فساد الأنظمة يعيث دماراً من إسطنبول إلى قيرغيزستان

بعد إطلاق النار عليه حتى الموت في أحد مقاهي إسطنبول قبل عام، تقدم قصة أيركين سايمايتي لمحة عن العالم الغامض للجريمة المنظمة والفساد والسرقة المنهجية للثروة العامة من قبل المسؤولين الحكوميين الفاسدين.

وبعد وقت قصير من مقتل الإيغوري الصيني المولد في نوفمبر الماضي، أعلنت الشرطة التركية أنها ألقت القبض على العديد من المشتبه بهم. تم اعتقال اثنين من المواطنين القرغيزيين الذين عرفوا أنفسهم باسمهم، حسين أحمد علييف وعبد الله أنفر، ومواطن سوري أثناء محاولتهم عبور الحدود إلى سوريا.

تم اتهام الرجال الثلاثة والمشتبه به الرابع الذين تم العثور بحوزتهم على سلاح الجريمة على صلة بالقتل وينتظرون المحاكمة. وسرعان ما حددت السلطات التركية التطرف الديني على أنه الدافع وراء القتل. وفي ذلك الوقت، قال عدنان كيليتش، المسؤول البارز في شرطة أضنة، للصحافيين إن المشتبه بهم قالوا إنهم قتلوا سايمايتي لأنه ليس مسلماً.

وخلاف ذلك، كان التحقيق يجري بشكل غامض. ومع ذلك، بدت حجة التطرف مغرية منذ البداية، وألقت سجلات الشرطة التركية المسربة التي نُشرت الأسبوع الماضي بمزيد من الشكوك حول هذا التفسير. ومن المرجح أن يكون سايمايتي قد قُتل بسبب قراره الكشف عن عملية غسيل أموال عالمية تمتد عبر الولايات القضائية في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

وقبل وفاته، كان سايمايتي يقدم تحقيقًا صحافيًا مشتركًا من قبل راديو "أوروبا الحرة"\ "راديو ليبرتي"، ومشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، ومركز الأعضاء القيرغيزي "كلوب"، مع الوثائق والمعلومات التي تكشف المخطط الذي استخدمه لغسل 700 مليون دولار على الأقل بين عامي 2011 و 2016.

تؤكد السجلات العامة في العديد من الدول، أن الأدلة التي قدمها سايمايتي توضح كيف قام هو بغسل أرباح شبكة شحن غير مشروعة في آسيا الوسطى يسيطر عليها رجل الأعمال الأويغوري حبيب الله عبد القادر. وباستخدام تركيا كمركز وسيط، قام سايمايتي بتحويل الأموال إلى حسابات وعقارات في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة ودبي وأماكن أخرى.

وقد أفاد "مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد" وراديو "أوروبا الحرة" / "راديو ليبرتي" أيضاً أنه بعد أسابيع فقط من إصدار شرطة إسطنبول ملخصهم للتحقيق في جريمة قتل سايمايتي، تمكنت شركة تركية مملوكة لعبد القادر ومتورطة في مخطط غسل الأموال الذي كان يديره سايمايتي من التبرع بمبلغ 170 ألف دولار لحملة خيرية لفيروس كورونا أطلقها الرئيس رجب طيب أردوغان وسرعان ما أصبح أحد كبار المانحين للحملة.

وتمتد عواقب إمبراطورية عبد القادر للشحن إلى ما وراء تركيا. حيث أثار التحقيق احتجاجات معادية للفساد في قرغيزستان العام الماضي بعد الكشف عن الدور الرئيسي الذي لعبه نائب رئيس الجمارك القرغيزي السابق، ريمبيك ماترايموف، في تسهيل الفساد الذي سهّل عمليات التهريب الخاصة بعبد القادر.

واستمرت حالة الغضب العام من نظام الفساد القرغيزي الذي يجسده ماترايموف حتى انفجرت في أعقاب الانتخابات البرلمانية الشهر الماضي التي شابها عمليات شراء واسعة النطاق للأصوات نيابة عن الأحزاب الموالية للحكومة بما في ذلك حزب "مكينيم قيرغيزستان"، والتي يُزعم أن ماترايموف يموله.

وأطلقت الاحتجاجات سلسلة من الأحداث، حيث قام مسؤولو الانتخابات بإلغاء النتائج واستقال كبار القادة، بمن فيهم الرئيس، سورونباي جينبيكوف. والأكثر إثارة للدهشة أن صادير جابروف، الذي كان يقضي عقوبة بالسجن 11 عامًا بتهمة اختطاف منافس سياسي، انتقل من مجرد الإفراج عنه من السجن خلال فوضى الاحتجاجات إلى أن يصبح رئيسًا للوزراء ورئيسًا بالوكالة في غضون عشرة أيام فقط.

وفي أول خطاب رئيسي له كرئيس بالنيابة، أعلن أنه سيحارب الفساد وقال إن ماترايموف "سيواجه العدالة". وبعد تسليم نفسه للسلطات القرغيزية في 20 أكتوبر، أُطلق سراح ماترايموف ووضعه في الإقامة الجبرية وقال المسؤولون إنه سدد ما يقرب من 24 مليون دولار مستحقة للدولة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من توفير المظهر الخارجي للعدالة، فلم يتضح ما إذا كان ماترايموف يواجه بالفعل عواقب وخيمة سواء بسبب دوره في مخططات الفساد الدولية أو تزويره للانتخابات.

وفي اليوم التالي لوضع ماترايموف رهن الإقامة الجبرية، أعلن جابروف عن "عفو اقتصادي قانوني" عن أي مسؤول فاسد تقدم في غضون 30 يومًا وأعاد عائدات الكسب غير المشروع. واستقال جابروف منذ ذلك الحين من منصب الرئاسة ليكون مؤهلا للترشح لفترة ست سنوات في الانتخابات الرئاسية الجديدة المقرر إجراؤها في يناير.

ولم تقدم السلطات القرغيزية تفسيرا مفصلا عن أسباب مديونية ماترايموف لأموال الدولة ولم يقدم ماترايموف أي اعتراف. وإذا لم يكن متهما بأي جريمة فلماذا إذن سيلتزم بدفع أي شيء وكيف تم تحديد هذا المبلغ الملزم هو بسداده؟

لم يكن هناك إقرار بالحد الأدنى الذي بلغ 700 مليون دولار من مخطط غسيل الأموال الذي شارك فيه، مما يشير إلى أن خسارة ثروة الدولة تفوق 24 مليون دولار بكثير.

وتتضمن سجلات الشرطة التركية المسربة للتحقيق في مقتل سايمايتي شهادة زوجته، وفولي بوميليامو، التي قالت للمحققين إن ماترايموف وعبد القادر "كانا يهددان زوجي بالموت طوال الوقت" بسبب نزاع مالي. ولم يتضح إلى أي مدى تتبعت الشرطة التركية الروابط الواضحة بين جريمة القتل والفساد الدولي.

تظهر النصوص المسربة لاستجوابات المشتبه بهم أن الشرطة سألت المسلح، إنفر، عن عبد القادر، لكنه نفى معرفته برجل الأعمال الأويغور. وقال إنه وشريكه، أحمد علييف، تم توظيفهما في سوريا من قبل ناشط من آسيا الوسطى يدعى "آدم". عرض الرجل على الشريكين 50 ألف دولار لتنفيذ عملية الاغتيال.

وعندما سأل إنفر آدم لماذا يريد قتل سايمايتي، قال المتشدد "هو ليس مسلم، إنه كافر، وقتله ضروري".

يبدو أن السلطات التركية ركزت على هذه الشهادة لصياغة نظرية التطرف الديني، لكن نصوص التحقيقات تظهر أن القتل كان نتيجة عقد.

هوية آدم غير معروفة وكذلك لم يتم التعرف على احتمالية وجود صلات تربطه بماترايموف أو عبد القادر. إن الاضطرابات السياسية في قيرغيزستان واغتيال سايمايتي في إسطنبول هما فقط الأضرار الواضحة الناجمة عن فساد الحكم. 

وطالما أن غاسلي الأموال مثل سايمايتي يتمتعون بسهولة الوصول إلى الخدمات المصرفية والعقارات في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الفاسدين مثل ماترايموف سيستمرون في تشويه الحوكمة وتقويضها بينما يتعاونون مع المجرمين الدوليين مثل عبد القادر.

وقد أشار الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، خلال حملته الانتخابية إلى أنه يأخذ قضية الفساد على محمل الجد. وفي يناير، أوضح خطته لعقد "قمة من أجل الديمقراطية" خلال سنته الأولى في منصبه لتأمين "التزامات دولة جديدة مهمة في ثلاثة مجالات: محاربة الفساد، ومحاربة الاستبداد، وتعزيز حقوق الإنسان في دولتهم وخارجها".

كما أوضح أنه "سيقود الجهود الدولية لتحقيق الشفافية في النظام المالي العالمي، وملاحقة المؤسسات الضريبية غير المشروعة، ومصادرة الأصول المسروقة، وتصعيب الأمور على القادة الذين يسرقون من شعوبهم للاختباء خلف شركات واجهة مجهولة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahval.me/kyrgyzstan-revolution/murder-istanbul-revolution-kyrgyzstan-kleptocracy-wreaks-havoc
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.