دروس من حملة تركيا العسكرية في إدلب السورية

كشفت الاشتباكات المباشرة الأولى بين الجيش التركي وقوات الحكومة السورية في أواخر فبراير وأوائل مارس مدى هشاشة القوات المسلحة التركية. ويقول محللون عسكريون إن روسيا ما دامت لم تتدخل لمساعدة حليفتها السورية، فإن تركيا ستظل لها اليد العليا إذا تم إنهاء وقف إطلاق النار واندلعت معارك أخرى مجدداً.

فبعد مقتل ما لا يقل عن 34 جندياً تركياً في غارة جوية على محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة في شمال غرب سوريا في السابع والعشرين من فبراير، أسقطت تركيا ثلاث طائرات حربية سورية واستخدمت طائراتها المسلحة دون طيار في إلحاق أضرار بالغة بالقوات البرية السورية. لكن قرار روسيا عدم إغلاق المجال الجوي كان حيوياً في نجاح تركيا.

وقال شاشانك جوشي، محرر شؤون الدفاع في مجلة (ذي إيكونوميست) "أعتقد أن تركيا أظهرت بعض قدرات الضربات الدقيقة المثيرة للإعجاب في إدلب في الشهر الماضي، لكن لا يمكننا استخلاص استنتاجات رئيسة من هذا ... لقد اتخذت روسيا خياراً مدروساً لتجنب تحدي الغارات التركية أو مهاجمة الأصول في المجال الجوي التركي".

ولكن إذا اختارت روسيا إغلاق المجال الجوي فوق إدلب، حيث تتمركز القوات التركية في إطار اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2018، فلن يكون أمام تركيا مساحة أكبر للمناورة.

وقال جوشي "ما إذا كانت روسيا ستفعل ذلك يبقى سؤالاً مفتوحاً، ولكن أعتقد أنها سيكون لديها حافز قوي لردع المزيد من الاستنزاف التركي للوحدات السورية وتأكيد الهيمنة".

ما لم تكن واثقة من الدعم من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فمن غير المحتمل أن تخاطر تركيا بالذهاب إلى المواجهة المباشرة مع روسيا، لا سيما في الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية بمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد.

وقال ليفينت أوزغول، وهو محلل عسكري تركي ومؤسس شركة بلو ميلانغ للاستشارات، إن تركيا "يمكن أن تمحو القوات السورية بسهولة" إذا لم يكن لديها أي دعم جوي روسي.

ودون دعم الدفاعات الجوية الروسية، لم يكن لدى القوات السورية حماية تُذكر في مواجهة غارات الطائرات دون طيار التركية. ويرجع ذلك إلى أن معظم صواريخ الدفاع الجوي المحدودة المدى في سوريا - لا سيما صواريخ إس-300 الروسية - تتركز على الدفاع عن المجال الجوي فوق دمشق. معظم الدفاعات الجوية السورية الأخرى هي أنظمة بانتسير وبوك الروسية متوسطة المدى الأقل تطوراً.

ونتيجة لذلك، كانت القوات السورية قادرة فقط على إسقاط حوالي خمس طائرات دون طيار تركية، في حين تكبدت خسائر فادحة في القوات والمعدات.

وخلال العملية، أثبتت المقاتلات النفاثة التركية من طراز إف-16 أنها قادرة أيضاً على إسقاط الطائرات الحربية السورية فوق إدلب دون مغادرة المجال الجوي التركي باستخدام صواريخ جو جو بعيدة المدى من طراز إيه أي إم-120 أيه إم آر أيه أيه إم. وتشير هذه القدرة إلى أن تركيا ربما لا تزال قادرة على استهداف الطائرات الحربية السورية في الاشتباكات المستقبلية، حتى لو أغلقت روسيا المجال الجوي لإدلب.

وأشار توم كوبر، وهو محلل عسكري ومؤرخ، إلى أن اشتباكات إدلب أظهرت كيف كانت روسيا "حريصة للغاية على تجنب أي نوع من المواجهة المباشرة مع تركيا".

وقال "وبالمثل، فإن تركيا حذرة للغاية لتجنب مهاجمة القوات المسلحة الروسية في سوريا".

هذا، إلى جانب قدرة تركيا على ضرب الأهداف السورية فوق إدلب من مسافة آمنة بصواريخ جو جو بعيدة المدى من طراز إيه أي إم-120 أيه إم آر أيه أيه إم، وكذلك على الأرض، بصواريخ يبلغ مداها أكثر من 200 كيلومتر، مما يعني أن الوضع سيبقى تحت السيطرة.

وقال أوزغول إن روسيا ربما زودت القوات السورية بأنظمة دفاع جوي محدثة لمواجهة أي اشتباك مستقبلي حول إدلب.

وتابع قائلاً "لقد توقعت أن روسيا قدمت أنظمة دفاع جوي إضافية وأكثر حداثة متوسطة المدى للقوات السورية حول إدلب في مواجهة أي اشتباكات لاحقة مع القوات المسلحة التركية".

وعلى الأرض في إدلب، نشرت كل من تركيا والحكومة السورية عشرات الآلاف من المقاتلين. يتألف وكلاء تركيا من مختلف الجماعات المسلحة التي تقاتل تحت لواء الجيش الوطني السوري، في حين يتألف وكلاء سوريا في الأساس من جماعات شبه عسكرية بقيادة إيران.

وبعد مرور تسع سنوات على الحرب الأهلية، فإن ما تبقى من الجيش العربي السوري الحكومي يكمله الآن بشكل أساسي رجال الجماعات المسلحة الذين يقودهم بشكل رئيسي الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، والذي يعتمد عليه الرئيس السوري بشار الأسد بشدة من أجل ضمان بقائه.

وقال كوبر "على خطوط الجبهة، تحتفظ التشكيلات التي يديرها الحرس الثوري الإيراني بأكثر من 50 في المئة من خطوط المواجهة، وتوفر مشاة بالغة الأهمية لما تبقى من فرقة ماهر الأسد الرابعة، على سبيل المثال فقط".

ولا تستطيع الحكومة السورية دفع رواتب لأكثر من 50 ألف جندي في جميع قطاعات قواتها المسلحة. وفي المقابل، لا يجد الحرس الثوري الإيراني مشكلة في دفع رواتب لحوالي 90 ألف سوري يقاتلون تحت قيادته، إلى جانب 50 ألف أجنبي في البلاد.

وفي حين تستخدم تركيا عشرات الآلاف من مقاتلي الجيش الوطني السوري كوكلاء لها، فإنها لا تعتمد عليهم في الهجمات البرية بنفس الطريقة التي تعتمد بها سوريا على المقاتلين بقيادة الحرس الثوري الإيراني. وقال كوبر إن تركيا إذا استخدمت القوة الكاملة لقواتها النظامية فإنها "يمكن أن تتغلب على كل شيء وكل شخص في سوريا".

لكن تركيا تريد تجنب الخسائر في صفوف قواتها، لذلك تفضل استخدام وكلائها في مواجهة المدافع. وعلى الرغم من إمداد الجيش الوطني السوري في إدلب بعربات قتالية مدرعة، إلا أنه أثبت عدم قدرته على الصمود أمام القوات الحكومية السورية. وقال أوزغول إنه حتى عندما أعطيت كميات كبيرة من الذخيرة والدعم الجوي من الطائرات دون طيار التركية، فقد مقاتلو الجيش الوطني السوري مدينة سراقب المهمة استراتيجياً.

من الصعب التكهن بدقة بما قد يحدث إذا اندلعت المعارك مرة أخرى في إدلب، لكن الجولة الأخيرة من القتال أثبتت أنه لا يمكن للمرء أن يستهين بشكل واقعي بالقوة العسكرية التركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-syria/lessons-turkeys-military-campaign-syrias-idlib
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.