اومت كرداش
سبتمبر 22 2019

دستور 1924: نحو نظام أوتوقراطي يقوم على حكم الحزب الواحد

كان نظام الحكومة البرلمانية (حكومة المجلس) أحد أهم ما ميَّز دستور عام 1921، الذي عُرف كذلك باسم (قانون التشكيلات الأساسية)، حتى لو تركت عظمة السلطات التي تقلّدها مصطفى كمال (رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة والرئيس الفعلي للدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة التركية) انطباعاً لدى البعض بوجود ملامح الدكتاتورية في شخصيته، إلا أن المجلس احتفظ بقدرته على الحفاظ على مناخ النقاشات الديمقراطي، والتعددية الإيديولوجية السياسية داخله.
لم يكن مصطفى كمال قد نُصِّب بشكل رسمي رئيساً على الدولة، ومع هذا فقد كان القائم الفعلي بمهام رئيس الدولة خلال تلك الفترة، ولم تكن هناك كتل برلمانية مكونة من الأحزاب السياسية داخل مجلس الأمة (البرلمان)، فوجد مصطفى كمال أن الحل يكمن في تأسيس مجموعة سياسية داخل البرلمان، وبالفعل كوَّن جماعة أطلق عليها اسم "جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول وبلاد الروم" تولى زعامتها وتوجيهها في إطار برنامج محدد.
كان رئيس المجلس هو نفسه رئيس هيئة الوكلاء التنفيذيين (التي تمثل السلطة التنفيذية)، مما جعله يتمتع بسلطات واسعة، كالتوقيع نيابة عن المجلس، وتوقيع قرارات مجلس الوزراء التنفيذي، بشكل يمكننا القول معه إن السلطة كانت تتركز في يد رئيس المجلس، حتى لو لم يكن هذا الرئيس قوياً.
أعتقد أنه يتعين علينا أن نلقي نظرة على التطورات السياسية خلال فترة إعداد دستور 1924، والإعلان عن مبادئه بين عامي 1921-1924.
قضى مرسوم الجمعية العمومية رقم 308 الصادر بتاريخ 1-2 نوفمبر عام 1922 بشأن "اعتبار مجلس الأمة التركي الممثل الحقيقي للسلطة ولسيادة القانون في البلاد" بإلغاء السلطنة، وخلع السلطان وحيد الدين عن الخلافة، وجرى انتخاب عبدالمجيد أفندي من قبل مجلس الأمة.
وبعد اعتماد دستور 1921، بدأت الجماعات السياسية في الظهور تحت أسماء وتوجهات مختلفة؛ فظهرت المجموعة الأولى بميول ثورية، وتبعتها المجموعة الثانية بميولها المحافظة. كان المحافظون يميلون أكثر، بعد حرب الاستقلال، إلى استمرار النظام العثماني، أما المُجددون فكانوا على النقيض من ذلك تماماً.   
ومع هذا، كان من بين المجددين أيضاً من ارتابوا في توجه مصطفى كمال، الذي كان رئيساً للمجلس حينذاك، إلى الديكتاتورية. أعلن مصطفى كمال، بعد ذلك، أنه سيشكل حزباً تحت اسم "حزب الشعب الجمهوري"، وأعلن أن الهدف من إنشائه هو إتاحة الفرصة لتكوين مجلس جديد  قادر على اتخاذ القرارات بسهولة أكبر، خاصة فيما يتعلق بإيجاد حل لمشكلة إحلال السلام.
وفي جلسة الأول من إبريل عام 1923، اتخذ مجلس الأمة القرار بإعادة الانتخابات، وطرح مصطفى كمال مرشحيه تحت اسم حزبه السياسي. كانت المهمة الأولى للمجلس خلال الفترة الثانية هي اعتماد نص دستوري ذي مرجعية دينية في البلاد.  
وفي الثالث من مارس عام 1924، صدر القانون رقم 431 الذي قضى بإلغاء الخلافة العثمانية، وطرد السلالة العثمانية خارج الجمهورية التركية، وتجميد سلطة الخليفة تحت مبررات مختلفة. 
وقد تم نقل الخليفة وأفراد الأسرة الحاكمة إلى الخارج، وتمت مصادرة بعض الممتلكات والعقارات الخاصة بهم، وجاء في مبررات إلغاء الخلافة "الحكم بإلغاء الخلافة، استناداً إلى أن كلمات الخلافة والحكومة والجمهورية لها مفهوم واحد".
استند مشروع دستور 1924، الذي استمر العمل به حتى عام 1940، إلى 4 سنوات سابقة من الخبرة في إعداد الدستور، واستفاد الذين قاموا على وضعه من الدستور الفرنسي لعام (1875)، والدستور البولندي لعام (1921). وبالفعل تم التصديق على هذا الدستور في 20 أبريل 1924.
وعلى الرغم من أن المادة 3 من الدستور قد نصت على وضع السيادة الوطنية في يد الشعب دون قيد أو شرط، مقارنة بدستور عام 1921 ، الذي لم يتضمن أي بنود تتعلق بممارسة حق السيادة، ولم يفرد مكاناً لأية مادة تتعلق ڊِ "أن الحكم قائم على مبدأ إدارة الشعب الفعلية لمقدراته"؛ ولذلك لم يتم التطرق إلى مجالس الولايات والمقاطعات في دستور 24.
والحقيقة أن الظروف السياسية في ذلك العصر (ميراث حرب الاستقلال، والتآلف بين الجيش وحزب الشعب الجمهوري) هي التي شكلت القوة السياسية للرئيسين الأول والثاني للجمهورية التركية وهويتهما، وليس دستور 1924.
وقد ورد ذكر الناحية التشريعية والتنفيذية في الدستور باعتبارها من الواجبات، وكان إطلاق كلمة "قوة" على القضاء، بمثابة تعزيز لسلطة الهيئات القضائية، وأصبح القضاء بذلك هيئة مستقلةً،  تستخدم سلطاتها باسم الأمة.
لم يقبل النظام الحاكم عام 1924 مبدأ المراجعة القضائية لدستورية القوانين، وتركت أمر المراجعة القضائية للإجراءات الإدارية لشورى الدولة.
بدأ مصطفى كمال، بصفته رئيساً للجمهورية التركية، اعتباراً من الأول من مارس 1924، يعلن أنه يريد أن يرى القضاء قوة داعمة للإصلاحات التي يقوم بها، ومناهضة للمحافظين؛ إذ كان يُنظر إلى القضاء، في ذلك الوقت، باعتباره الحارس الأمين للنظام وللثورة.  
لم ينظم دستور 1921 الحقوق والحريات الفردية على نحو جيد، أما دستور 1924 فعالج هذه القضية تحت عنوان "الحقوق العامة للأتراك". وهنا أصبحت المقاربة القانونية والليبرالية والفردية هي السائدة في موضوع الأصول الفلسفية لحقوق الأفراد وحرياتهم وحدود هذه الحريات.
تنص المادة 68 أن المواطن التركي يولد حراً، وأن حريته تنتهي عند حدود حرية الآخرين. ولا تتضمن المادة الإشارة لمفاهيم أو كيانات أخرى تنتهي عندها حرية الفرد مثل سلطة الدولة أو الاندماج في نسيج الأمة أو ذريعة الأمن القومي أو المصالح العامة أو المجتمعية.
لقد حدَّد دستور 1924 كذلك المقصود من كلمة "أتراك" أو "تركي" بوصفها أحد المفاهيم المرتبطة بقضايا الحقوق والحريات. "والتركي" وفقاً للمادة 88 من دستور 1924 هو اسم يُطلق على "كل مواطن من أهالي دولة تركيا، دون النظر إلى الاختلافات الدينية والعرقية بينهم".
انطلق دستور 1924 من نقطة التكامل بين السلطات التشريعية والتنفيذية، وقد تخطى مجرد كونه دستوراً تعددياً ليقترب من مفهوم ديمقراطية الأغلبية. والسبب في ذلك هو أنه كان يُنظر إلى الإصلاحات الجذرية، التي تقوم بها الدولة في سبيل الاتجاه نحو الحداثة، باعتبارها المشكلة الرئيسة في تلك الفترة.. 
وكان تجميد العمل بأي من أحكام الدستور، سواء أكان بترك الباب مفتوحاً أمام محاكم الطوارئ أم بتنفيذ إجراء يندرج ضمن مهام السلطة التنفيذية لشورى الدولة، يرتبط في الأساس بالأهداف السياسية والأيديولوجية للنظام الجديد.
أُرِيدَ من القضاء أن يكون الوصي أو الحارس الأمين على النظام الجديد ومكتسبات الثورة، وفي المقابل تم إغفال الدور الرقابي الفاعل للقضاء على الإجراءات والأعمال التشريعية والتنفيذية خلال هذه الفترة، وبذلك خلق نظام الحزب الواحد صورة قمعية وسلطوية مغايرة تماماً للصورة التي رسمها الدستور بشأن الحقوق والحريات.
خضع دستور 1924 خلال أعوام 1928 و 1934 و 1937 للعديد من التغييرات والتعديلات الجذرية المرتبطة ببعض المفاهيم السياسية وحدودها.
وقد ألغى القانون رقم 1222، الذي نُشِر في الجريدة الرسمية بتاريخ 11 أبريل 1928، جميع المرجعيات الإسلامية الموجودة في الدستور. من هذه المرجعيات المُلغاة ما ورد في المادة 2 بشأن "التأكيد على أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للدولة التركية"، وأيضاً ما جاء في المادة 26 التي تنص على  "تنفيذ أحكام الشريعة"، وما تبعها من حذف كلمة "والله" عند حلف اليمين من قبل نواب البرلمان ورئيس الجمهورية.  
وفي الخامس من ديسمبر عام 1924 تم إجراء تعديل مهم آخر على دستور 1924 منح النساء الحق في الترشح والإدلاء بأصواتهن في الانتخابات.
وفي عام 1935، أصبح وزير الداخلية أميناً عاماً للحزب في نفس الوقت، وبعد ذلك أصبح الولاة رؤساء للحزب في أماكن ولايتهم، وبذلك ذابت بيروقراطية الدولة داخل الحزب.
وبإقرار التعديل الدستوري، الذي جرى بتاريخ 05/02/1937، تم تحويل مبادئ برنامج حزب الشعب الجمهوري، الذي كان الحزب الوحيد حينها، إلى شكل مبادئ دستورية. وبذلك تقدمت الدولة خطوة إلى الأمام باتجاه الخلط بين سلطة الدولة والحزب. ومع هذا التعديل، أصبحت المادة 2 من الدستور تنص على أن "تركيا دولة جمهورية قومية شعبية علمانية إصلاحية ثورية. اللغة التركية هي لغتها الرسمية، وعاصمتها مدينة أنقرة".
وكان من المثير للدهشة والتساؤل في آن واحد أن يوافق مجلس النواب، بعد ذلك بثلاث سنوات، دون إبداء أي اعتراض، على قيام نظام حكم سلطوي، يعتمد في الأساس على نظام الحزب الواحد، بعد أن كان يمسك بيده كل أمور الدولة قبل ذلك.
نعلم أن أتاتورك وأصدقاؤه فضلوا إقامة دولة وطنية مركزية قوية، لكنهم فضلوا هذه الطريقة من أجل تعبئة الأكراد وحشدهم من أجل الكفاح الوطني، في ظل الظروف المتوترة أثناء فترة النضال الوطني آنذاك. وبعد أن كُلِّلت مسيرة النضال الوطني بالنجاح، لم تعد هناك حاجة، من وجهة نظرهم، للاستمرار في هذا الطريق أو لاستنفار الأكراد إلى جوارهم.
وإذا كان الطابع التمثيلي واحداً من أهم سمات مفهوم الديمقراطية في دستور 1924، فهناك ميزة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى ألا وهي صفة الأغلبية التشاركية. ومع ذلك، فإن المفهوم التعددي للديمقراطية، يشمل، بطبيعة الحال، كذلك حق الأغلبية في الحكم، لكن هذا يتطلب تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات  المختلفة؛ حتى يضمن حقوق الجماعات الأخرى خارج الأغلبية.
وفي رأيي، إن أكبر عيب شاب هذا الدستور أنه لم يتضمن آليات تضمن الفصل بين السلطات؛  الأمر الذي جعل نظام الحكم الاستبدادي، الذي يقوم على حكم الحزب الواحد، يجمع في يده كافة السلطات، وجميع مقاليد الحكم، خلال الفترة التي وضع فيها الدستور، وبالتالي حدَّ بشكل كبير من حقوق الفرد وحرياته، على الرغم من المبادئ العامة التي نصّ عليها الدستور.
وأصبح الرئيس (أتاتورك وعصمت إينونو) ثِقل السلطة الحقيقي، وفي المقابل لم يكن للبرلمان دور حقيقي سوى الموافقة التلقائية على قرارات الرئيس. وقد ظهر قصور الدستور، بشكل واضح، خلال فترة التعددية الحزبية بعد ذلك.
هذا وقد أدى المفهوم القائل بأن الأغلبية في البرلمان قادرة على فعل أي شيء إلى دفع الحزب الديمقراطي إلى التحول إلى الاستبداد هو الآخر؛ مما أدى إلى توتر متزايد في العلاقة مع المعارضة، حتى أُسقِط النظام مع الانقلاب العسكري الذي حدث عام 1960.
ومما لا شك فيه أن افتقاد المؤسسات والقوى السياسية إلى ثقافة الديمقراطية، إضافة إلى وجود هوى السلطة والاستبداد لديها، كان سبباً مؤثراً أدى إلى هذه النتيجة...
________________________________________
هذا المقال يعكس آراء المؤلف، ولا يشترط  أن يأتي متوافقاً مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:


 

https://ahvalnews.com/tr/anayasa/tek-partili-otokratik-rejime-dogru-1924-anayasasi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.