ذاكرة تركيا المفقودة وألمانيا

تشير التقديرات إلى أنه في أواخر الثلاثينيات، كان 45 بالمئة من الألمان أعضاء في الحزب النازي أو منتسبين إلى منظمات نازية. ومع ذلك، فإن أي شخص يعرف الشباب الألمان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كان سيلاحظ أن لا أحد اعترف لعائلاتهم بأي تورط في هذا الجزء المأساوي من التاريخ الألماني وخاصة في الهولوكوست.

قال معظمهم إن أجدادهم خدموا في الجيش الألماني ولم يكونوا بالطبع نازيين. كان السبب هو الشعور بالذنب الجماعي الذي زرعه الحلفاء (خاصة الأميركيون والبريطانيون) في ألمانيا المحتلة بعد الحرب. لا تزال الذاكرة التاريخية للحرب العالمية الثانية حية إلى يومنا هذا لأن بعض القوى طالبت بمحاسبة شعب على جرائمه.

إن تورط تركيا المباشر في الأحداث الأخيرة في ناغورنو كاراباخ هو مجرد تذكير بأهمية الذاكرة التاريخية للأمم والشعوب. وكما هو الحال في العديد من المناسبات الأخرى منذ عام 1890 (عندما وقعت المذبحة الأولى)، وجد الأرمن أنفسهم في مواجهة عدوهم اللدود تركيا.

لو كانت ألمانيا تسلح إيران أو توجهها لمهاجمة إسرائيل، لكان العالم الآ واقفاً في حالة تأهب. ولكن بدلاً من ذلك، ظل المجتمع الدولي غير مبالٍ بحقيقة أن الدولة التي ارتكبت إبادة جماعية ضد الشعب الأرميني كانت تهاجمهم مرة أخرى.

وهناك سبب كبير يجعل تركيا تتصرف على هذا النحو، وهو معاملة المجتمع الدولي لها أثناء عمليات الطرد لجميع الأشخاص غير المسلمين من أراضي تركيا الحديثة بين عامي 1914 و1922. ووفقًا للإحصاء العثماني الإشكالي لعام 1914، فإن غير المسلمين في هذه المناطق كانوا يمثلون 20 بالمئة على الأقل من السكان.

وبعد عام 1922 (وقبل اتفاقية تبادل السكان)، تقلص عددهم إلى 2.5 بالمئة. طالبت معاهدة سيفر لعام 1920 - التي لم يتم تنفيذها مطلقًا - بتسليم جميع الأشخاص المسؤولين عن المذابح التي ارتكبت على الأراضي العثمانية خلال الحرب إلى الحلفاء. وفي المقابل، تجاهلت معاهدة لوزان هذه المسألة تمامًا. لماذا؟ لأن المفهوم الأنجلو ساكسوني، "هذه هي تركيا" انتشر وساد حينها.

كان هذا الصمت المدوي بمثابة تشجيع لطرد الأتراك الجدد وارتكاب المذابح ضد الأرمن واليونانيين والآشوريين على الأراضي العثمانية في 1909-1818. كما سمح هذا الصمت كذلك للصحف التركية اليوم (مثل يني أكيت) التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرئيس رجب طيب أردوغان بأن تنشر العناوين الرئيسية حول قضية ناغورنو كاراباخ مثل: "أخبروا الكفار بأن جيش محمد قد عاد".

ولكن في أي سياق يحدث هذا؟

بما أن حركة "حياة السود مهمة" تتطلب إعادة فحص التاريخ الغربي الحديث من منظور تجارة الرقيق والاستعمار. وعندما قال الرئيس المنتخب للولايات المتحدة إنه "إذا لم نعلّم أطفالنا جيداً ماهية الإبادة الجماعية، فإن كلمات مثل ’لن يحدث ذلك مرة أخرى’ ستفقد معناها".

لماذا يجب علينا أن نتذكر؟ لأن ذلك يمكن أن يساعد في منع التكرار. الاعتراف الرسمي بالإبادات الجماعية أمر مهم؛ وهو ليس إجراء شكلي، لكنه مجرد إحياء لذكرى ضحاياها.

قضية الذاكرة التاريخية المفقودة لتركيا ليست بالأمر الثانوي، ولا يمكن تجاهلها، لأنها مسؤولة عن تورط تركيا في الحرب بين أذربيجان وأرمينيا، وتدخلها غير المقيد في سوريا، وأفعالها في شرق البحر المتوسط. ومع ذلك، فإن رد العديد من الدول الأوروبية الآن، "هذه هي تركيا!"، يعيدنا قرنًا إلى الوراء. ما يقترحونه هو أنه يجب التسامح مع تركيا بسبب موقعها الاستراتيجي.

ألمانيا، للأسف، من بين هذه الدول. وعلى الرغم من أنها أقوى دولة في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً على جبهة السياسة الخارجية للكتلة خلال فترة رئاستها الدورية التي استمرت ستة أشهر. وخلال هذا الوقت، أثارت تركيا التوتر في بحر إيجه وتمكنت من تغيير ميزان القوى في القوقاز.

لكن بسبب ماضيها الخاص، فإن ألمانيا هي الدولة الوحيدة التي لا تتمتع برفاهية تجاهل الإبادة الجماعية التي ارتكبها الآخرون حتى يومنا هذا. تتحمل ألمانيا مسؤولية أكبر بكثير للنظر إلى العلاقات الدولية من منظور الذاكرة التاريخية. الاعتراف بجرائمها لا يلغي ديونها لأوروبا (أو للبشرية). وبحكم تاريخها، فإن ألمانيا مجبرة بأن تكون رائدة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تطالب باعتراف تركيا بالإبادة الجماعية ضد المسيحيين في الشرق. ومن ثم، فإن الحد الأدنى الذي يمكنها فعله هو التوقف عن إمداد تركيا بالأسلحة - حتى تظل هذه الذاكرة القبيحة أسيرة الماضي فقط.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-azerbaijan-armenia/turkeys-lost-memory-and-germany
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.