ضحايا الزيادة الجديدة في الرواتب في تركيا

يوليو يعني الشهر الذي ترتفع فيه الرواتب لـ 4.5 مليون موظف حكومي، وحوالي 12.5 مليون متقاعد في تركيا. 

وبالفعل أعلنت الحكومة التركية عن نسب الزيادة المقررة على الرواتب، عقب بيان مؤسسة الإحصاء، وهي مؤسسة رسمية تابعة للدولة، عن معدلات التضخم في يونيو.   

 ذكر بيان الحكومة أن رواتب المتقاعدين في هيئة التأمينات الاجتماعية، ومؤسسة التأمينات الاجتماعية للحرفيين والصُنَّاع، والعاملين بالمهن الحرة الأخرى، سترتفع بنسبة 5.01%. وهي نفس نسبة التضخم المُسجلة خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام. أما موظفو الخدمة المدنية، سواء العامل منهم أو من بلغ سن التقاعد، فسوف يحصلون على زيادة قدرها 6%؛ أي بزيادة فارق تضخم قدره 1.01%، مُضاف إلى نسبة اﻟ 5% السابقة. أما العاملون بنظام العقود فكانوا الفئة الأقل حظاً في هذه الزيادات، بعد أن اقتصرت نسبة الزيادة على رواتبهم على 4% فقط.

وبصفة عامة، استقبل الكثير من المواطنين نسب الزيادة المعلنة بالضيق، بعدما استشعروا عدم كفايتها لمواجهة غلاء الأسعار، كما أن تطبيق الزيادة بالنسب المئوية المعلنة سيؤدي، مع مرور السنين، إلى حدوث تفاوت كبير بين أصحاب الرواتب المرتفعة ومحدودي الدخل؛ فعلى سبيل المثال سيحصل الموظف المتقاعد، الذي يحصل على راتب شهري قدره ألف ومئة ليرة، بعد تطبيق زيادة اﻟ 5%، على 55 ليرة إضافية في شهر يوليو، في الوقت الذي سيحصل فيه نظيره الذي يتقاضى أربعة آلاف ليرة شهرياً، بعد إقرار النسبة نفسها، على 200 ليرة، بفارق يقترب من أربعة أضعاف ما يتقاضاه محدودو الدخل، وما يتقاضاه أصحاب الدخول المرتفعة. 

ينطبق الأمر نفسه على رواتب موظفي الخدمة المدنية ورواتب العمال. وفي حين يبلغ راتب الموظف في تركيا حوالي ثلاثة آلاف ليرة شهرياً، وراتب المعلم ثلاثة آلاف وخمسمائة ليرة، فإن راتب الأخصائي والخبير لا يقل عن ستة آلاف، أما المدير فيتقاضى راتباً يقارب عشرة آلاف ليرة. وعندما نضيف إلى هذه الرواتب نسبة الزيادة التي قدرتها الدولة عند حد 6%، سيحصل الموظف على 180 ليرة فقط، مقابل المدير العام الذي سيتلقى 600 ليرة دفعة واحدة. 

وعندما نأخذ في الاعتبار أن هذا الوضع سيتكرر كل ستة أشهر، فهذا يعني أن الفجوة ستتسع تدريجياً في قطاع الأجور بين العاملين في الدولة. ومن ناحية أخرى، سيؤدي الاتساع المستمر للفارق بين العاملين والمتقاعدين، على حدٍ سواء، إلى تهديد  مناخ السلم في العمل. 

وفي رأيي الشخصي، إنه لا سبيل لحل هذه المشكلة إلا بتوحيد نسبة الزيادة على الجميع؛ للحيلولة دون اتساع الفارق بين رواتب العاملين والمتقاعدين وموظفي الخدمة المدنية في الدولة. وفي الواقع إن تطبيق هذا الأمر سهل للغاية.    

ومن اليسير على الدولة أن تقسم الميزانية، المُخصصة لأجل هذه الزيادة، على كل من يتقاضون رواتب بشكل متساوٍ، استناداً إلى العدل. ويمكن أيضاً تطبيق نظام نسب الزيادة المتساوية، بشكل منفصل، على فئات العمال والمتقاعدين وموظفي الخدمة المدنية.

والواقع أن تطبيق نسب زيادة متساوية على الرواتب هو مطلب طالما نادت به جمعيات المتقاعدين، إيماناً بأهميته بالنسبة لأصحاب الرواتب المنخفضة ومحدودي الدخل. فكما أن زيادة الرواتب، وفق التوزيع العادل لنسب الزيادة، مرتين في العام سيمنع اتساع الفارق بين الرواتب، فإنه سيحافظ في الوقت نفسه على الفارق بين كافة العاملين بالنسبة لعدد أيام سداد الأقساط التأمينية وطبيعة المهنة والأقدمية.

ومن المُلاحظ في النظام الحالي وجود تراجع مستمر في القوة الشرائية من جانب الشرائح ذات الأجور المنخفضة؛ الأمر الذي يغذي فكرة "ليزداد الفقير فقراً"، وهو أمر غير محمود في حقيقة الأمر؛ لأن زخات أمطار الزيادات بدأت بالفعل في الهطول بعد انتخابات 23 يونيو، ومن ثم لا بد أن تترك تأثيراً حقيقياً على جميع العاملين والمتقاعدين في الدولة. أما في ظل النظام الحالي، الذي يحصل بمقتضاه المتقاعد على زيادة قدرها 55 ليرة فقط على راتبه، الذي لا يتجاوز ألف ومئة ليرة شهرياً، في مقابل آخر يتقاضى عشرة آلاف ليرة، ويحصل على زيادة لا تقل عن 600 ليرة، فلن نشهد مثل هذا التأثير.  

وبالتالي، فإن تطبيق نظام الزيادة المتساوية سيجعل الأشخاص ذوي الأجور المنخفضة يشعرون ببعض الراحة. أضف إلى هذا أن تطبيق هذا النظام سيكون أكثر ملاءمة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية بين العاملين في الدولة.

من ناحية أخرى، كانت الغاية الأساسية لقانون الضمان الاجتماعي، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2008، هي تخفيض المعاشات التقاعدية. وبالفعل، تراجعت رواتب المتقاعدين خلال السنوات الماضية بين 600-700 ليرة. وبذلك تراجع الحد الأدنى للأجور التقاعدية، خلال السنوات الماضية، إلى ثلث الحد الأدنى للأجور المُطبق في الدولة.   

وتقرَّر مع القانون الذي دخل حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 يناير 2019، ألا يقل الراتب الواجب دفعه للمتقاعد عن ألف ليرة تركية، لذلك تقوم وزارة المالية بدعم المتقاعدين، الذين يقل راتبهم عن ألف ليرة تركية. 

وبدلاً من أن تقوم الدولة بزيادة الرواتب الأساسية للمتقاعدين، اكتفت الحكومة بدفع الفارق للذين تقل رواتبهم عن ألف ليرة؛ وبذلك لن يتمكن هؤلاء من الاستفادة من الزيادات المقررة حتى يرتفع راتبهم الأساسي إلى أكثر من ألف ليرة؛ فعلى سبيل المثال، قامت الحكومة بنقل مائتي ليرة من الخزانة للمتقاعد، الذي يتقاضى 800 ليرة. وبتطبيق زيادة اﻟ 5% الآن يصبح راتب هذا المتقاعد 840 ليرة؛ وبذلك انخفض المبلغ المُحوَّل له من وزارة المالية إلى 160 ليرة. ومع ذلك، سيستمر المتقاعد في الحصول على مبلغ الألف ليرة مرة أخرى؛ لذلك، فإن الزيادة النسبية التي يتلقونها سوف تنتقص من الفارق الذي تضيفه الخزانة.

وبعبارة أخرى، إن الراتب الذي يحصل عليه المتقاعد في هذا النطاق، لن يتخطى الألف ليرة، بأي حالٍ من الأحوال، ما دامت وزارة المالية تضيف هذا الدعم. وبالتالي لن يتمكن المتقاعدون، في ظل هذا الوضع، من الحصول على زيادة خلال عامين أو ثلاثة أعوام مقبلة. وجدير بالذكر أن حوالي 130 متقاعداً يتقاضون في الوقت الحالي راتب أقل من ألف ليرة.  

وبالإضافة إلى هذه الفئة، توجد فئة أخرى من ضحايا رفع الرواتب، الذين لا يسمع أحد لهم صوتاً. وهذه الفئة هي شريحة العمال المتعاقدين من الباطن. ومن المعروف أن 900 ألف عامل من المتعاقدين من الباطن قد انضموا بالفعل إلى الكادر، وفقاً لمرسوم القانون رقم 696. ولا يمكن لهذه الشريحة الحصول على فارق التضخم مثل جميع القطاعات الأخرى التي تتلقى رواتب من الدولة.

وفي حين تلقى العمال والموظفون المدنيون والمتقاعدون زيادة قدرها 10 % في يناير، بالإضافة إلى فرق التضخم، اكتفت الدولة بمنح شريحة العمال من الباطن زيادة بنسبة 4% فقط. وسيتكرر نفس الوضع في يوليو أيضاً، وكأنهم ليسوا من أبناء هذا البلد مثل باقي العاملين في الدولة. 

من ناحية أخرى، تعد مشكلة الضرائب واحدة من أهم المشكلات التي تواجه العمال وموظفي الخدمة المدنية أيضاً؛ لأنهم سيخضعون لشريحة ضريبية أعلى في يونيو أو يوليو. وهذا يعني أن الزيادة التي سيحصلون عليها ستضيع أمام الضرائب التي سيدفعونها. ووفقًا لقانون ضريبة الدخل، يدفع الموظفون الذين تبلغ دخولهم 18 ألف ليرة تركية خلال العام ضريبة قدرها 15٪.

وعندما يتخطى دخل الموظف 18 ألف ليرة سنوياً، ترتفع معها نسبة الضريبة إلى 20%. وهذا يعني أن الزيادة التي أقرتها الحكومة في يونيو ستُقتطع من جديد قبل أن تدخل في جيب الموظف والعامل في تركيا.

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وحده، وليس من الضروري أن تكون متوافقة دائماً مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/maas-zamminin-en-buyuk-magdurlari-ve-seyyanen-zam-onerisi