دمشق مُطالبة عربياً بوضع حدّ لأعمال التشيُّع والتتريك

 

باريس – فيما تتصاعد الدعوات اليوم لرفعٍ، ولو مؤقت، للعقوبات المفروضة على النظام السوري، فإنّ أصواتاً عربية ودولية تُقدّم مزيداً من الإغراءات لدمشق من بوابة الدعم الاقتصادي والإنساني والتطبيع السياسي عبر العودة للجامعة العربية بشكل خاص والمُشاركة في قمتها القادمة، مُشترطة لذلك وضع حدّ لأعمال التشيُّع التي ما زالت تقوم بها إيران في أرجاء البلد من شماله لجنوبه، بينما فتح تقدّم الجيش السوري شمال غرب البلاد ضدّ الفصائل المسلحة التي تدعمها تركيا، في فبراير ومارس، وقصف ومحاصرة العديد من النقاط التركية في سوريا، نافذة واسعة لتقرّب النظام السوري من مُحيطه العربي.
وبالرغم من ذلك، تتواصل في الجنوب السوري ومنطقة غرب الفرات شمال البلاد، عمليات التجنيد لصالح القوات الإيرانية وحزب الله اللبناني، وذلك عبر عرّابين تابعين لطهران مقابل سخاء مادي، على نمط ما تقوم به أنقرة من تجنيد لفصائل سورية تابعة لها أيضاً، فيما تتواصل عمليات التتريك الواسعة التي تشهدها مناطق الشمال السوري.
وتواصل إيران اللعب على الوتر الديني والمذهبي عبر استمرار عمليات التشيُّع، وذلك في سرايا العرين التابع للواء 313 الواقع في شمال درعا، بالإضافة لمراكز في منطقة اللجاة ومناطق أخرى بريف درعا وخان أرنبة ومدينة البعث بريف القنيطرة على مقربة من الحدود مع الجولان السوري المحتل، بالإضافة لمدينة الميادين وباديتها وضواحيها ومنطقة البوكمال وغيرها بريف دير الزور غرب نهر الفرات.
وفي هذا الصدد، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان تصاعد تعداد المتطوعين في الجنوب السوري إلى أكثر من 5600، كما ارتفع إلى نحو 3900 عدد الشبان والرجال السوريين من أعمار مختلفة ممن جرى تجنيدهم في صفوف القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها مؤخراً بعد عمليات التشيُّع، وذلك ضمن منطقة غرب نهر الفرات في ريف دير الزور، إذ تعمد الميليشيات الإيرانية لتكثيف عمليات التجنيد هذه في استغلال كامل منها لانشغال الروس في الاتفاقات مع الضامن التركي بالشمال السوري.
وانضمّ الاتحاد الأوروبي لكل من روسيا والصين مؤخراً لتأييد دعوات رفع العقوبات المفروضة عن سوريا ودول أخرى، والتي تعرقل تقديم المساعدات الضرورية لهذه الدول في مكافحة فيروس كورونا.
وتواصلت شخصيات غربية مؤخراً مع النظام السوري بخصوص ما طالب به الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أيام، بمساعدة دمشق للإفراج عن الصحافي الأميركي جوتسن تايس المختفي في سوريا منذ العام 2012، وذلك مُقابل منح واشنطن استثناءات لبعض أنواع العقوبات المفروضة على سوريا، والتي تتعلق بشكل خاص بالحرب على فيروس كورونا، وتأجيل تطبيق قانون قيصر الذي من المُفترض أن يتم في منتصف يونيو.
يأتي ذلك، بينما اتهمت منظمة حظر السلاح الكيماوي الحكومة السورية بمسؤوليتها عن هجمات بالسارين في خان شيخون ودوما بغوطة دمشق في 2017 و2018، وهو ما أثار انتقاداً واسعاً من قبل النظام السوري اليوم. كما أنّ الولايات المتحدة، وضمن سياسة الضغط، اتهمت عبر مندوبتها في الأمم المتحدة، موسكو ودمشق وطهران بتدمير المستشفيات والمنشآت الطبية، وهو ما أضعف برأيها قدرة سوريا على مكافحة فيروس كورونا.
بالمقابل، ترى الكثير من الدول العربية المحورية كالسعودية ومصر والإمارات، أنّ دمشق نجحت في محاربة التوغل التركي بدعم روسي، مُطالبة بالمزيد، بينما لا تزال ترى أهمية تقليص النفوذ الإيراني.
وفي أكتوبر الماضي، صعّدت جامعة الدول العربية دبلوماسياً ضد تركيا ردّاً على عمليتها العسكرية "نبع السلام" شمال سوريا، التي لاقت أيضاً تنديداً أوروبياً ودولياً واسعاً، وأكدت الجامعة أنّ التصرفات التركية فيما يتعلق بالملف السوري منذ العام 2011، وبخاصة تشجيعها ودعمها للعناصر الإرهابية بالمرور عبر أراضيها، أدّت لتعقيد العلاقات التركية العربية.
ويرى مراقبون سياسيون أنّ الفرصة باتت مُتاحة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لإعادة سوريا للجامعة العربية بقيادة إماراتية مصرية، حيث حصل الرد السوري الحازم على القوات التركية نهاية فبراير الماضي، على تأييد عربي رسمي وشعبي واسع.
وبينما تدّعي تركيا عدم رغبتها في البقاء بالأراضي السورية، إلا أنها بدأت سريعا إدخال مؤسساتها الخدمية وموظفيها لمُدن الشمال السوري التي سيطرت عليها قوات موالية لها في إطار عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، كاشفة بذلك عن وجه استعماري قديم مُتجدّد يشمل كذلك الاستيلاء على منازل السوريين وتغيير أسماء بعض الشوارع بأخرى تركية وفرض التعامل بالليرة التركية.
واليوم فإنّ عدد الرموز والأعلام التركية وحالات التغيير الديموغرافي وطمس الهوية الثقافية التي تشاهد في المدن السورية المحتلة من قبل تركيا، قد لا يوجد لها مثيل على الأراضي التركية نفسها. وهو ما يكرس واقع الانفصال التي تريد تركيا فرضه مع مرور الوقت، حيث لا تزال تجربة السوريين في فقدان لواء إسكندرون لصالح تركيا ماثلة في الأذهان، علماً أنّ ما تقوم به تركيا الآن من انتهاكات وجرائم شمال سوريا بمساعدة فصائل سورية إسلامية تابعة لها، هو أخطر وأشمل بكثير مما جرى سابقاً أثناء سلخ لواء إسكندرون، وذلك وفقاً لما يؤكده أهالي تلك المناطق الذين تمّ طردهم من بيوتهم لصالح فصائل أنقرة وعائلاتهم الذين هجّرهم النظام السوري بالمقابل من مناطق أخرى جنوب ووسط البلاد.