ديميتار بيشيف
أغسطس 30 2019

دبلوماسية الآيس كريم في موسكو

لطالما كانت الطائرات عنصرا أساسيا في العلاقات الروسية التركية.

وبينما كان الرئيسان، التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، في معرض ماكس للطيران في موسكو ظهيرة الثلاثاء يفحصان الطائرة سو-57 وهي من الجيل الخامس للمقاتلة الروسية الشهيرة، لعل أردوغان فكر لبرهة في المقاتلة الروسية من طراز سوخوي التي أسقطها سلاح الجو التركي فوق الحدود التركية السورية في أواخر عام 2016.

في ذلك اليوم كانت المقاتلة التركية الضالعة في الحادث من طراز إف-16 فالكون التي تنتجها الشركة الأميركية العملاقة لوكهيد مارتن.

واعتبارا من عام 1984، تساعد تركيا في تصنيع ما يقرب من ثلاثة أرباع أسطولها المكون من 204 طائرات من نوع إف-16.

لكن الآن، وحسبما ترى وسائل إعلام تركية موالية للحكومة، فإن روسيا قد حلت محل الولايات المتحدة في هذا المجال.

لقد استبعدت الولايات المتحدة تركيا من البرنامج الخاص بإنتاج طائرات إف-35 المقاتلة، وكانت موسكو جاهزة لشغل هذا الفراغ.

أمام الكاميرات، أمسك أردوغان وبوتين بقطع آيس كريم وتبادلا المزاح بينما كانا يعبران عن إعجابهما بالمعروض من الطائرات الروسية.

في الوقت نفسه، اجتمع مسؤولون عسكريون بارزون من كلا البلدين لمناقشة صفقات محتملة لشراء طائرات من نوع سو-35، وهي أفضل الطائرات المقاتلة الروسية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وكذلك طائرات من نوع سو-57، التي توصف بأنها المنافس المستقبلي للمقاتلة الأميركية إف-35 والمقاتلة الصينية جيه-20.

كلمة السر هنا هي المستقبل. فهناك شكوك حقيقية بشأن قدرة روسيا على الانتقال لمرحلة الإنتاج الدوري المتواصل للطائرة سو-57.

ويعتبر خبراء أن بيع مقاتلات الجيل الخامس من هذه المقاتلة إلى مشترين أجانب هو أمر جوهري لنجاح المشروع.

في المقابل، ابتليت المقاتلة إف-35 التي وصفت بأنها "الطائرة التي عصفت بالبنتاغون"، بتأخير في المواعيد وافتقار للفعالية، مثلما قالت مجلة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي.

لكن الولايات المتحدة والكثير من حلفائها لا يزالون يطرحونها حتى الآن.

دعونا لا ننسى هنا أن التحالفات التجارية المنتجة للطائرة إف-35 تعرض على تركيا المشاركة في الإنتاج، وتوطين التكنولوجيا، وإبرام عقود لإنتاج وتوريد العديد من الأجزاء.

وعند هذه النقطة، لا يزال من غير الواضح ما الذي قد يشمله المقترح الروسي المقابل، بخلاف عرض الصفقة بسعر أفضل.

باختصار، من غير المنطقي المقارنة بين العرضين الأميركي والروسي.

رأينا أردوغان وهو يقول لبوتين "هل تطير؟". كانت يقصد الطائرة وكان يقصد أن يمزح، لكنه في الواقع سؤال جوهري.

قد يتساءل أحدهم إن كانت الشراكة التركية مع روسيا تحقق الهدف منها هي الأخرى. وبخلاف جولة في معرض ماكس 2019 وإعلان تسليم شحنة أخرى من منظومة الدفاع الصواريخ الروسية إس-400 إلى تركيا، فإن جل الاهتمام خلال زيارة أردوغان انصب حول الموقف في إدلب السورية.

ففي ظل الهجوم الذي تشنه قوات الرئيس السوري حافظ الأسد بدعم روسي على آخر معقل للمسلحين، أصبح الاتفاق الذي أبرمته أنقرة وموسكو في سوتشي العام الماضي في مهب الريح.

لقد اجتاحت قوات النظام السوري شمال محافظة حماة، وسيطرت على مدينة خان شيخون ذات الأهمية الاستراتيجية وطوّقت نقطة مراقبة تركيا، وطردت في هذه الأثناء نحو ثلاثة أرباع مليون شخص من منازلهم.

وفي الأسبوع الماضي، تعرض موكب عسكري تركي للهجوم مما أدى إلى خلاف مع روسيا.

ويوم الثلاثاء، أصابت غارة جوية سورية نقطة مراقبة تركية لتتحطم جدرانها.

لا تبدو موسكو سعيدة هي الأخرى بعجز تركيا المستمر عن التوصل لاتفاق مع هيئة تحرير الشام، وهي جماعة مسلحة ذات صلة بتنظيم القاعدة والتي كانت تعرف في السابق باسم جبهة النصرة، ولا وقف الهجمات الصاروخية على قاعدة حميميم الجوية في محافظة إدلب.

ذهب أردوغان إلى موسكو ليطلب من بوتين التدخل لنزع فتيل الأزمة الحالية، هذا أمر لا شك فيه.

وبالتالي كانت صفقة شراء تركيا المحتملة لمعدات إضافية روسية الصنع رسالة إلى الولايات المتحدة بقدر ما حملت حافزا للكرملين للاصطفاف مع الجانب التركي والتخلي عن الأسد.

لا يمكن معرفة إن كان هذا الطرح قابلا للتحقيق. والأسبوع الماضي، قال المحلل الروسي ماكسيم سوتشكوف إن بوتين أضاف لمحادثاته مع أردوغان يوم الثلاثاء "ضيافة الآيس كريم" ، في إشارة إلى الطريقة المرحة التي يداعب بها باعة الآيس كريم الأتراك زبائنهم.

وأضاف سوتشكوف مفسرا "الوضع الحالي يعني على الأرجح مزيدا من التقدم من جانب الجيش السوري في المنطقة، وربما مع عدد أقل من الهجمات على النقاط العسكرية التركية."

سيكون هذا أشبه بوضع شريط طبي لاصق على جرح متقيح. ففي هذه المرحلة، لا يملك أردوغان من خيار سوى التفاوض على شن عملية عسكرية تركية من شأنها استعادة أجزاء من محافظة إدلب، مثلما فعلت أنقرة في منطقة درع الفرات وعفرين.

ومن شأن هذا أيضا أن يمنع حدوث موجة نزوح جديدة باتجاه تركيا، وهي أولوية رئيسية بالنسبة لأنقرة بالنظر للتوتر المحلي الحاصل بخصوص هذه القضية.

ولكي يتحقق هذا، سيكون من الضروري أن تنتقل روسيا قليلا للعب دور الوسيط، وتساعد بالتالي في رسم خطوط في المنطقة وإقناع الأسد بالاكتفاء بأجزاء فقط من الأراضي المهمة بالنسبة له، من قبيل مناطق من الطريقين السريعين اللذين يصلان حلب باللاذقية ودمشق.

كما ستكون هذه القضية محورا للجولة التالية من المباحثات بين بوتين وأردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني.

وإن عجز الثلاثة عن الخروج باتفاق آخر، فإن روسيا في هذه الحالة ستحث تركيا على الأرجح بسحب قواتها بهدوء من 12 نقطة مراقبة في إدلب ومحيطها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/erdogan-putin/dondurma-diplomacy-moscow
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.