اومت اوزكرملو
سبتمبر 22 2019

ضرورة العمل على بناء مستقبل ديمقراطي في تركيا

دعونا نحدّد الوضع القائم في تركيا بالأرقام قبل كل شيء. 
تتراجع الديمقراطية في جميع أنحاء العالم وتترك محلها للأوتوقراطية/ الاستبدادية. بحسب ما ورد في مجمع اللغة التركية، فإن الأوتوقراطية: "شكل من أشكال الحكم تكون فيه كل السلطة السياسية بيد شخص واحد". وبعبارة أوضح هي نظام رجل واحد، وهي نوع من الديكتاتورية. 

تكشف قاعدة بيانات مؤسسة أصناف الديمقراطية، الأكثر موثوقية في العالم حول تطبيق الديمقراطية والدمقرطة لعام 2019 أن 24 دولة، بما فيها البرازيل والهند وبلغاريا والمجر وبولندا وصربيا وحتى الولايات المتحدة، قد أخذت نصيبها من موجة الأوتوقراطية.

وفقًا لهذه البيانات، يعيش ثلث سكان العالم في ظل نظام رجل واحد. وإذا أردنا الخوض في التفاصيل، فإنه في عام 2016 كان 415 مليون شخص يعيشون في ظل إدارات أوتوقراطية، بينما ارتفع هذا العدد إلى 2.3 مليار بحلول عام 2018.

النقطة الوحيدة التي تبعث على السرور هي أن غالبية البلدان البالغ عددها 202 دولة (99 دولة تمثّل 55 بالمائة من مجموع الدول) والتي قامت مؤسسة أصناف أو أنواع الديمقراطية المذكورة بتقييمها في تقريرها لا تزال تستوفي معايير الديمقراطية.

من ناحية أخرى، انخفض عدد البلدان التي يمكن وصفها بـ"الديمقراطية الليبرالية" إلى 39 في عام 2018 بعدما كان 44 في عام 2008.

هل تسألون عن وضع تركيا؟ لقد كانت تركيا توصف بالفعل منذ فترة طويلة بـ"الدولة الأوتوقراطية في أدبيات العلوم السياسية، سواء نظرتم إلى تقييم مؤسسة فريدم هاوس أو مؤسسة أصناف الديمقراطية أو أي مؤسسة معنية أخرى.

الأرقام سيئة بدرجة كافية، لكنها لا تكفي لفهم الموقف تمامًا، لأن معظم هذه الأنظمة الأوتوقراطية الجديدة "أوتوقراطية منتخبة". إذاً هذه الأنظمة، أي أنظمة "الرجل الواحد" يتمتعون بدعم شعبي. ويمكن أن تقولوا بأن هؤلاء الرجال يملكون الأغلبية الرياضية. أما حقيقة البعد عن تحقيق النزاهة الكاملة في الانتخابات فلا تغير النتيجة. 

كما نرى في الحالة التركية، فإن الانتخابات في الأنظمة الأوتوقراطية حرة نسبيا وإن تدخلت الحكومات الاستبدادية في نتائجها، وإلا فلم يكن بإمكان مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو الفوز ببلدية إسطنبول مرتين على التوالي.

إذا أردنا وصف الحقيقة دون ليّ اللسان، بعد وضع الفروق الدقيقة جانبًا، فالشعب لا يريد الديمقراطية! وأنا إذ أقول "الشعب" لا أميّز بين الطبقة العليا والوسطى والفقيرة. لأن الكتلة التي نسميها الشعب تتكون من مجموع هذه الطبقات أو الفئات. في الواقع، فإن النخب، الذين يحتكرون إلى حد كبير رأس المال الاقتصادي والثقافي، هم المسؤولون عن هذا الوضع. لكن الحل لا يكمن في النخب أيضا. 

صوت كل مواطن متساو مع كل الأصوات الأخرى في نهاية المطاف، وأن غالبية المواطنين المتمتعين بصلاحية التصويت يفضلون القادة الأقوياء والاستقرار والأمن والمصالح والقيم الوطنية على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة.

إذن ما الذي تفعله الأقلية المؤيدة للديمقراطية في ظل هذا المشهد؟ دعونا نردّ على هذا السؤال بشكل مباشر أيضًا: إنهم يأكلون بعضهم البعض! فاليسار منقسم ومتفكك، ولا يحب أي شخص لا يفكّر مثله. واليمين لا يحب اليسار والأقليات أصلا، ويصوِّب سهامه نحو كل شخص يشكّك في النظام القائم. 

ونتيجة طبيعية لذلك فإن حزب العدالة والتنمية، على الرغم من أنه لم يعد يطور أي سياسة لتسوية المشاكل، وباتت كلمته غير مسموعة حتى لدى الصحفيين الصوريين المبررين لكل إجراءاته، وفقد السيطرة على دفة الاقتصاد، لا يزال الحزب الحاكم في البلاد. وإنه سيظل في الحكم حتى يعود الديمقراطيون المرهقون إلى رشدهم وصوابهم. 

لا حاجة لمزيد من القول نظرا لأن المشهد أمام أعيننا وواضح وضوح الشمس. لكن من الضروري أن نقول ببضع كلمات للذين يبدو أن لديهم حساسية سياسية.  

العالم الذي تعيشون فيه ليس عالم المثل العليا. ربما لن يتحقق حلمكم وأنتم على قيد الحياة. هذا لا يعني أنه لا يجب عليكم النضال في سبيل تحقيق مثلكم العليا. بالطبع سنكافح من أجل نقل أحلامنا الطوباوية إلى ساحة الفعل. سنفعل ذلك من أجل أبنائنا والأجيال القادمة وإن لم يتسن لنا رؤية هذه الأيام. 

ولكن من المفيد أيضًا أن نكون واقعيين بنسبة معينة. فقد أقدم 17 شابا في تركيا 1919 على استنهاض الجماهير العريضة وإيقاظهم من سباتهم العميق بهذه الكلمات التالية التي وردت في أغنية الراب التي أعدوها وحملت عنوان: "لا يمكنني الصمت": 

تأتي العدالة بعد قليل دون أن ترحم عليك
وتكسر الشرطة بابك بينما وظيفتها حمايتك
لأنك برّرت قتل الأطفال لأن القتلة موظفو الدولة
 والتزمت الصمت، أي أنك مجرم!
لأنك حزنت يومين فقط ثم جفّفت أنهار الدموع في عينيك، 
ونسيت اسم القاضي الذي أخلى سبيل قاتل "توغجه" و"بشرى"
وإذا ما حلّ بك سوء فهل بقي في المدينة قانون؟
وإذا أخذوك في ليلة إلى السجن جورًا وظلمًا 
فلن تجد صحفيين ليعدوا خبرا عنك 
لأن جميعهم معتقلون!
لن تعود الأرواح التي قتلها الجناة المطلق سراحهم 
ولن تعود السنوات التي تُقضى في السجن دون جريمة
لقد سكتَّ ولم ترفع عقيرتك فمارسوا عليك كل أنواع الظلم
وقد سلبوك حقوقك ولن يعيدوها إليك طواعية... الخ.

وقد خرج البعض واحتجّوا على هذه الأغنية بدعوى أنها لم تتحدث عن حقوق "مجتمع المثليات والمثليين ومزدوجي الميول الجنسي والمتحولين جنسياً (الإل جي بي تي)"، وأن واحدًا من بين 16 شابا شاركوا في أداء أغنية الراب أطال لسانه إلى الأكراد والمتعاطفين مع حركة غولن في تغريدة له.. 

أعتقد أن هذا الاحتجاج ليس في محله؛ لأننا لا نعيش في زمن يسمح لنا أن نوجِّه نقدًا من هذا القبيل. كذلك الاعتراض على رئيس بلدية إسطنبول من حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو بسبب أنه أهدى الأكراد صورة لـ"أتاتورك"، رمز القومية التركية، ليس في محله أيضًا. 

بالله عليكم فهل سبق أن قدّم أحد من حزب الشعب الجمهوري الشكر لمرشحي حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد عقب فوزهم بالانتخابات؟ فهل سبق أن زار أحد من الشعب الجمهوري رؤساء البلديات الأكراد المعزولين من مناصبهم؟ فهل سبق أن قال أحد منهم بضرورة الإفراج عن الزعيم الكردي المعتقل صلاح الدين دميرتاش؟ وهل اتهم أحمد ترك وعدنان سلجوق، وهما من رؤساء البلديات الأكراد المعزولين، رئيس بلدية ديار بكر مزراقلي إمام أوغلو بـ"التصرف الطائش"، لأنه قبل هدية أكرم إمام أوغلو؟ إذا كان هؤلاء يسكتون ويغضّون أبصارهم عن الآراء والتصرفات التي لا يوافقون عليها في سبيل تحقيق الديمقراطية الحقيقية في البلاد فيجب علينا أن نبتعد عن التهور في الكلام وإطلاق اللسان على عَلاته. 

هل نعثر على نقص أو خطأ لو لو بحثنا في جميع التصريحات التي أدلت بها أو التغريدات التي نشرتها رئيسة شعبة حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول جنان كفتانجي أوغلو الصادر بحقها قرار حبس أو الناشط الحقوقي ورجل الأعمال الشهير عثمان كافالا المعتقل حاليا؟ بأغلب الاحتمال سنجد فيها النقص والخطأ. فمَنْ منّا أحرز "الكمال" الذي يخلو من الخطأ والنقص يا ترى؟ ورغم كل ما ذكرتُ فإننا نتضامن مع كفتانجي أوغلو وكافالا دون ذكر سلبياتهما. إذن لماذا لا نتضامن مع 16 شابًا خاطروا بأنفسهم وكشفوا عن عورات وسوآت السراي والسلطة السياسية بقيادة أردوغان، في حين أن أقرانهم يتناولون الخمور في المقاهي والنوادي الليلية؟ ولا بد أن نضع نصب أعيننا أن هؤلاء الشباب تمكنوا من أداء أغنيتهم بفضل موجات الشجاعة التي خلقها فوز إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول. 

أعلم أن ما كتبته في هذا المقال هو "التحريفية" في الأدب الاشتراكي، و"البراغماتية" في الأدب الآخر، أو يمكن وصفه بأوصاف وأسماء أخرى. أما بحسب رأيي فهو "الواقعية". ومع أننا لم نحظَ به، إلا أنني أريد لأبنائنا وبناتنا مستقبلاً يعيشون فيه في ظل ديمقراطية ولو لم تكن كاملة بكل معنى الكلمة. ربما لا يدرك الجميع، لكن حتى الحديث عن تحقيق هذا الحلم من أجل أبنائنا في المستقبل يعتبر "يوتوبيا" بحد ذاته. 

لنقمْ أولاً ببناء اليوتوبيا الصغيرة الخاصة بنا، ومن ثم نبدأ بالعمل على بناء اليوتوبيا الحقيقية بشكل أو بآخر.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/demokrasi/haklarini-elinden-aldilar-ve-guzellikle-geri-vermicekler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.