أكتوبر 03 2019

فرنسا تقود حملة صارمة لحماية أوروبا من الابتزاز التركي

بارس - تتجه العلاقات التركية الفرنسية إلى المزيد من التأزّم على ضوء سجالات حادّة بين البلدين فجّرتها انتقادات حادّة وجّهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حين خاض في قضايا تتعلّق بسجل تركيا في حقوق الإنسان وقمع الحريات، ما اعتبرته أنقرة تجاوزا بحقها.

وفي هذا السياق نشرت صحيفة العرب اللندنية في عددها الصادر اليوم الخميس، تقريراً بعنوان "فرنسا تقود حملة أوروبية صارمة للتصدي لسياسات تركي"، تحدّثت فيه عن العلاقات المتوترة بين فرنسا وتركيا، ومساعي فرنسا الحثيثة للتصدي للابتزاز التركي.

 وذكرت العرب أن تركيا اتّهمت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنّه يتصرّف مثل “الديك الصياح” بعد انتقاده سجل أنقرة في مجال حقوق الإنسان، واتّهامه إياها باستغلال قضية المهاجرين للضغط على الاتحاد الأوروبي.

وجاء الاتهام التركي على لسان وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الذي تجرّد من ضوابط اللغة الدبلوماسية في ردّه على حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يبدو أنه يقود حملة هدفها التصدّي للتجاوزات السياسية التي ترتكبها القيادة التركية، والتي تهدّد أمن دول الاتحاد الأوروبي.

وتعكس هذه الحملة تحوّلا أوروبيّا جديدا باتجاه مقاربة صارمة للعلاقة مع أنقرة تضع حدّا لتدخّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في شؤون البلدان الأوروبية، وتمنع استخدام الجاليات التركية في البلدان أوروبا كـ”لوبيات” ضغط تعمل لصالح أجندة أنقرة، كما تقطع على أردوغان طريق الابتزاز عبر ورقة اللاجئين السوريين.

تحرّكت باريس من قبل على عدّة أصعدة ضد السياسات التركية، وانتقدت مرارا موقف أنقرة الابتزازي في ما يتعلق بملفّ اللاجئين. وسبق أن اتّهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الرئيس رجب طيب أردوغان بالتلاعب سياسيّا بقضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، إلا أن الأمر يصل حدّ السجال الجاري حاليا بين باريس وأنقرة. ويرى متابعون أنّ أنقرة فتحت على نفسها النيران من خلال ردّ جاويش أوغلو الذي اعتبر أن “تطاول ماكرون على تركيا تجاوز للحدود”، وشبّه الرئيس الفرنسي “بديك يصيح وقدماه مغروستان بالوحل”.

وكان الرئيس الفرنسي قال في خطاب ألقاه أمام الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا في ستراسبورغ إن دولا أوروبية لا تزال تنتهك حقوق الإنسان الأساسية بعد مرور ثلاثين عاما على انهيار جدار برلين، معتبرا أنّ تركيا مثال على ذلك. ودعا ماكرون إلى اليقظة إزاء ما يجري في تركيا “حيث تتراجع سيادة القانون، وحيث تُطلق إجراءات قضائية بحق مدافعين عن حقوق الإنسان، وصحافيين وأكاديميين”

أوغلو اتّهم ماكرون بأنّه يتصرّف مثل "الديك الصياح"
أوغلو اتّهم ماكرون بأنّه يتصرّف مثل "الديك الصياح"

واستثمر الرئيس التركي في قضية الهجرة مستغلاّ المخاوف الأوروبية من طوفان من اللاجئين من السواحل التركية، لينتزع خلال مفاوضات مع بروكسل قادها أحمد داود أوغلو رئيس وزرائه السابق الذي انشق عنه، مكاسب سياسية تتعلّق بالمفاوضات حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وأخرى مالية بأن رفع سقف المبلغ المطلوب من 3 مليارات يورو إلى 6 مليارات يورو في ابتزاز صريح ضمن اتفاق الهجرة الموقّع في 2016.

وأثار الرئيس الفرنسي مشكلة الهجرة الوافدة عن طريق تركيا، معتبرا أن ثمّة تزايدا في أعداد المهاجرين الذين يغادرون تركيا إلى اليونان وأنه “يدرك تماما” ما تعانيه اليونان. وقال ماكرون ردا على سؤال طرحه نائب يوناني “أنت محقّ تماما بالقول إن تركيا تستخدم هذا الأمر وسيلة للضغط”، لكنه أَكد ضرورة التنسيق مع أنقرة. وذهب ماكرون إلى الغمز من قناة سياسات أردوغان في سوريا مؤكدا أنه “لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن نسمح لضغوط تركيا أن تُملي علينا سياستنا في سوريا”.

ولا شكّ في أن الاحتكاك الأخير مع تركيا مرتبط أيضا بملفّ الطاقة. وتقود فرنسا حملة للدفاع عن حقوقها المتعلّقة، خصوصا بعمليات التنقيب التي تقوم بها تركيا في مياه قبرص الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي.

ويعتبر محللون فرنسيون أن جانبا أساسيا من السجال التركي الفرنسي مرتبط بهذا الملفّ، وأن تهديد تركيا بتفجير قنبلة المهاجرين بوجه أوروبا متعلّق أيضا بالموقف الأوروبي الأميركي الرافض لانتهاكات تركيا لقطاع إنتاج الغاز في البحر المتوسط.

وكان الرئيس الفرنسي حثّ تركيا قبل أشهر على وقف “الأنشطة غير المشروعة” في المنطقة الاقتصادية الخاصة لقبرص، وقال إن الاتحاد الأوروبي لن يتراجع في هذه المسألة. ومارس أعضاء بالاتحاد الأوروبي ضغوطا على تركيا للتخلّي عن خططها للحفر البحري للتنقيب عن الغاز الطبيعي، في رقعة تطالب بها السلطات القبرصية، باعتبارها جزءا من منطقتها الاقتصادية الخاصة حول الجزيرة.

وصرّح ماكرون، عقب قمة لرؤساء دول جنوب الاتحاد الأوروبي، بمالطا، في يونيو الماضي أن “الاتحاد الأوروبي لن يُظهر ضعفا في هذا الأمر”.

وبحسب التقرير، يتوقّع أن يتطوّر السجال الفرنسي التركي باتجاه دول أوروبية أخرى ضاقت ذرعا من السياسة الاستفزازية التي تمارسها تركيا ضد الاتحاد الأوروبي. وسبق أن حثّت الحكومة الألمانية اليونان على إعادة المزيد من اللاجئين السوريين إلى تركيا على نحو أسرع، بسبب الأوضاع الكارثية في مخيّمات اللجوء بالجزر اليونانية.