أحوال تركية
مايو 20 2019

دولارات أردوغان لن تشتري أصوات الأكراد في إسطنبول

إسطنبول - يجدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إطلاق وعوده وتهديداته قبيل الجولة القادمة من إعادة انتخابات بلدية إسطنبول المزمع إجراؤها في 23 يونيو المقبل، ويحاول أن يستميل الأكراد الذين صوّتوا لصالح مرشّح المعارضة أكرم إمام أوغلو الذي فاز في الانتخابات، التي تم إلغاء نتائجها من قبل المجلس الأعلى للانتخابات، بعد ضغوط شديدة تعرّض لها من أردوغان.  

 ومع توجه الناخبين في إسطنبول إلى صناديق الاقتراع من جديد في الثالث والعشرين من يونيو في إعادة لانتخابات بلدية إسطنبول على منصب العمدة، والتي كان أكرم إمام أوغلو فاز فيها بدعم من حزب الشعوب الديمقراطي الذي صوّت لصالحه، يجد أردوغان نفسه في موقف يسعى فيه إلى كسب ودّ الأكراد، والتحايل عليهم بالوعود والشعارات التي لا تقنعهم، بحسب ما يؤكد أنصار حزب الشعوب الديمقراطي.

وقبل ساعات من إعلان المجلس الأعلى للانتخابات إلغاء نتائج انتخابات إسطنبول والأمر بإعادتها في 23 يونيو المقبل، أعلن محامو الزعيم الكردي عبد الله أوجلان أنهم التقوا به في سجن إيمرالي للمرة الأولى منذ عام 2011. الأمر الذي سعت من خلاله الحكومة التركية لتهدئة الشارع الكردي، والإيحاء بأن هناك فرصاً جديدة لإحياء عملية السلام المتوقفة منذ 2015 بينها وبين حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه على لائحة الإرهاب.  

ويستعين أردوغان وحزبه العدالة والتنمية بشتى السبل من أجل دفع الناخبين الأكراد للتصويت لبن علي يلدريم، من ذلك مثلاً محاولة تقديم رشى لبعض رجال الدين الأكراد في إسطنبول، من أجل حثّ الناخبين على التصويت لصالح يلدريم، لكن يبدو أن هذا الأسلوب لم ينفع كثيراً، وتم فضحه والتشهير به من قبل بعض الشيوخ الذين رفضوا الانخراط في عملية التواطؤ ضد مرشح المعارضة، كما رفضوا بيع ذممهم لأردوغان، أو الانصياع له.

وفي هذا السياق قال الباحث السوري المتخصص في الشؤون التركية خورشيد دلي في منشور له: "بعد فشل أردوغان في استمالة حزب الشعوب للتصويت لصالحه في إسطنبول دفع ٥ مليون دولار لرجال الدين الكرد لإقناع كرد إسطنبول بالتصويت لصالح بن يلدريم. الداعية عبد الصمد أكار صوي رفض استلام ١٠٠ ألف دولار، وقال لجماعة أردوغان إيماني أقوى من دولارتكم ولن أفعل ما تريدون".

وبينما قال بعض الصحفيين إن السلطات التركية أقرت الاجتماع لكي تسمح لأوجلان بإرسال رسالة إلى مؤيديه لإنهاء الإضراب عن الطعام الجاري في السجون، فإن توقيت الحدثين أثار شكوكا في أن هدف حزب العدالة والتنمية الرئيس من وراء هذا هو الوصول إلى الناخبين الأكراد الذين أعطوا أصواتهم لإمام أوغلو في انتخابات 31 مارس.

ويؤكد ناخبون أكراد أن مثل هذه التكتيكات لن تُقنعهم بتغيير موقفهم في انتخابات إسطنبول، وأن حزب العدالة والتنمية كذب عليهم في كل مرة، وكان دائماً يحاول أن يخدعهم، وأنه ليس لديه ما يمكن أن يعطيه لهم سوى الكذب.

ويلفت مراقبون للشؤون التركية أن الأكراد فقدوا ثقتهم بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته، وأنه منذ أن وصل إلى السلطة في عام 2003، أطلق عمليتي سلام في تركيا لحل المشكلة الكردية، واحدة في 2009، حين كان رئيساً للوزراء، وثانية في 2013، وتوقفت في 2015 بعد فشل المباحثات.

كما يلفتون إلى أن أردوغان لم يستطع الإيفاء بوعوده، ولا إتمام عملية السلام، لما يلجأ إليه من أساليب ملتوية، ومحاولات متكررة للتحايل على الأكراد، وأنّ تاثير الزعيم عبدالله أوجلان بات محدوداً على الجيل الجديد الذي تم حجبه عنه بعد عشرين سنة من اعتقاله، ولاسيما بعد أن تصاعد نجم صلاح الدين دميرطاش الذي دعا إلى مناهضة الفاشية والتصويت للديمقراطية.

ولأردوغان وحزبه الحاكم سوابق في إعادة الانتخابات، مثلاً في عام 2015، حين خسر حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية في الانتخابات التي جرت في السابع من يونيو، وتجاوز حزب الشعوب الديمقراطي عتبة العشرة بالمئة الانتخابية وحصد 80 مقعداً، استعاد حزب العدالة والتنمية أغلبيته في انتخابات مبكرة أجريت في الأول من نوفمبر من العام ذاته بعد إطلاق عمليات عسكرية جنوب شرقي البلاد ضد من وصفتهم السلطات بأنهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني.

أردوغان لم يستطع الإيفاء بوعوده للأكراد ولا إتمام عملية السلام معهم
أردوغان لم يستطع الإيفاء بوعوده للأكراد ولا إتمام عملية السلام معهم

وهناك من الناخبين الأتراك مَن يؤكد أن أردوغان لم يتحمل فوز حزب الشعوب الديمقراطي بثمانين مقعداً وأنه نظم انتخابات جديدة في الأول من نوفمبر، وأنه يريد أن يعيد الانتخابات حتى يفوز. كما أن هناك مَن يرى أن الناخبين الأكراد وقعوا مرارا من قبل في أفخاخ حزب العدالة والتنمية، وأنهم لن يكرروا الخطأ مرة أخرى في انتخابات بلدية إسطنبول القادمة، ويؤكد ناخبون أكراد أن السماح لأوجلان بمقابلة محاميه لن يؤثر على الناخبين الأكراد، وأن العقلية الكردية القديمة لم تعد موجودة، وبأن حزب العدالة والتنمية سيفتقد الأكراد الذين كانوا دائما يطيعون في الماضي أي رسالة تأتي من سجن إيمرالي. ولا ينسى الأكراد أنه تم إرسال ما لا يقل عن 7000 عضو من حزب الشعب الديمقراطي، وهو ثالث أكبر حزب سياسي في البلاد  إلى السجن، بما في ذلك قيادته العليا.

وعبّر الكاتب التركي أحمد كولوسوي في مقال سابق له بموقع أحوال تركية بعنوان "ناخبو إسطنبول: تكتيكات الحزب الحاكم لن تنطلي على الأكراد" عن اعتقاده أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يتبع تكتيكات معينة لجذب الناخبين الأكراد في إعادة الانتخابات؛ لكن الناخبين في إسطنبول يعتقدون أن مثل هذه التحركات لن يكون لها أثر على النتائج.

ولفت الكاتب التركي فهيم طاشتكين إلى أن السياسة التصادمية التي تمارس منذ 2015 وفقًا لمنطق "سترون قوة الدولة" لم تُسفر عن نتائج لا في الداخل، ولا فيما وراء الحدود، وقال إن الأكراد عاقبوا السلطة بالاختيار الاستراتيجي الذي أفقد "تحالف الشعب" الفوز بالانتخابات في العديد من الولايات في الانتخابات الأخيرة. وإلى جانب هذا بلغت الإضرابات عن الطعام نقطة حساسة ومستوى حرجاً. وخطة الإطاحة والتدمير التي اقترحوها لا تسير مثلما حلموا بالرغم من العمليتين العسكريتين في شمال سوريا.

وأكد طاشتكين أن هناك تعثراً وانغلاقاً داخليًا وخارجيًا في السياسة المتعلقة بالأكراد، ومن الواضح أنهم يعلقون الآمال على الرسائل التي يبعث بها أوجلان حتى يتسنى لهم تجاوز هذا. فليس هناك أي تفسير آخر للسماح للمحامين بلقاء أوجلان بعد مرور سنوات عديدة. فرسائل أوجلان مهمة. ووضع ما تشعر به تركيا من حساسية وقلق بشأن سوريا في عين الاعتبار، وتوصية سوريا بإيجاد حل ضمن الإطار الدستوري داخل وحدتها يمثل دعوة ملائمة للخطة الأصلية التي وضعها الأكراد منذ البداية.