كلاير سدر
يوليو 17 2019

ضحايا أتراك: إصلاح الإنتربول مهم لمستقبل المنظمة

هذا المقال هو الأخير في سلسلة من ثلاثة أجزاء تتناول بالتفصيل الاستغلال والانتهاكات التي تمارسها تركيا وأنظمة استبدادية أخرى بحق المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول).

تغير العالم كثيراً منذ عام 1956، عندما أُعيد تأسيس الإنتربول وتبنت المنظمة دستورها الحالي. ويعود تاريخ المنظمة إلى سنوات ما بين الحروب، لكنها صارت دُمية في يد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

وخلال سنوات قليلة، حدّث الإنتربول نظام التقديم الخاص بالنشرة الحمراء، ليصبح نظام تبادل سحابي (بداية من عام 2009) بدلاً من من النماذج الورقية (قبل عام 2002). وأصبحت الدول الآن تستطيع تقديم الطلبات بشكل فوري وتبادل المعلومات حول الأشخاص المطلوبين مع كل الدول الأعضاء في المنظمة.

غير أنه عندما أُجريت تلك التعديلات المهمة والضرورية، لم يُحدّث الإنتربول إجراءات تدقيق الطلبات، والتعامل مع الطعون القانونية، وإنفاذ قوانينه على الدول الأعضاء، أو تصحيح النشرات الصادرة وغيرها من المراسلات.

وأبلغت ريبيكا شايفر، وهي محامية في منظمة المحاكمات العادلة الدولية، جمهوراً في نقابة المحامين الأميركيين في فبراير بأنها بدأت تواجه مشاكل مع الإنتربول لأول مرة عام 2011. وقبل استحداث النظام السحابي لتبادل المعلومات في عام 2009، لم يكن الإنتربول معتاداً على اضطهاد المعارضين السياسيين والثقافيين. لكن شايفر تقول إن بعد عام 2011، "كنا نربح قضايا تسليم مطلوبين... لكننا كنا نجد أن (موكّلينا) تصبح لديهم هذه النشرات الحمراء التي لا تزول أبداً، حالما نربح قضايانا،" وهو ما شكّل تطوراً جديداً. وبالتجربة، وجدت شايفر أنه لا يوجد بروتوكول ينظم تقديم الأشخاص الذين تصدر لهم نشرة حمراء، أو ممثليهم القانونيين، طلبات لإلغاء النشرة الحمراء أو حذفها.

وقررت شايفر وزملاؤها لفت الأنظار إلى الموقف الدرامي الذي واجهه زبائنهم عبر الصحافة والإعلام. وقد نجح هذا في حالات فردية، لكن الإنتربول كان ما يزال لا يطبق قوانينه بمنهجية في مواجهة النشرات الحمراء التي لها دوافع سياسية، أو دينية، أو عرقية. كما أنه لم يزد الشفافية بالنسبة لمن كانوا عرضة لصدور نشرات حمراء بحقهم. وبدأت منظمة المحاكمات العادلة الدولية الضغط من أجل إصلاح مؤسسي كامل، حيث قدمت أول تقاريرها حول هذا الموضوع في عام 2013.

وبفضل هذه الجهود، بدأ الإنتربول التأسيس لإصلاحات كانت ضرورية جداً استناداً إلى اقتراحات من منظمة المحاكمات العادلة الدولية. وفي عام 2015، حظر الإنتربول إصدار نشرات حمراء بحق الأشخاص الحاصلين على صفة لاجئ؛ وفي عام 2017، بدأ مراجعة النشرات الحمراء قبل إتاحتها للدول الأعضاء على نطاق واسع. ويمكن للأشخاص الآن التأكد مما إذا كانت هناك نشرة حمراء صادرة بأسمائهم. وحتى فترة قريبة، لم يكن الإنتربول يُجيب بالتأكيد أو النفي على الاستفسارات بشأن النشرات الحمراء الصادرة بحق أشخاص، ما لم تسمح الدولة التي أصدرت النشرة بنشرها على الموقع الإلكتروني للإنتربول.

وعلى الرغم من أن الإنتربول أسس لهذه الإصلاحات المهمة، فقد استمر في تقويضها من خلال افتقارها للشفافية. فلم ينشر الإنتربول القاعدة التي تحمي الأشخاص الحاصلين على صفة لاجئ من النشرات الحمراء، أو يكشف عن تلك القاعدة. ولا توجد معلومات عن كيفية تقييمهم للنشرات الحمراء قبل نشرها، ولا عن عدد النشرات الحمراء التي تم تقديمها، أو عدد ما رُفض، وما هي الدول التي تقدم نشرات حمراء ينتهي بها المطاف إلى عدم النشر. من ثم، قالت شايفر "من الصعب جداً علينا أن نراقب مدى فاعلية هذه الإصلاحات".

وتواصل منظمة المحاكمات العادلة الدولية، ومحامون متخصصون في قضايا الإنتربول، الضغط من أجل إصلاحات واسعة النطاق وشاملة للأسلوب الذي يتناول به الإنتربول جميع المراسلات، بما في ذلك النشرات الحمراء، ويُنفِذ به قوانينه، ويتعاطى به مع الأشخاص الذين يسعون للإصلاح، وربما – الأهم من ذلك – الأسلوب الذي تكون به عملياته مفتوحة على نحو يسمح بمزيد من التدقيق العام.

وأبلغ أليكس ميك من منظمة المحاكمات العادلة الدولية موقع أحوال تركية قائلاً "بينما يستحق الإنتربول الثناء على الإصلاحات التي طرحها – استجابة لعدد من القضايا التي أثرناها في تقرير عام 2013 – فإن هناك أمثلة بارزة على إساءة الاستخدام، تُظهرأنه ما زالت هناك حاجة لمزيد من العمل الذي يتوجب فعله. مع وجود ما يزيد على 13 ألف نشرة حمراء تصدرها المنظمة سنوياً لأشخاص مطلوبين، فإن الحاجة الملحة لتحرك الإنتربول بشأن هذه الإصلاحات تتزايد".

وفي أحدث تقرير لها حول إصلاحات الإنتربول، والذي نُشر في أكتوبر من العام الماضي، أكدت منظمة المحاكمات العادلة الدولية أنه على الرغم من الإصلاحات والتعهد بمراجعة جميع النشرات الحمراء المقدّمة، فإن إساءة استغلال الإنتربول ما زالت متفشية. وترى المنظمة أن من الممكن الحد من هذه الانتهاكات من خلال تأسيس عملية شفافة لمراجعة النشرات الحمراء، تستلزم أن تكون النشرات الحمراء والتعاميم مقرونة بأمر اعتقال.

ويمثل وضع نظام فاعل وشفاف لمراجعة النشرات الحمراء والتعاميم عند تقديمها جزءاً فقط من نظام كامل من المراجعات في مواجهة إساءة استغلال الإنتربول. وتُوصي منظمة المحاكمات العادلة الدولية بأن يُجري الإنتربول مراجعة دورية مع الدول للتأكد مما إذا كان قد صدر أمر تسليم بعد تقديم نشرة حمراء والموافقة عليها.

وقد تكشف هذه المراجعة التي تبدو بسيطة الكثير عن كيفية استخدام النشرات الحمراء وإساءة استغلالها في واقع الأمر. ووفقاً لشايفر، فإن "القواعد تنص على أن غرض المذكرة الحمراء هو تحديد هوية شخص ما لغرض تسليمه. لكن في الكثير من الأحيان، تكون الدولة ليست راغبة فعلاً في تسلُّم ذلك الشخص. بل إنها تكون مدركة لحقيقة أنها لا تستطيع تسلُّم هذا الشخص من البلد الذي هو موجود فيه. هم يعرفون بالضبط أين هم، ولا يريدون فعلاً أي مساعدة لإيجاد شخص ما. والحاجة إلى مساعدة هي الغرض الذي وُجدت النشرة الحمراء من أجله. لكنهم يفعلون هذا فقط من أجل مضايقة ذلك الشخص".

وربما يكون تطبيق آليات فاعلة وممنهجة وشفافة لمعالجة موضوع النشرات الحمراء والتعاميم هو الإصلاح الأكثر إلحاحاً بين جميع الإصلاحات. وغالباً ما تُصدر دول مُسيئة، مثل تركيا، أوامر اعتقال وتسعى لتسليم أشخاص لأسباب تتعلق بالسياسة وأمور أخرى تحظرها قوانين الإنتربول.

وقال يوري نيمتس، العضو المنتدب لشركة نيمتس للخدمات القانونية، وصاحب مدونة (انتهاك النشرة الحمراء)، لموقع أحوال تركية إن "الإنتربول بحاجة إلى العمل انطلاقاً من افتراض البراءة. وإذا لم يكن هناك دليل يثبت عكس ذلك، فإنه لابد في هذه الحالة من عدم إصدار نشرة أو تعميم".

وأُعيدت هيكلة لجنة الرقابة على ملفات الإنتربول، والتي كانت من قبل أحد أفرع المنظمة، في عام 2017 بهدف ضمان التزام أعضائها بقوانين الإنتربول، وطلبات الحصول على معلومات ورد الاعتبار، التي يقدمها الأشخاص الصادرة بحقهم نشرات أو تعاميم. بيد أنه، وفقاً لتقرير منظمة المحاكمات الدولية العادلة لعام 2018 حول إصلاح الإنتربول، فإن اللجنة ليست لديها الموارد، ولا تتمتع بالسلطة التي تُمكّنها من إنفاذ قوانين الإنتربول والبت في رد الاعتبار على نحو فاعل. ووقت صدور التقرير، كان لدى اللجنة فريق عمل مكون من خمسة أفراد، جميعهم ليست لديهم خلفية في القانون الدولي أو حقوق الإنسان. ولم تُتَح الفرصة للأشخاص الذين يتقدمون بطعون أمام اللجنة للرد على الاتهامات الموجهة لهم، لأسباب منها أن الإنتربول ظل يرفض الكشف عن تفاصيل الاتهامات قبل أن يحصل على إذن بذلك من الدولة المُصدرة، وهذا نادراً ما يحدث.

وغالباً ما تكون قرارات اللجنة متأخرة وفضفاضة. ووفقاً لتقرير منظمة المحاكمات العادلة الدولية، فإن "قرارات لجنة الرقابة على ملفات الإنتربول لم يكن بها أي تفسير للأُسس التي استندت إليها، وكثيراً ما كانت الردود تقتصر على فقرة واحدة تؤكد نتائج مداولات اللجنة بلغة عامة". وحالما يتلقى شخص ما رداً من اللجنة، فإنه لا يمكنه أن يكون مطمئّناً إلى أن القرار سيُنفّذ. ويمكن للجنة الرقابة على ملفات الإنتربول فقط أن تُصدر توصيات.

وفيما يتعلق بعدد النشرات الحمراء التي تُلغى أو تُرفض كل عام، رفض متحدث باسم الإنتربول تقديم أي إحصاءات، قائلاً إن "عدد طلبات إصدار نشرات حمراء التي تم التوصل إلى أنها لا تحقق الشروط صغير للغاية، ويمكن أن يكون هذا لعدد من الأسباب، ولا يتعلق فقط بالمادة الثالثة. من الممكن أن يكون هذا السبب هو أن جزءاً من النموذج لم يُعبّأ، لكنه صار محققاً للشروط عند إعادة تقديمه. لهذا السبب نحن لا ننشر إحصاءات محددة حول عدم تحقيق الشروط، حيث من الممكن أن تُجتزأ من سياقها". والمأخذ على هذا الأمر هو، وفقاً ليوري نيمتس، أنه "لا يوجد شيء في قواعد الإنتربول يمنعه من الكشف عن أسباب رفض تلك النشرات الحمراء،" ومن ثم فإن الإنتربول بإمكانه تقديم السياق اللازم، لكنه يختار ببساطة ألا يفعل".

كما أبدى المتحدث باسم الإنتربول عدم اتفاقه في الرأي مع المقالين السابقين في هذه السلسلة، حيث قال "بينما يمكننا فقط التعليق على حالات فردية محددة في ظروف استثنائية، فقد أشرت إلى أشخاص بعينهم على أنهم موضوع النشرات الحمراء، بينما ليست هذه هي القضية... حتى إذا كانت هناك تقارير حول دولة تقول إنها ستطلب نشرة حمراء، فإن هذا لا يعني أن الأمانة العامة تلقت أي طلب من هذا النوع، ولا أن نشرة حمراء ستصدر إذا تلقت طلباً من هذا النوع".

وأبلغ تيدور بروموند من مركز مارغريت ثاتشر للحرية، والخبير في شؤون الإنتربول، موقع أحوال تركية قائلاً "بالطبع ليست لدينا وسيلة تمكننا من معرفة ما إذا كان جميع الأشخاص الذين ذكرتهم هم بالفعل موضوع لنشرات حمراء. وهذا جزء من المشكلة. بالنسبة للإنتربول، فإن تأكيده على هذا كدفاع أمر لا يمكن إثباته، ووسيلة ذكية لتحويل هذه المشكلة إلى أداة يستغلها.

"فضلاً عن ذلك، فإنه عندما تؤكد دولة ما علناً على أنها تسعى لإصدار نشرة حمراء لشخص ما، فإن هذا نفسه يُعد انتهاكاً لنظام الإنتربول، حتى إن كان ليس بالانتهاك الذي يمكننا أن نَعزِيه مباشرة لخطأ من جانب الإنتربول نفسه. من ثم، فإن التأكيد على هذا من جديد كدفاع هو صفاقة وانحراف عن العدل".

ولا يتسم الإنتربول بالشفافية، لدرجة أن عمليات التدقيق التي يُجريها للتأكد من الحقائق غير مفيدة. وإذا أعلن الإنتربول صراحة مَن بين هؤلاء الأشخاص الواردة اسماؤهم في هذه المقالات ليس موضوعاً لنشرة حمراء، فإن هذا سيكون محل ترحيب مني. وأنا متأكدة من أن الشخص، أو الأشخاص الواردة اسماؤهم يحبون أن يعرفوا أيضاً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/interpol/reforms-vital-interpols-future-experts-victims
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.