ذكرى اغتيال الكاتب الكردي موسى عنتر إدانة للفاشية التركية

تحضر الذكرى السنوية لاغتيال الكاتب الكردي موسى عنتر (1920 - 1992) الذي اغتيل قبل ثمانية وعشرين عاماً في مدينة دياربكر ذات الغالبية الكردية في 20 سبتمبر 1992 على يد عملاء تابعين للمخابرات التركية، كإدانة سنوية متجدّدة للفاشية التي تمثّلها السلطة التركية المتطرّفة.

يعدّ موسى عنتر من الكُتّاب الأكراد الروّاد في تركيا، حيث حارب الحظر الذي فرضته السلطات التركية المتعاقبة على الثقافة واللغة الكردية من خلال نشر أعماله باللغة الكردية. واعتقل عام 1959 لنشره قصيدة باللغة الكردية ونشر عام 1967 قاموساً كردياً. وكان هدفاً لمحاكمات ومضايقات من جانب هيئات إنفاذ القانون، بالإضافة إلى المعاملة السيئة والتعذيب، والتهديد بالقتل خلال حياته.

ويشتهر موسى بلقب "العمّ موسى"، وهو لفظ يستخدم باللغة الكردية للتعبير عن الاحترام والتقدير للشخص المكنّى به. وكان عنتر أحد أقوى المدافعين عن حرية الأكراد وثقافتهم طوال حياته. واعتاد أيضاً أن يكون ضحية لكل تدخل عسكري في تركيا. وقد سُجن عدة مرات وأُرسل إلى المنفى خلال العقود التي سبقت اغتياله في 20 سبتمبر 1992.

وقُتل عنتر برصاصتين، إحداهما في القلب والأخرى في الرأس خلال هجوم في مدينة ديار بكر جنوب شرقي تركيا، يقال إن الجهة التي تقف وراءه هي مخابرات الدرك الوطني ومكافحة الإرهاب، وهي قوة شبه عسكرية مثيرة للجدل، تنتمي إلى "الدولة العميقة" السيئة السمعة.

ويقول عنتر في مذكراته "أنا شاهد حي على تاريخ تركيا الحديث. هل أنا مجرد شاهد؟ لا بل أنا مدافع وضحية أيضاً". وتعرض عنتر لقمع الدولة في سن مبكرة، نتيجة لرفض تركيا هويته وثقافته التركية.

وحتى وقت مقتله في سن الثانية والسبعين، ظل عنتر يعمل على إظهار هوية وثقافة شعبه المقهور، كونه أحد المفكّرين في زمانه. وكان من بين الناشطين البارزين الذين أسسوا مراكز الثقافة الشرقية الثورية، وحزب العمال الشعبي، ومركز بلاد ما بين النهرين الثقافي، والمعهد الكردي في إسطنبول.

كان عنتر أيضاً من روّاد الأدب الكردي، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الدولة التركية تمارس قمعا شديداً في المناطق الكردية. ونشر عنتر سبعة كتب، بالإضافة إلى قاموس للغتين الكردية والتركية.

ووفقًا لمقال مؤرشف من موقع توديز زمان منذ عام 2008، فقد وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تركيا مذنبة بالمسؤولية عن مقتل عنتر، وأجبرت على دفع 28500 غرامة في عام 2006.

ونشرت صحيفة يني يسام غازيتسي، الموالية للأكراد، مقتطفات من كتاب ذكريات عنتر لأشخاص عرفوه، وأعلنت أنها ستمنح جائزة صحافة تكريما له.

وفي الذكرى السنوية التي أقيمت أمس في ديار بكر، حضرت ميرال دانيش بيشتاش، النائب عن حزب الشعب الديمقراطي من أضنة، إحياءها، حيث تحدثت عن عنتر. وقالت "الحكومات تغيرت وأسماء الجناة تغيرت لكن آراء حكماء الأكراد لم تتغير".

وفي عام 1992، تم اغتيال عنتر بالرصاص ليوجه الادعاء بعدها بعقود اتهامات لمسلحين بتنفيذ عملية الاغتيال بناء على أوامر من الجناح الاستخباراتي لشرطة الدرك، وما زالت القضية قائمة حتى الآن على الرغم من مرور سنوات عدة منذ فتحها عام 1999.

ولم تكتفِ المخابرات التركية بقتل موسى عنتر، بل قتلت بعد ذلك بسنوات محاميه طاهر ألجي (1966 - 2015) رئيس نقابة المحامين في ديار بكر سنة 2015، أثناء إدلائه ببيان صحفي لحماية مسجد الشيخ مطهر التاريخي، المعروف أيضا باسم المئذنة ذات الأرجل الأربع والذي جرى بناؤه في القرن السادس عشر، وكذلك لإبقاء الاشتباكات بين المتمردين الأكراد المسلحين والقوات الحكومية بعيدة عن المناطق المدنية.

وكان طاهر ألجي مُوكّل الكاتب موسى عنتر، ويقول دجلة عنتر بن موسى عنتر، إنه أصيب بالصدمة حين سمع الخبر، مضيفا: "كان واحدا من المحامين القلة الذين تجرّؤوا على قبول قضايا القتل التي لم يتم حلها". ويرى عنتر أن قضية والده قد ساءت بعد وفاة ألجي.

وفي إحدى مقابلاته، قال عنتر: "في عام 1943، كنت مدير سكن الطلاب في جامعة دجلة في إسطنبول، وفي أحد الأيام، جاء ضابطان من الشرطة واقتاداني إلى المركز، وفي الداخل، تناوب ما بين اثنين وخمسة من ضباط الشرطة على الاعتداء علي وضربي، فسألتهم عن السبب، فقال رقيب الشرطة: "يا ابن الخونة، هل تعرف ما هي جريمتك؟" فأجبت "لا". فسألني "هل لديك جهاز راديو؟" فرددت بالإيجاب، وعاد ليسأل "هل لديك جهاز تسجيل؟" فأجبت "نعم لدي واحد أيضا"، فقال "إذاً يا ابن الكلب، لماذا تصفّر لحنا كرديا في حين أن هناك الكثير من الأغاني التركية الجميلة؟"

يشار أنّ هناك حديقة عامّة في مدينة نصيبين سمّيت باسم موسى عنتر، وقد تعرضت حديقة موسى عنتر للدمار في الهجمات التي شنتها الحكومة التركية على المدينة سنة 2016، حيث جرى حرق نحو ستة آلاف شجرة في الحديقة، وكان ذلك اشبه بانتقام من اسم الكاتب الشهيد الذي يظلّ ذكره يعرّي الذهنية الفاشية التركية ويفضح مزاعمها وأكاذيبها.