عدالة المسلخ في تركيا: ثلاث سنوات وكافالا خلف القضبان

كان من المفترض أن تكون ليلة خاصة للغاية. في شهر أكتوبر من عام 2017، كنت مشغولاً بوضع اللمسات الأخيرة لكتابي عن تركيا، والذي نُشر بعد بضعة أشهر باللغة الألمانية (الأمل يموت في البوسفور - كيف أهدرت تركيا الديمقراطية والحرية).

نزلت من الكوخ المريح، في أعالي جبال أومبريا الجنوبية، وصولًا إلى مدينة مفضلة لدي، مونتيفالكو، لأكون لوحدي، في عيد ميلادي، في 18 أكتوبر 2017.
كل ما احتاجه هو الاسترخاء على عشاء هادئ.

لم يكن هناك أحد في الميدان تلك الليلة. كان هناك زوجان يجلسان في الزاوية البعيدة من مطعمي المفضل. كانت باقي الأماكن خاوية. اخترت طاولة وجلست بالخارج.

فقط عندما كنت أرتشف بعض نبيذ "ساغرانتينو" الفاخر، رن جرس الهاتف. قال لي أحد الأصدقاء "تم القبض على عثمان. أخذته الشرطة في مطار إنتيب".

أصبت بالذهول، وبعد بضع مكالمات ورسائل بعد ذلك، غرقت في ظلام أعمق، وتسمم العشاء بأفكار مروعة حول ماذا وكيف ولماذا عثمان، وتركيا بشكل عام. عندما غادرت الطاولة على عجل، أدهشني إدراك وتأكيد نهائي لما يرمز إليه الاعتقال.

في واقع الأمر، لقد تأكدت بالفعل، بالطريقة التي تطورت بها قصة تركيا منذ انتخابات 1 نوفمبر 2015، من أن البلاد محكوم عليها بلعنة الشر، وأن محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016 ساعدت فقط في تأكيد الاقتناع بأن المعركة من أجل نظام ديمقراطي لائق قد ضاعت إلى الأبد.

لكن ما لم أستطع توقعه، هو المدى الذي ستذهب إليه "قوة الشر" هذه التي سيطرت على جهاز الدولة من حيث الوصول إلى جذور الديناميكيات ذاتها التي دفعت للإصلاح في تركيا حتى منتصف عام 2015. لقد شاهدت عملية تطهير ومطاردة واسعة النطاق لأولئك الذين كان النظام قد ذكرهم بالفعل. كانت اعتقالات الصحافيين، مثل أحمد ألتان، والسياسيين، مثل صلاح الدين دميرتاش، في أواخر عام 2016، تخبرنا بما يكفي عن طبيعة وموضوعية وحجم واتجاه تركيا نحو قوى الشر هذه.

وبهذا المعنى، وفي تلك الليلة في 18 أكتوبر 2017، بدا لي اعتقال عثمان كافالا بمثابة المسمار الأخير الذي دُقّ في نعش نضال المدنيين من أجل التغيير الديمقراطي في تركيا.

لم نكن أنا وعثمان قريبين جدًا من قبل، على الرغم من أننا كنا موجودين في نفس دائرة المعارف، كوننا مشتركين. قضينا إجازتنا الصيفية دائمًا في نفس المكان المفضل، في ساحل بحر إيجة الشمالي، المطل على ليسبوس.

وعلى مر السنين، تشاركنا نفس الآمال والأحلام، وشاركنا في مشاريع مختلفة لمواجهة أخطاء ماضي تركيا، من أجل القضاء على خطوط الصدع القومية التي تدين الأكراد والأرمن واليونانيين في نظر الأتراك.

ربما اختلفنا في بعض القضايا  لكننا عرفنا دائمًا، عثمان وكثيرين آخرين من مختلف المهن، أنه حلم تركيا الحرة والتعددية، حيث لن يشعر المظلومون بعد الآن بالقمع، وهذا هو ما جمعنا معًا.

وعندما أنشأنا – أنا وبعض الصحافيين الذين تمت إقالتهم من قبل أصحاب وسائل الإعلام الفاسدة أثناء احتجاجات حديقة غيزي في عام 2013 – منصة "بي 24" للصحافة المستقلة، كان عثمان - كما كان الحال دائمًا – كريم وسخي للغاية وأهدانا مبنى، يسمى سيزاير، لنمارس به أنشطة المنصة.

عثمان، هذه الروح الرقيقة، والرجل ذو القلب من ذهب، كان الملاك الحارس لكل الأنشطة لإحضار تركيا إلى عصبة المجتمعات المتحضرة، التي، كما كان يأمل، وصلت إلى مشارف السلام من خلال ماضيها، وهي منسجمة مع الحاضر، وجريئة لتبني مستقبل مشرق.

كل ما يقال عن عثمان قد قيل بالفعل. كل من قابله يعرف ما يكفي عن صفاته النبيلة. نعلم جميعا. ولأننا نعلم جميعًا، في الداخل والخارج، أن الشعور بالعذاب والاحتقار لما يتعرض له يزداد يومًا بعد يوم. يقع عثمان الآن رهينة نظام هدفه القضاء على كل شجاعة مدنية ومعارضة مؤهلة وتدميرها، لاستمراره في ممارسة الشرور.

هناك حوالي 50 ألف سجين سياسي في تركيا، يخشى نظامهم من حلفائه الديمقراطيين، الذين يتظاهرون بالحفاظ على علاقاتهم كما لو أن هناك نوعًا من الحياة الطبيعية المتبقية التي يمكن أن تستمر. اللافت للنظر هو حقيقة أنه على الرغم من العدد الهائل لانتهاكات حقوق الإنسان، فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تتصرف وكأن مهمتها الوحيدة هي تأخير اتخاذ موقف باسم العدالة.

وهناك ثلاثة أسماء ترمز إلى قفص العذاب الذي يحتجز فيه عشرات الآلاف من السجناء السياسيين في تركيا. أحمد ألتان، الذي يقبع في السجن بشكل غير قانوني لأكثر من أربع سنوات، يرمز إلى الصحافي الشجاع الذي، حتى احتجاجات حديقة غيزي، وسع حدود العمل الصحافي حتى تتخطى حدود المحرمات، وأنشأ مشهداً إعلامياً تعددياً ومستقلاً.

صلاح الدين دميرتاش، المحتجز أيضًا بشكل غير قانوني في السجن لأكثر من أربع سنوات، هو رمز لمحنة الأكراد الذين يتطلعون إلى عيش حياة كريمة ومساواة وحرية، بسبب حقوقهم المكبوتة. تم تجريده من حريته عمدًا، لأن ذكائه وجاذبيته يعتبران تهديدًا حقيقيًا وقائمًا للنظام.

عثمان كافالا، الذي تم اختياره ليكون الضحية التي ستُحتجز خلف القضبان، لأنه يرمز إلى تطلعات تركيا الشابة، الحضرية، العلمانية، الكردية، ذات المجتمع المفتوح، ونظامها القائم على الشفافية والديمقراطية من الدرجة الأولى.

وكل هؤلاء ضعفاء، لأنهم مدنيون، فهم فريسة سهلة لنظام جوهره الشر والعطش للدماء. وخطوة بخطوة، وباستخدام نقاط ضعف المعارضة المستقطبة، تمكن الشر من الوصول إلى هدفه: وهو الحكم.

نظام العدالة في تركيا، للأسف، تحول إلى مسلخ - إن لم يكن مشرحة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/osman-kavala/kavalas-three-years-behind-bars-slaughterhouse-called-turkish-justice
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.