل من بيلاروسيا وتركيا "غير حرة". في مؤشر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود، تحتل بيلاروسيا المرتبة 153، وتركيا المرتبة 154 من بين 180 دولة. وحدد تقرير موجز السجون العالمي أن عدد السجناء في بيلاروسيا بلغ 343 سجينا لكل 100 ألف مواطن، وكان هذا العدد في تركيا هو 361. وفي مؤشر السلام العالمي وفق دراسة رؤية المبادرة الإنسانية من معهد الاقتصاد والسلام، احتلت بيلاروسيا المرتبة 94 وتركيا المرتبة 150 من بين 163 دولة.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تعد بيلاروسيا عضوا محتملا في الأسرة الأوروبية لكنها اتخذت مسارا خاطئا. بينما تبقى أنقرة غريبة عن هذه الأسرة، ويجب احتواؤها من أجل المصالح الغربية، وليس مواطنيها. وبالتالي، يبدو الاتحاد الأوروبي مستعدا لعزل دكتاتور مينسك، لكنه لم يعزل دكتاتور أنقرة الذي تطيل سلطته من خلال التجارة والقروض الرخيصة والتسامح اللانهائي.

 

يمكن قراءة الموضوع باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey/belarus-vs-turkey-europes-ethical-challenge
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.