فنان تركي: لم أتلق أي دعم أو تحفيز من الدولة

عمل طه أولوكايا أو "فوكس"، كما يُطلقون عليه، بجانب عمله الأساسي كممثل صوت، يقوم بتقديم الأصوات لشخصيات الرسوم المتحركة، وشخصيات عروض الدمي، وشخصيات مسلسلات التليفزيون أو الراديو، ويطلق عليه أيضاً اسم "فنان صوت"، بإخراج سلسلة الخيال العلمي "الخداع" التي نُشرت على موقع يوتيوب.

استطاع أولوكايا أن يصل بفنه إلى قطاع عريض من الجماهير، وبرزت هذه السلسلة، التي كتبها وأخرجها، بوصفها أحد الأعمال المرشحة لنيل جائزة الأوسكار.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه السلسلة تحصد العديد من الجوائز من مهرجانات الأعمال المنشورة على الويب، صمَّت وسائل الإعلام التركية آذانها، وأغلقت أعينها أمام كل هذا النجاح، ولم تتحدث عن هذه السلسلة من قريب أو من بعيد.

وعلى الجهة المقابلة، كانت وسائل الإعلام الأجنبية تنشر أخباراً بين الحين والآخر في هذا الخصوص. من ناحيتنا التقينا، ممثلين عن موقع "أحوال تركية"، مع الفنان طه أولوكايا، وتحدثنا معه عن رحلته على طريق النجاح: 

 سؤالي الأول هو السؤال المعتاد في أي لقاء، ولكني أراه من الأهمية بمكان بالنسبة إلينا؛ كي نتعرف عليك عن قرب. كيف قطعت أولى خطواتك في هذا المجال؟  

كنتُ في سن السابعة عشرة عندما توجهتُ إلى إحدى محطات الإذاعة المحلية، وقلتُ لهم إني أريد أن أعمل بالإذاعة، والتحقت بالفعل بالمكان هناك، كان العمل بسيطاً مثل: تعالى هنا، قف هناك أو مثل أشياء من هذا القبيل. لقد ظللتُ هناك لفترة من الوقت؛ وجهت اهتمامي خلالها إلى العاملين هناك؛ كيف يقومون بالإخراج وتركيب الصوت وغيرها من الأشياء الأخرى. لم تكن عملية المونتاج وتركيب الأصوات تتم بنفس الشكل المتبع في الوقت الحالي؛ إذ كانوا يستعينون في هذا ببرامج بدائية للغاية. وفي أحد الأيام كانت أعمال المونتاج قد انتهت، وانصرف الجميع، مع اقتراب ساعة البث، إلى مراجعة بعض الأعمال التقنية الخاصة، ولكن ما حدث هو أن المذيع قد تخلَّف عن الحضور. قالوا: ادخل أنت. ولكون المحطة محلية، كان هناك بعض التساهل في مثل هذه الأمور، لم يكن هناك تدقيق كبير.  

طه أولوكايا وفرقته.

سؤال: هل تذكر متى كان هذا الأمر بالتحديد؟

كان هذا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. قدمتُ حينها عرضاً استمر ساعة واحدة، بعدها طلبوا مني أن أعد برنامجاً في الإذاعة، وبالفعل ظللتُ أعمل في هذه الإذاعة المحلية مدة عامين، ثم ما لبثتُ أن التحقتُ بعدها بالجيش لتأدية الخدمة العسكرية، وعندما انتهيتُ منها توجهت مباشرةً إلى إسطنبول، وهناك التحقتُ بالعمل في المركز الثقافي في بشيكتاش، حيث قمنا بإعداد مسرحيات للأطفال منها مسرحية "زيتون بالليمون". 

بدأت بعد ذلك في طرق أبواب كبار الفنانين؛ طلباً لإتقان الأداء الصوتي للشخصيات لأصبح بعد ذلك واحداً من ممثلي الصوت، خاصة بعد التحاقي للعمل في برنامج فني كانت تقدمه مؤسسة الإذاعة التليفزيون التركي. كان البرنامج يستضيف العديد من الفنانين الكبار مثل أحمد ممتاز تايلان وتوركان شوراي، وكنتُ أتولى مهمة التعليق الصوتي في الفقرة الخاصة بمسيرة حياتهم. ظللتُ على هذا المنوال حتى قاموا بعزلي من العمل في الفترة بين 2012-2013.

سؤال: كيف تلقيت قرار فصلك من العمل؟  

لقد فعلوا بي خيراً بصنيعهم هذا؛ لأن العمل بالنسبة إليَّ لم يكن يتعدى مجرد المواظبة على الدوام من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساء. لم  يكن هناك أي نوع من الإبداع في عملي... لم يكن الواحد منا يفعل شيئاً آخر خلاف الذهاب كل يوم إلى مكان العمل، وقراءة ما يعطونه إليه. كان هذا هو العمل. 

سؤال: كيف ترى سوق فن تمثيل الأصوات؟ هل يبعث على التفاؤل؟ 

لم يخطر ببالي قط أن أؤدي أصوات الشخصيات في مسلسل أو فيلم في أي من الاستوديوهات في تلك الفترة؛ لأنهم كانوا يدفعون القليل جداً. والحق أنهم لا يزالون هناك يدفعون القليل حتى الآن كذلك، ولكن مع دخول شركة نتفليكس إلى تركيا، انتعش سوق فن تمثيل الأصوات قليلاً. ولك أن تتخيل أن هذا العمل يقوم به في تركيا كلها ألف شخص فقط، ومع هذا فهم لا يتقاضون إلا القليل من المال. هل تعلم أن أخانا الذي يؤدي شخصية سيمبسون في مسلسل عائلة سيمبسون الشهير لم يتمكن من شراء منزل خاص إلا مؤخراً. 

سؤال: حسناً، ما هو الطريق الذي اتبعته بعد هذا؟  

بدأنا بعد ذلك في العمل من خلال كيان مستقل أطلقنا عليه اسم "أفلام وأفلام". قمنا كذلك بفتح قناة لنا على موقع يوتيوب، ونقوم بأنفسنا بإنتاج المحتوى الذي نعرضه على هذه القناة. أقوم كذلك بالكثير من الأعمال مثل الكتابة والبرمجة النصية.. إلخ. لم أنخرط في موضوع السينما بشكل جاد على يوتيوب. بذلتُ جهدي كي أجذب الانتباه في مسلسل "الأيائل"، وقدمنا رسالتنا من خلال مسلسل "البكرة".  ظللنا نحاول حتى أدركنا النجاح.  

سؤال: هل نشرتم أول عمل لكم من خلال شركة "أفلام وأفلام" على موقع يوتيوب؟  

بدأنا في البداية بنشر إنتاجنا على حسابنا على موقع فيسبوك، كنت أشارك مقاطع الفيديو الخاصة بي هناك. ولكن عندما تلقيت المزيد من الطلبات من المتابعين لي، انتقلت بعدها إلى يوتيوب، وقمت بفتح قناتنا الخاصة على هذا الموقع. ووصل عدد المتابعين للقناة إلى 24 ألف مشترك. ولكن ما حدث أن قناتي أُغلقت بعد أن تناولت بالنقد أحد الأفلام. 

صورة

سؤال: أي فيلم هذا؟

 كان عملاً بعنوان "أجملها"، لا أدري لماذا أثاروا كل هذه الضجة، خاصة وأن هذا الفيلم لم يحقق أي نجاح حينها، لكن هيئة العلاقات العامة انتقدتني بطريقة سخيفة حينها، ثم ما لبث أن انفجر الوضع عندما نشرتُ بعد ذلك محاكاة ساخرة لفيلم "سيد الخواتم". 

سؤال: إذن كيف كان رد فعل الأشخاص الذين انتقدت أفلامهم بهذا الشكل القاسي؟

بالفعل قام شاهان غوك باكار بعمل حظر لي على موقعي تويتر وإنستغرام بسبب انتقادي فيلمه. ربما اعتقد حينها أن قيامه بهذا الأمر سيمنعني من الوصول إلى فيلمه. أعتقد أنه كان حري به، بدلاً من اقتحام حساب إنستغرام الخاص بي، وعمل حظر لي، أن يسعى، في المقابل، للعناية بعمله بشكل أكبر؛ حتى يقدم إلى السوق أعمالاً أفضل. لا أعرف، ولكن هذا رأيي.

سؤال: كان هناك عدد من المشروعات التي جمعتك مع المرحوم طارق أكان. أعتقد أنك تحدثت عن هذا الامر في أحد مقاطع الفيديو. ما حقيقة هذا الأمر؟

كان هذا في عام 2011، كان أكان يمتلك شركة إعلامية لها مركزها المالي القوي. عملت معه في كتابة السيناريو، كما كتبت ملخص الأحدث والشخصيات في جزأين، كان كل شيء جاهزاً حتى نسير للنهاية معاً. وافقت مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركي، وطلبوا منا طاقم الممثلين. ومن ناحيتنا، أرسلنا السيناريو إلى طارق أكان، الذي طلب منا أن نأتي للقائه لمناقشة الأمر. أتذكر أنني شعرتُ بحماسة كبيرة حينها، ظنناً مني أنه وافق على بدء العمل.

وبالفعل توجهت إليه، قال لي "لقد قرأتُ السيناريو يا عزيزي، وهو بالفعل عمل جيد، لا توجد أية مشكلة، ولكن مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركي لن تقوم بهذا الأمر، أنتم لديكم أموال كثيرة، ويمكنكم أن تقوموا بهذا، ولكن مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركي لا يمكنها القيام بهذا الأمر. لم أفهم حينها لأنني لم أكن منخرطاً في السياسة بالقدر الكافي؛ لأني لو تفرغت للسياسة في ذلك الحين لما وجدت الوقت للإنتاج. قلتُ له "وما الذي سيمنعهم من القيام بهذا الأمر؟" فرد قائلاً "سيمنعهم من هذا المحتوى السياسي داخل النص". أنا بالطبع أتحدث عن السياسة في ذلك الوقت، وليس اليوم، ولكن كما تعلم فالماضي هو مرآة المستقبل. ثم قال لنا بعد ذلك "قوموا بالإعداد لفيلم سينمائي، وسآتي للتمثيل فيه بلا مقابل"، ولكن لم تُتَح الفرصة للقيام بهذا الأمر.  

أما عن مسلسل "الخداع"، فقد قمت بتصوير الموسم الأول منها بميزانية قاربت عشرين ألف ليرة. وبالنسبة للموسم الثاني، راودتني الشكوك لفترة أنني لن أتمكن من القيام بهذا الأمر، ولكن ما لبثنا أن وجدنا الجهة الراعية، وبالفعل بدأنا في تصوير الموسم الثاني.

ولكن ما حدث أننا لم نستطع حقيقةً إنهاء الموسم الثاني، وفكرنا في إطلاق بث مباشر لمدة أربعين ساعة، وقمنا بجمع خمسة وعشرين ألف ليرة لهذا الغرض. كان عليَّ أن أشارك في هذا الأمر؛ لأنني كنت أحد الذين تبرعوا لهذا الأمر، بل أنني أنفقت كافة مدخراتي لأجل انطلاق البث. 

لم نكن نأمل أن يُحدث هذا المسلسل ردود فعل واسعة على يوتيوب، ولكن ما حدث أننا الآن نشارك في مهرجانات دولية للأعمال المنشورة على الويب، بل وأصبح موقعنا على يوتيوب أحد أكثر المواقع مشاهدة بعد أن تعدى عدد المتابعين لنا 400 ألف شخص، كما حصلنا على جوائز عدة  من إيطاليا ولوس أنجلوس وميامي وسيول وكوبنهاجن. وتنوعت الجوائز بين جوائز على أفضل تصميم ملابس، وجوائز المرتبة الثانية، كما حصدت أعمالنا جوائز المرتبة الأولى كذلك. هذا بالإضافة إلى جوائز أخرى لم يتم الإعلان عن الفائزين فيها إلى الآن كما في تورونتو وصقلية.

سؤال: لقد تم ترشيحك لجائزة الأوسكار كذلك.

يوجد مهرجانان كبيران في هوليوود؛ الأول هو مهرجان هولي والآخر مهرجان أوليمبوس للأفلام. وقد فزنا بجوائز "أفضل إنتاج على يوتيوب" و"أفضل موسيقى" في أوليمبوس. وأذكر أن الموزعين هناك قالوا لنا "هل أعددتم هذا العمل ڊ20 ألف ليرة حقًا؟" و رددنا عليهم بقولنا "هذه هي الحقيقة".. ثم عرض علينا الرجال طرح الفيلم في إحدى دور السينما هناك.

لأنه حتى لو كان هذا العمل من نوع الأفلام القصيرة، فيجب أن يظل في الولايات المتحدة مدة أسبوع؛ حتى يمكن ترشيحه لجائزة الأوسكار.

وبالفعل تم عرض العمل في (ليمون ثيوتر)، وهو مكان مخصص لعرض الأفلام التي حصلت بالفعل على جائزة الأوسكار بالفعل، أو الأعمال المرشحة لنيل الجائزة. استطعنا عرض فيلم "الخداع" هناك، وقد تكفلوا هم بجميع النفقات. 

سؤال: هذا بالفعل هو النجاح، ولكننا لم نسمع، في المقابل، أي من وسائل الإعلام التركية تتحدث عن هذا الأمر! 

هذا صحيح، كان هناك العديد من الأخبار التي نشرتها وسائل الإعلام الأجنبية، والتي تناولت هذا الموضوع، أما عندنا فقد كان الأمر مختلفاً؛ فهم لا يهتمون بالكَيف قدر اهتمامهم بالكم. وأصدقك القول: إنني لا أريد أن أكون مادةً لهذه الأخبار. لا أحب أن يوضع خبر حصولنا على هذه الجائزة بجانب أخبار أخرى على شاكلة "فلان تزوج من فلانة". يصبح للإنسان في بلدنا قيمة فقط عندما يموت أو يرحل. لا تفسروا حديثي بأنه نوع من جنون العظمة، فأنا فقط أريد أن أؤدي عملي بسلام.  

سؤال: إذن، هل حصلت على أي دعم من وزارة الثقافة التركية؟

لا، لم يحدث. أنا أؤيد القيام بعملي دون انتظار شيء من الدولة. لم أفكر في طلب الدعم منهم من الأساس؛ لأنني أعلم أنهم لن يساعدونني.  

سؤال: هل هناك مشروعات جديدة أخرى تنوي القيام بها؟  

هناك عمل من نوع الخيال العلمي مكون من 10 أجزاء على قناة (بلو تي في) سيتم طرحه في موسم واحد. 

سؤال: أعمال الخيال العلمي ليست بالأمر السهل.

هذا صحيح، لم يكن بالفعل عملاً سهلاً، لكن، كما تعلم، هناك جمهور كبير لهذا النوع من الأعمال. تقدمنا إلى مهرجان في ميامي. يحتوي طلب التقدم على بيانات مثل نوع العمل والميزانية. وهي بيانات لا يجب تركها فارغة. وأمام بند الميزانية توجد خيارات منها "بحد أدنى 10 آلاف دولار" وهنا كانت المفارقة؛ لأننا لم ننفق سوى 20 ألف ليرة فحسب على عملنا. فما كان منا إلا أننا أشرنا في النموذج إلى خانة "10 آلاف دولار"، ولكننا وضعنا إلى جانبها ملحوظة "تكلف إعداد العمل 20 ألف ليرة تركية".  

سؤال: تعمل شركة نتفليكس في عدد من المسلسلات في تركيا. وقد جاء على لسان أحد مسؤولي نتفليكس في تركيا قوله "سوف نقوم بإعداد المسلسلات في تركيا، ولكنني أتساءل لماذا يطيل الذكور والإناث في تلك المسلسلات النظر إلى بعضهم البعض؟"، وأردف قائلاً "سوف نجد حلاً لهذا الأمر" وبالتالي قدموا لنا مسلسل "المحافظ" الذي  لم يعجبني على الإطلاق. ما رأيك في هذا الأمر؟

لو أنك تعمل في نتفليكس فسوف تقوم بأشياء كتلك. أنت تعمل من خلال منصة على الإنترنت، وبالتالي لا يمكنك الوصول إلى نتيجة لو اتبعت نفس أسلوب المعالجة التليفزيونية. لا يسير الأمر على هذا النحو. ومع هذا، أعتقد أن مسلسل "المحافظ"، وخاصة الموسم الثاني، قد فشل فشلاً ذريعاً على الرغم من كل الأموال التي أنفقت فيه. أخفق المسلسل على الرغم من مشاركة الكثير من الممثلين البارعين فيه. وفي رأيي، إن مسلسل "البريء" الذي عُرِض على قناة (بلو تي في) كان أفضل منه.

سؤال: لدي سؤال اعتدت سؤاله لكل شخص أجري معه حوار، وبالتالي أود أن أسألك إياه، ما هو أول شيء كنت ستفعله إذا أصبحت وزيراً للثقافة؟

كنت سأمنع عرض أفلام الجن.. ولن أسمح بإنتاج أفلام عن الدين.

 

هذا المقال يعكس آراء المؤلف وليس بالضرورة أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/dizi-film/web-dizi-hilenin-yonetmeni-taha-ulukaya-ahvale-konustu-devletten-tesvik-almam
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.