فرص الحزب الحزب الجديد بقيادة علي باباجان

‏لا شك أن كل مبادرة لتشكيل حزب جديد تثير ردود فعل بعض الجهات والأوساط. لذا رأينا أن ‏استقالة علي باباجان من عضويته في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ‏تمهيدًا لتأسيس حزبه الجديد، أثارت ردود فعل مختلفة داخل حزبه القديم. لم ترحب الأسماء المتحدثة باسم الحزب الحاكم بتجهيزات باباجان لإطلاق حزب جديد بطبيعة الحال. ويرى معظم قيادات الحزب أن علي باباجان سيفشل في حال تأسيسه الحزب الجديد؛ في حين أوصل بعضهم الأمر إلى حد اتهامه بـ"الخيانة".

‏كانت تركيا شهدت قبل نحو عقدين أحداثاً ومواقفَ مشابهة عندما انشقّت مجموعة من حزب الرفاه ذي التوجه الإسلامي بقيادة الراحل نجم الدين أربكان لتأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم في البلاد. ‏وعلى الرغم من ذلك فإن هذه المجموعة المؤسسة للحزب الجديد استطاعت الوصول إلى سدة الحكم برئاسة رجب طيب أردوغان عقب أول انتخابات برلمانية أجريت في عام 2002. 

تشكيل حزب جديد ليس أمرًا صعبًا، فهناك أكثر من مائة حزب في تركيا. ومع أن كل حزب يؤسَّس بغية تسلّم الحكم في البلاد، إلا أن الأحزاب التي تحقق هذا الهدف لا تتجاوز عدد أصبع واحدة. وعلى الأغلب فإن كل حزب جديد يتأسس على يد مجموعة من السياسيين المنفصلين من حزب آخر بسبب هذا أو ذاك. فقد كان الحزب الديمقراطي رأى النور على يد فريق من السياسيين انشقوا من حزب الشعب الجمهوري، مثلما أن حزب العدالة والتنمية تشكَّل على يد مجموعة كانوا يمارسون السياسة تحت مظلة حزب الرفاه، وقد نجحوا في التمسك بزمام الأمور في البلاد. 

وبطبيعة الحال فإن هناك عددًا لا يحصى من الأحزاب انطلقت من أجل تحقيق هذا النجاح، إلا أن جهودها باءت بالفشل رغم رغبتها الشديدة في ذلك. وذلك لأن نجاح الأحزاب الجديدة يعتمد بشكل أساسي على وجود مناخ سياسي مواتٍ وتوقيت مناسب، إلى جانب الطلب الشعبي. ومن الممكن جسّ نبض الشارع وقياس الطلب الاجتماعي عن طريق استطلاعات الرأي. 

وإذا نظرنا إلى الحالة التركية من هذه الناحية، فإن استطلاعات الرأي التي أجرتها شركات موثوقة تكشف وجود طلب شعبي ملحّ على حزب جديد. والحقيقة الأخرى أن هذا الطلب يزداد يوما بعد يوم. ومع أنه ليس هناك سبب واحد يقف وراء هذا الطلب، إلا أنه من الظاهر أن الطلب يشتد كلما أصرت السلطة السياسية على نظام الحكومة الرئاسي في البلاد. 

لقد بدأت الأحزاب تشهد تحولات متزايدة بالتزامن مع الانتقال إلى النظام الرئاسي. حيث لما لاحظت الأحزاب أنها لن تحقق بمفردها الأغلبية اللازمة للوصول إلى السلطة عمدت إلى تدارك هذا النقص عبر اتفاقات وتحالفات مع الأحزاب الأخرى، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور نتائج مفاجئة في الانتخابات الأخيرة. 

حزب العدالة والتنمية لم يعد كما كان قبل عشرين عامًا، كما أن حزب الشعب الجمهوري نحا منحىً جديدًا وبدأ يتصرف بشكل مختلف عن توقعات ناخبيه التقليديين المخلصين له. والسب الآخر لهذه التحولات في توجهات الأحزاب هو مقاربة سياسية جديدة تفرض نفسها في دول أخرى أيضًا، وهي ظاهرة بروز سياسيين من النمط الجديد ينزعجون من القواعد الديمقراطية ويتجهون إلى تبني نمط حكم أو أسلوب إدارة يفضّل جمع السلطات والصلاحيات في يد مجموعة صغيرة. وهذه المقاربة هي التي سيطرت على المشهد السياسي في تركيا أيضًا. 

كان حزب العدالة والتنمية وصل إلى السلطة في تركيا بعد فترة وجيزة من تأسيسه متعهدًا بشكل حكم يسعى لتوسيع الديمقراطية وتفعيل "العقل المشترك"، وواضعًا نصب عينيه تنفيذ ما يعرف بـ"معايير كوبنهاغن" في الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أنه ‏أصبح اليوم يقف ‏في موقع ‏بعيد جدا ‏من ‏‏ذلك الهدف وشكل الحكم، ‏وبات الناخبون يتساءلون ‏ما إذا كانوا يقفون في مكان خاطئ. ولا ريب أن الذين يتأهبون الآن لإطلاق مبادرة جديدة سبقوا هؤلاء الناخبين في توجيه هذا السؤال لأنفسهم. 

يكشف الطلب الاجتماعي، كما تظهره استطلاعات الرأي وهذه التحولات في الأحزاب السياسية على مستوى القاعدة والقيادة، أن فرصة نجاح الحزب الجديد واردة. حسنا فماذا عن الوقت يا ترى؟ يبدو أن الوقت مناسب كذلك.

تحاول الأحزاب تقديم حلول ناجعة للمشكلات القائمة ومن أجل ذلك ترغب بتسلم زمام الأمور في البلاد، وتتمكن من البقاء في الحكم طالما ‏تمتلك القدرة على تسوية المشاكل. 

مشاكل تركيا الراهنة أكثر وأعْقَدُ من التي كانت في الوقت الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. فهي تواجه اليوم مشاكل عديدة في الداخل والخارج تؤثر على بقائها أو زوالها بالمعنى الحقيقي.  أما الحزب الحاكم فلا يرسل أي إشارات تدل على أنه ما زال قادرًا على حل تلك المشاكل، بل إنه ينتقل من أزمة إلى أخرى قبل انتهاء الأولى. حتى إن النظام الرئاسي الجديد الذي تم تشريعه بدعوى أنه سيساعد على حل المشاكل بشكل أسرع وأسهل بدأ يتحول إلى مشكلة بحد ذاته. لذا فإن التوقيت يبدو مناسبًا أيضًا. 

من المؤكد أن كل حزب يخطط ويسعى للجلوس على رأس السلطة، غير أنه ليس من الضروري الجلوس على رأس السلطة من أجل تقديم خدمات جليلة لصالح البلاد والعباد، فالأحزاب يمكنها الإسهام في خدمة الوطن عبر تشخيص المشاكل وطرق حلّها أيضًا. لذلك يجب على المتحدثين باسم الحزب الحاكم أن يسعوا إلى الاستفادة من آراء وأفكار المنشقّين من حزبهم للتحضير لحزب جديد، بدلاً من الاستياء والانزعاج من مبادرة زملائهم إلى مشاركة تلك الآراء والأفكار مع الجمهور. ذلك لأن هؤلاء الأشخاص المنشقين يعود إليهم النصيب الأكبر في وضع وتطوير البرامج والمشاريع الناجحة التي تفاخر بها الحزب الحاكم طيلة سنوات ماضية. لذا أرى أن إقدامهم على تشكيل حزب جديد، وتعبيرهم عن وجهات نظرهم حول القضايا والمسائل التي نعاني منها اليوم، وطرحهم حلولاً لها، خير من سكوتهم وقعودهم كسالى وعاطلين في زوايا البرلمان. وإذا ما نجح المنشقون في الوصول إلى السلطة يمكن لأعضاء ومسؤولي حزب العدالة والتنمية أن يفرحوا بذلك وكأنه نجاحهم. 

ملاحظة: هناك بعض الجهات تذكر اسمي وتدعي أنني مرتبط بهذه المبادرة الجديدة.. ومع أنني لا أرى أي بأس في ذلك، إلا أنني أشعر بالحاجة إلى الإدلاء بتصريح حول هذا الموضوع حتى لا أهضم حقوق كوادر خرجت في رحلة صعبة من أجل العمل ليل نهار في سبيل النهوض بالوطن على جميع الأصعدة: لقد أسهمت في إطلاق هذه المبادرة الراهنة بقدر ما أسهمت في تأسيس حزب العدالة والتنمية من قبلُ، بل إسهاماتي في المبادرة الجديدة لا تصل إلى مستوى إسهاماتي في ولادة العدالة والتنمية. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ali-babacan/ali-babacan-ak-parti-ve-ben
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.