بين مصر وتركيا معركة اقتصادية شرسة في ليبيا

القاهرة - تتزاحم على انتزاع حصص من عقود الاعمار في ليبيا أكثر من دولة، فيما يتوقع أن تشتد المنافسة بين الشركات التركية التي تحظى بامتيازات أكبر، كانت مكافأة لتركيا على تدخلها العسكري وإنقاذ حكومة الوفاق الليبية السابقة من السقوط، والشركات المصرية التي تتطلع إلى استئناف النشاط والأعمال في الدولة الجارة التي ترتبط معها بحدود مترامية وبعلاقات اقتصادية وتجارية كبيرة قبل ثورة فبراير التي أطاحت بنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.

وثمة اتصالات بين القاهرة وأنقرة لإعادة تطبيع العلاقات وإنهاء سنوات من التوتر بين البلدين، إلا أن عودة الدفء للعلاقات المصرية التركية لن تحجب معركة اقتصادية بدأت ملامحها تتشكل في الساحة الليبية.

وحفزت ولادة حكومة وحدة وطنية بقيادة عبدالحميد دبيبة شركات عربية وغربية على العودة للاستثمار في ليبيا التي دمرتها الحرب والصراعات المسلحة على مدى العقد الماضي.

ويُتوقع أن تشكل عقود إعادة ليبيا ساحة 'حرب' خفية بين عدة دول بدأت مؤخرا في تنشيط دبلوماسيتها بعد سنوات من القطيعة، لكن معظم التقديرات تشير إلى أن تركيا حازت مبكرا النصيب الأوفر وفي قطاعات حيوية كالإنشاءات والكهرباء والنفط.

وإلى جانب التحديات اللوجستية ربما يتعين على الشركات المصرية التعامل مع منافسة قوية عندما يتسارع التعافي خاصة في غرب ليبيا حيث أكثر مناطق الدولة كثافة للسكان.

ودعمت مصر قوات شرق ليبيا خلال الصراع في البلاد. ودعمت قطر وتركيا، المنافستان لمصر بمجالات التشييد والغذاء وصادرات أخرى بأسواق الشرق الأوسط، الفصائل في الغرب التي اتخذت من العاصمة طرابلس مقرا.

وقبل 2011، عندما انزلقت ليبيا إلى الفوضى، كانت الدولة المنتجة للنفط سوقا مربحة للمصدرين المصريين وشركات المقاولات والعمال.

وفي ظل حكومة جديدة تساندها الأمم المتحدة، تبحث الشركات المصرية عن فرص في قطاع الإنشاءات للعودة إلى ليبيا، غير أن مسؤولين تنفيذيين يقولون إن المسائل الأمنية واللوجستية إلى جانب الاقتصاد الهش، لا تزال تمثل عقبات.

وبالنسبة للمنتجات الغذائية المصرية فهي بالفعل متوفرة على نطاق واسع في المتاجر الليبية، مع صادرات بلغت 55 مليون دولار في الربع الأول من العام الحالي.

لكن هاني برزي، رئيس مجلس إدارة شركة إيديتا للصناعات الغذائية ورئيس المجلس التصديري المصري للصناعات الغذائية، قال إن هذا المستوى أقل كثيرا من المأمول.

وتابع "ليبيا ثاني أكبر دولة مستوردة للمنتجات الغذائية المصرية، لكن أرقام التصدير مازالت متواضعة جدا بلغت 55 مليون دولار خلال الربع الأول من 2021، مقابل 51 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الماضي، بزيادة بنحو 7.8 بالمئة".

وأضاف "الأرقام متواضعة جدا ويجب أن تكون 3 أضعاف هذه القيمة فهي السوق الأقرب لمصر ويجب أن نكون نحن المسيطرين على هذا السوق".

وقال وليد جمال الدين رئيس المجلس التصديري لمواد البناء إن ربع واردات مواد الإنشاء الليبية قبل 2011 كانت تأتي من مصر، وهو مستوى يتوقع أن تصل إليه القاهرة مع عودة السوق الليبية إلى سابق عهدها من العمل والنشاط.

وكانت ليبيا، الدولة العضو بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والتي يسكنها نحو سبعة ملايين نسمة، ذات يوم مصدر جذب كبير للعمال المهاجرين من مصر التي يسكنها نحو 100 مليون نسمة، لكن عشرات آلاف من الوافدين المصريين فروا بعد 2011 مع انزلاق ليبيا إلى الفوضى.

وقال حمدي إمام رئيس شعبة إلحاق العمالة بالخارج في الغرفة التجارية بالقاهرة إن السلطات الليبية تعمل على نظام تأشيرات جديد للعمال الذين سيستند استقدامهم إلى المهارة، وهي خطوة قد تشهد عودة المهاجرين بأعداد كبيرة مرة أخرى، مما يدر تحويلات جديدة على مصر.

وقال كمال الدسوقي نائب رئيس غرفة صناعة مواد البناء باتحاد الصناعات المصري إن ليبيا هي بالفعل "أكبر سوق لصادرات المواد العازلة في أفريقيا وثاني أكبر مستورد لصادرات الرخام المصري بالطن.. ونطمح في هذا لكل القطاعات الأخرى".

وهذا الوضع ربما تغير نسبيا بعد التدخل العسكري التركي في ليبيا، حيث أن أنقرة كانت تخطط للهيمنة على السوق الليبية وفتح منافذ أوسع فيها لاقتصادها المتعثر. وتكابد تركيا بالفعل لتنفيس أزمتها الاقتصادية قبل حلول العام 2023 وهو موعد مصيري بالنسبة لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان حيث سيخوض الاستحقاق الانتخابي برصيد من الأزمات السياسية والمالية والاجتماعية ويسعى جاهدا لترميم شعبيته المتهاوية.

وقال شريف الصياد رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية في مصر إن هناك مؤشرات على تحسن التعافي الاقتصادي في ليبيا، مضيفا أن صادرات المنتجات الهندسية المصرية مثل الأجهزة المنزلية ارتفعت 45 بالمئة لتصل إلى 19.5 مليون دولار في الربع الأول مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.

لكن السلام في ليبيا لا يزال هشا. وتواجه الحكومة الانتقالية مهمة ثقيلة لرأب الصدع الكبير بين شرق وغرب ليبيا وكذلك الحد من الخصومات القبلية. ويتعين عليها الإعداد للانتخابات المقررة في نهاية 2021 مما لا يتيح الكثير من الوقت للعمل على خطة للتعافي الاقتصادي.

وقال مدحت اسطفانوس العضو المنتدب لمجموعة تيتان مصر للأسمنت "قطاع مواد البناء سيكون له فرصة كبيرة في السوق الليبية مع بداية الإعمار في ظل وجود حدود برية، لكن خطط ومشروعات إعادة الإعمار لم تتضح بعد".

وأوضح أن "تصدير الأسمنت إلى ليبيا لم يتوقف وكان مستمرا ولكن بكميات محدودة لارتفاع تكلفة النقل، كما يقتصر فقط على شرق ليبيا لوجود حدود برية وسهولة النقل، ولكن نتوقع زيادة في الصادرات خلال الفترة المقبلة خاصة عندما تتضح مشروعات إعادة الإعمار".

وتسعى القاهرة حاليا لبناء علاقات مع الحكومة الانتقالية في طرابلس وتستعد لإعادة فتح سفارتها هناك.

وقال هاني برزي رئيس مجلس إدارة شركة إيديتا للصناعات الغذائية إن الجهود الدبلوماسية تسير بصورة إيجابية لكن يتعين أيضا على السلطات مساعدة المصدرين المصريين في التغلب على المصاعب التي يواجهونها في ليبيا مثل سعر الصرف.