دبلوماسية البوارج التركية أخفقت بتغيير ملامح منتدى شرق المتوسط

القاهرة - بدأت تركيا تشعر بقلق جدي من منتدى غاز شرق البحر المتوسط، فقد تسبب انضمام دولة الإمارات، الأربعاء، بصفة مراقب على غرار فرنسا والولايات المتحدة، في إرباك خطط أنقرة وأظهر أن الغطرسة التي تبنتها في المنطقة قد تنال منها قريبا.

ويؤكد فتح باب المتوسط للإمارات أنه بات فناء جذابا تلتقي فيه مصالح قوى إقليمية ودولية عديدة، حيث يتجه ليصبح “خليجا للغاز”، يشبه “خليج النفط” خلال العقود الماضية، ما يعني حدوث تصادم في المصالح.

وعندما سعت مصر واليونان وقبرص لتدشين النواة الأولى لترتيبات استكشافات الغاز الواعدة في شرق المتوسط، كانت هناك تقديرات تقول إن هذه المنطقة سوف تنهض فيها قوى وتتهاوى أخرى، لذلك سارعت الدول الناهضة نحو تشكيل منتدى تحول إلى منظمة دولية بمشاركة فاعلين من المنطقة وخارجها.

وتحرص دول المنتدى على تحاشي أخطاء “خليج النفط” الذي طغت عليه التقديرات الاقتصادية، ما أوجد مساحة للتباينات السياسية والأمنية، بينما يسعى شرق المتوسط لتحاشي ذلك مع تنامي تهديدات لمنتدى يستعد ليلعب دورا يتجاوز حدوده الظاهرة.

وأخفقت مناورات تركيا في تمكينها من وضع قدميها داخل المنتدى، ولم تستطع دبلوماسية البوارج تغيير ملامحه أو توجهات القائمين عليه الذين حرصوا على احترام القانون الدولي، وأضفوا صفات جذابة تجعله مركز جذب إقليمي لسلعة الغاز.

وأدركت مصر مبكّرا أن شرق المتوسط له مستقبل كبير، واتخذت مجموعة من الخطوات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتكون مركزا للمنتدى، ونسجت شبكة جيدة من العلاقات مع الدول المعنية لتكون المصالح والحماية جماعية.

وفتح دخول الإمارات للمنتدى أعين الكثير من المتابعين لحركة التحولات الجارية في المنطقة، وأدركت القاهرة وأبوظبي أن الخطر التركي أصبح أخطر من أن يتمّ احتواؤه بمبادرات متفرقة، ويحتاج إلى تنسيق عال على أكثر من مستوى.

واستفادت أنقرة من مساحة الفراغ خلال السنوات الماضية، وكرست وجودها في سوريا والعراق، وأرسلت قوات لها لمنطقة الخليج وليبيا، ومدت بصرها إلى آسيا، وهي متصورة أن تفاهماتها التكتيكية مع كل من روسيا والولايات المتحدة يمكن أن تصبح استراتيجية، ولم تدرك أن المياه تتحرك بالقرب منها وتوازنات القوى قد تعصف بها.

وكشفت بوادر العقوبات الأوروبية والأميركية أول خيوط العقاب الذي ينتظر تركيا، ما يجبرها على مراجعة خطواتها، أو الإصرار عليها، وزيادة وتيرة الاقتراب من روسيا، وبالتالي مضاعفة الضغوط التي تحيط بها، لأن شرودها سيصبح خطرا.

وتوقع متابعون أن تكون الضربة التي تنتظر تركيا مؤثرة، معتبرين أن مدخل الغاز يصبح صحيحا في هذه اللحظة، والتي تسعى فيها أنقرة للقيام باستعراضات ترى أنها تساعدها في حصد مكاسب.

وقال متابعون “ستكون الضربة مزدوجة لتركيا إن شملت حليفتها قطر، التي تعتمد صادراتها على الغاز بشكل رئيسي، وأسهمت في تدمير سوريا بسبب رغبتها في الاستحواذ على جزء معتبر من كعكة الغاز في المنطقة”.

وتعي الدوحة أن الغاز سلعة صاعدة، ومنتدى المتوسط مشروع عالمي، يضم قوى إقليمية ودولية عديدة، ويخطط له ليحاكي منظمة أوبك للنفط، ليكون المعادل الغازي لها، وعليها أن تفكر بجدية، أين هي من كل هذه الترتيبات، فعلاقتها بتركيا محكومة بحسابات قابلة للتغيير، وتحالفات شرق المتوسط متداخلة وصاعدة.

وتسير الترتيبات هذه المرة في اتجاه يؤكد أنها أشمل وأوسع، بما لا يترك مجالا لتغييرات ظرفية أو ترضيات خاصة، فجوانب المشكلة من المهم وضعها في إطار متوسطي، وبعيدة عن إطار المناكفات السياسية بين هذه الدولة أو تلك.

وقال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي إن الوجود الإماراتي يدعم التكامل العربي مع إسرائيل، في إطار التقارب السريع بين الجانبين على قواعد المصالح المشتركة، ويبرهن على رغبة أبوظبي الدخول في شراكات إقليمية ودولية لمواجهة التمدد التركي الذي يهدد استقرار منطقة شرق المتوسط.

وأضاف، العرابي في تصريح لـ”العرب”، أن انضمام أبوظبي للمنتدى رسالة مهمة بأن هناك تكتلا قويا سيواجه أيّ محاولة للتطاول على حقوق الآخرين في منطقة شرق المتوسط، خاصة في المناطق البحرية داخل الحدود القبرصية واليونانية، مع وجود رغبة من الدول المؤسسة للمنتدى لتكون هناك أدوار فعالة لحماية جميع مصالح دوله.

وأكد على أن مصر والإمارات لن تواجها بمفردهما التمدد التركي في منطقة شرق المتوسط، فقد صارت هذه المسألة من صميم أدوار المجتمع الدولي “لأن أنقرة تمارس بلطجة سياسية غير مسبوقة، وإذا لم تكن هناك مواجهة جماعية لتلك الجرائم، فإنها سوف تتمدد في مناطق يمكن أن تهدد السلم والأمن الدوليين”.

ويرى مراقبون أن مصر ضبطت من خلال منتدى شرق المتوسط جوانب في معادلة تركيا المنفلتة، وأحرزت في مرماها أهدافا مختلفة يمكن أن تظهر أصداءها قريبا.

ويعد هدف الإمارات مؤثرا في الوقت الراهن، فإذا كانت أنقرة ذهبت إلى الخليج من خلال قطر بمفردها، فإن أبوظبي جاءت إلى المتوسط من خلال منتدى إقليمي كامل.

وذهبت مصادر سياسية في القاهرة إلى أن مصر هي الموازن الفعال والموضوعي في مواجهة تركيا، ولن تكتفي بالمناوشات السياسية المعتادة، خلال الفترة المقبلة، فمعها ورقة الغاز المهمة التي تعزز مركزها الإقليمي، حيث أدركت أن أنقرة تعاملت مع مخزون الصبر المصري على أنه إشارة بعدم استبعاد الانفتاح عليها.

ولفتت المصادر ذاتها في تصريح لـ العرب” إلى أن تركيا باتت مخنوقة سياسيا، وأيّ تهاون معها ربما يمنحها فرصة لإعادة التموضع في أماكن مختلفة، ولذلك يحتاج إجهاض هذه الفكرة إلى اتخاذ خطوات تعزز دور القاهرة عمليا في مواجهة أنقرة.