فنانة تنقل معاناة كرد تركيا الى معرض في لندن

استضاف معرض تيت مودرن الفني الأكثر شهرة في لندن معرضاً للصحفية والفنانة الكردية زهرة دوغان.

يقع معرض تيت مودرن في وسط لندن على ضفاف نهر التايمز، وهو مركز عالمي رائد للفن الحديث. ولا يأتي كل زائر للمدينة إلى معرض تيت مودرن، لكن يتردد على المعرض السكان المحليون، وهذه الفنانة الشابة حديث المدينة في الوقت الراهن.

بالإضافة إلى كونها فنانة، تعمل زهرة دوغان الآن في موقع جين نيوز، وقبل ذلك كانت مؤسسة مشتركة ورئيسة تحرير مشتركة في جينها، وهي أول وكالة أنباء نسائية كردية. وهي ابنة عائلة كردية أُجبرت على مغادرة قريتها في جنوب شرق تركيا في تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت مهتمة بالرسم والفن كطفلة صغيرة. الآن، يزور آلاف الأشخاص تيت مودرن ويتعرفون على قصتها ورحلتها من ديار بكر إلى لندن.

افتتح معرض الفنانة التي تبلغ من العمر 30 عاماً من 21 إلى 25 مايو. وتقدر دوغان أن حوالي 600 شخص قد حضروا يومياً، معظم الزوار من الأجانب، ولكن هناك أشخاصاً من أصل تركي أيضاً.

يتكون المعرض من 18 قطعة. هذه القطع معظمها ملابس محترقة ومغطاة بالدماء، مع ملحقات أخرى مثل السجاد وسجاد الصلاة. ثمة بطانية محترقة معلقة عند مدخل المعرض، وأشياء أخرى عبارة عن عناصر جمعتها دوغان من البلدات الكردية التي مزقتها الصراعات في عام 2015 أثناء عملها مراسلة لوكالة أنباء جين.

زهرة دوغان
زهرة دوغان

مع اشتداد حظر التجول على مدار 24 ساعة والعمليات العسكرية في مدن جنوب شرق تركيا مثل جزيرة وصور في ذلك العام، وفي عام 2016، بدأت دوغان تقضي عامين في السجن لمشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي صورة رسمتها لصورة فوتوغرافية التقطها جندي تركي في بلدة نصيبين في جنوب شرق تركيا وللكتابة عن ملاحظات كتبها طفل. وقد واصلت كتابة المقالات وصنع الرسومات في السجن، وفازت بعدد من الجوائز أثناء حبسها. حتى أن الفنان بانكسي صاحب الشهرة العالمية رسم لوحة جدارية ضخمة في مانهاتن للاحتجاج على حبسها وإظهار دعمه للفنانة الشابة.

في معرض دوغان، هناك الكاتبة الشابة إيدج دوندار تدعمها. على طاولة بالقرب من المدخل توجد صحيفة تحمل نفس اسم المعرض: إيلي دو مان (في الخلف). تضم الطاولة أيضاً صندوقاً حيث يمكن للزوار إسقاط ملاحظات تصف أفكارهم ومشاعرهم بشأن الأعمال. توجد على الجانب الآخر من الغرفة بطاقات بريدية صممتها دوغان بنفسها، حيث يمكن للزوار الكتابة إلى الصحفيين الشباب الآخرين الذين ما زالوا في السجن، بمن فيهم نديم تورفنت وكيبري إيفرين وملتم اوكتاي.

أحد زوار المعرض هو المعالج بالرقص البالغ من العمر 31 عاماً إكين بيركاي، وهو تركي بريطاني عاش في لندن لمدة 10 سنوات. وجد بيركاي الأشياء مدهشة وحزينة.

وقال بيركاي "في هذه الظروف الصعبة، جمعت هذه الأشياء وجلبتها إلى هنا، ونحن الآن نواجهها. الفنانون أصحاب رؤية، وهذا ما فعلته زهرة دوغان هنا. لقد شاهدت المستقبل، وهو مؤثر للغاية".

وقد حوكم والد بيركاي في قضية إرغينكون، التي زُعم أنها كشفت مجموعة من الأشخاص، بمن فيهم ضباط من الجيش، الذين كانوا يسعون لإسقاط حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ما زالت هناك محاكمة أخرى في القضية جارية.

يقول بيركاي "نحتاج إلى الحرية في تركيا.. يُظهر هذا المعرض مقدار افتقارنا إلى الحرية وكيف يتم قمع مقاومتنا".

زهرة دوغان
زهرة دوغان

وكثيرون من زوار المعرض من الصحفيين من مختلف المنافذ الإعلامية التركية والدولية. وتستقبل دوغان كل واحد منهم بحفاوة وتشارك في محادثات طويلة معهم. أحد هؤلاء الصحفيين هو أكين أولغون. لم يتمكن أولغون من العودة إلى تركيا منذ سنوات عديدة، لكنه يتابع الأخبار الواردة من تركيا عن كثب. تأثر بشدة بالمعرض ويشير إلى أنه من المهم جداً أن يشاهد أشخاص مثله القطع الفنية الموجودة في المعرض.

وقال أولغون "يتحدث معرض زهرة عن مواجهة شيء ما. إنه يخلق ذاكرة، وتكمن قيمته كعمل فني في معالجة المصاعب التي يواجهها السكان والناجون. في الوقت نفسه، يتيح العمل للعالم شاهداً، مما يخلق ذاكرة مشتركة. إنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها الفرار ببساطة لنخبر أنفسنا عن أنفسنا، فلا يمكن إنشاء ذاكرة مشتركة إلا من خلال الفن والموسيقى والأدب".

وبحسب دوغان، يهدف المعرض إلى الإلهام. وتقول إن المعروضات ليست مجرد ملابس محروقة أو مخضبة بالدماء أحضرتها من منطقة صراع - بل إنها تحكي قصة أيضاً، لذلك هناك أيضاً مقاطع فيديو ووسائط مرئية أخرى في المعرض، مثل عرض صور متتابعة للمصور رفيق تيكين، الذي يهدف إلى تعزيز التفاهم وجعل الزوار يفكرون ويتعاطفون. في اليوم الثالث من العرض، تعمل دوغان على صورة على قطع من الورق منتشرة حول الأرض، ويقف عدد من الزوار لإبداء الاهتمام.

وتقول دوغان "إن هذه القطع التي أعيدها من الأماكن التي عملت فيها كصحفية تحمل في الواقع إجابات على الكثير من الأسئلة المهمة".

وأضافت قائلة "لماذا يريد الأكراد حكماً ذاتياً؟ كيف بقوا على قيد الحياة وراء تلك الحواجز؟ ما أنواع الصعوبات التي واجهوها؟ ثمة قصص حقيقية للإجابة على هذه الأسئلة. هذه القطع الثماني عشر تحصل على بعض ردود الفعل المثيرة للاهتمام اليوم في لندن. لو كان هذا المعرض في إسطنبول، لما رأيت ردود الفعل هذه أو تلقيت هذا النوع من التعليقات".

وقالت دوغان "في مجتمعنا، يوجد عادة رد فعل واحد - يسأل الناس لماذا أنا لست هناك. بدلاً من محاولة فهم المشاكل والمقاومة، فإن الهدف هنا هو الوصول إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون الذهاب إلى مكان آخر. في مكان مثل لندن، من الأفضل شرح ذلك لشخص إنجليزي لا يعرف شيئاً عن ذلك".

يتمتع عمل دوغان الفني والكتابي بمتابعة موسعة، وهذا المعرض في تيت مودرن هو مجرد بداية. في الأشهر المقبلة، ستُعرض أعمالها أيضاً في مدن مثل باريس وبرلين ونيويورك، وتقول إنها تعمل على مزيد من اللوحات. وقالت إن الزائرة التي أثرت عليها أكثر من غيرها كانت امرأة صينية.

وقالت دوغان "لقد جاءت كل يوم منذ افتتاح المعرض. تقضي ساعات هنا، وفي كل مرة تأتي، تحضر شخصاً مختلفاً معها. إذا كان العمل يتعلق فقط بالألم، فما كان لتلك المرأة أن تستمر في المجيء. تسألنا كيف يمكنها الذهاب إلى كردستان. إذا كنا نتحدث فقط عن الألم، لتخلصت من ذلك وغادرت".

وتقول دوغان إنها تفكر في البقاء في لندن لفترة أطول وإنها تريد أيضاً الذهاب إلى تركيا قريباً لزيارة أسرتها. وتقول إن أوروبا ليست في الحقيقة مكاناً يغذي الفن السياسي مثل فنها، وإنها تحتاج إلى العودة إلى بلاد ما بين النهرين. من ناحية أخرى، تقول إن الكثير من الزوار عبروا عن قلقهم من خططها للعودة.

الطبيبة البريطانية الكردية مريم كايا البالغة من العمر 35 عاماً مجرد واحدة من العديد من الزوار الذين يشعرون بعدم الارتياح من فكرة عودة دوغان. تقول إنها لم تذهب إلى تركيا منذ أربع سنوات وإنه لا توجد حرية تعبير هناك وإن الدولة التركية ستعاقب بشدة أي شخص يتحدث عن هذا المعرض.

وردد مخاوف كايا زائر آخر، وهو الناشط البريطاني الكردي مارك كامبل، الذي يقول إن المعرض يكشف جرائم الحرب التي ارتكبتها الدولة التركية.

وقال كامبل "يتم سرد قصص شابين بفعالية كبيرة هنا. أرى الكثير من الأشياء عندما أنظر إلى هذه القطع، شهدت زهرة الحرب التي دارت رحاها في 2015 و2016 وهي الآن تعلنها للعالم".

وتابع قائلاً "إنها تكتب مقالات مع إيدج دوندار، وتعطي كل أعمالها الأخرى رسالة مهمة. يعمل هذا العمل على تنوير وتثقيف الزائرين ويثير ردود فعل مختلفة منهم. لكن في الواقع، هناك عنصر مخاطرة".

على الرغم من أن عمل دوغان يجري الحديث عنه في جميع أنحاء العالم، فإن ردها متواضع للغاية.

وقالت دوغان "عندما أنظر إلى العمل الفني الذي أنجزته وأعمال الفنانين الأكراد الآخرين، لا يوجد شيء مميز حقاً في عملي. أنا لست الأولى. قد يكون الأمر أن نصيبين باتت الآن مناسبة وعصرية".

وأردفت قائلة "إن عملها ينطلق من الخطوط الأمامية في وقت يشعر فيه الجميع بالعطش. إنه لا ينطلق من استوديو أو بعيد عن الحرب. إنه لفنانة تحت القصف، لذلك ربما هذا هو السبب الذي يجعل الناس تبدي الاهتمام. خلاف ذلك، لا أعتقد أن ثمة شيئاً مختلفاً بشأني".

واختتمت دوغان بقولها "للفن الكردي العديد من الجذور - لدينا فنانين، أناس مثل محمد شيخو وعائشة شان ومريم زان، الذين قاموا بالكثير من الأعمال التي تستشرف المستقبل. لهذا السبب لا أعطي الكثير من المصداقية لفكرة إعادة ميلاد الفن الكردي. نحن فقط نضيف إليه، ولا ننشئه من الصفر".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-kurds/jailed-kurdish-artist-zehra-dogan-recalls-war-tate-modern