فشل الحكومة التركية في مواجهة هجرة العقول

أعلن وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى ورانك عن برنامج تمويل أكاديمي رائد في أواخر العام الماضي كان من المفترض أن ينشط الأوساط الأكاديمية ويواجه هجرة العقول المنتشرة على نطاق واسع.

ومع ذلك، تشير الأرقام إلى أن عدد الأكاديميين الذين جذبهم البرنامج إلى تركيا يمثل قطرة في المحيط مقارنة بعدد الأشخاص الذين غادروا البلاد بسبب الاضطهاد القانوني أو البيئة الأكاديمية القمعية.

قدمت الزمالة الدولية لمجلس البحوث التكنولوجية والعلمية التركية للباحثين المتميزين حوافز كبيرة لجذب الباحثين في مجال العلوم والتكنولوجيا إلى الجامعات التركية.

وقد أعلن البرنامج عن نفقات سخية للباحثين وجامعاتهم - عقود لمدة تتراوح ما بين عامين وثلاثة أعوام بقيمة 4200 دولار شهرياً للباحثين ذوي الخبرة و3500 دولار للباحثين الشباب بعد الدكتوراه، ومنح بحثية تصل قيمتها إلى مليون ليرة (175 ألف دولار) للأكاديميين الذين يقومون بإجراء الأبحاث في تركيا وما يصل إلى 750 ألف ليرة للجامعات أو المؤسسات التي تستضيفهم.

وتعهد البرنامج أيضاً بمساعدة شهرية للأكاديميين الذين ينتقلون إلى تركيا مع عائلاتهم بقيمة 394 دولاراً فضلاً عن دفع ثمن رحلاتهم الجوية والإقامة والتأمين الصحي والاحتياجات المماثلة.

وكشف إعلان الزمالة الدولية لمجلس البحوث التكنولوجية والعلمية التركية الصادر في الثامن عشر من يوليو بيانات عن فترة التقديم لثلاثة أشهر، بما في ذلك تفاصيل المجالات والجامعات التي سجل فيها المتقدمون.

كان ورانك قد أعلن بالفعل في شهر مايو أن البرنامج تلقى 242 طلباً من 36 دولة، بما في ذلك أستاذ كان عضواً في اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التي حصلت على جائزة نوبل للسلام في عام 2007.

وقال ورانك إن أكبر عدد من الطلبات جاء من الولايات المتحدة، تليها بريطانيا وألمانيا، وشمل المتقدمون عاملين سابقين من جامعات عالمية رائدة وشركات ومعاهد مرموقة بما فيها إنتل ومعهد بحوث الفيزياء الرائد بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن).

وقال ورانك "بعد تقييم الطلبات، اخترنا 127 عالماً من 21 دولة مختلفة، بينهم 98 تركياً و29 مواطناً أجنبياً، للمشاركة في كتابة قصة النجاح الجديدة لتركيا".

ومع أن هذا البرنامج السخي جذب علماء بارزين إلى تركيا، فإن جامعات البلاد على وشك الانهيار التام تحت ضغط مراسيم الطوارئ التي نفذت حملة تطهير شملت الآلاف من الأكاديميين وأثارت جواً من الخوف.

المراسيم الصادرة عن الحكومة خلال فرض حالة الطوارئ التي استمرت عامين بعد محاولة الانقلاب لعام 2016 فصلت 5896 أكاديمياً من الجامعات وجردت كثيرين منهم من مصادر تمويلهم وعجزوا عن العمل في تركيا أو السفر إلى الخارج، وصُودرت جوازات سفرهم.

شهدت الأشهر التي تلت الانقلاب أيضاً إغلاق عدد كبير من المعاهد التعليمية، بما في ذلك جامعات، بسبب صلات مزعومة بحركة غولن الدينية التي تتهمها الحكومة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

في هذا المناخ الأكاديمي، فإن الأتراك العائدين إلى البلاد وعددهم 98 شخصاً غير كافيين لتغيير ما يسمى على نطاق واسع بهجرة العقول. لا يمكن حل هذا النوع من المشاكل بمجرد إنفاق حفنة من الأموال.

لا توجد في تركيا في الوقت الراهن البيئة الحرة والمستقلة اللازمة للبحث الأكاديمي.

لقد كان هذا واضحاً بشكل لافت للنظر من معاملة المجموعة المعروفة باسم (أكاديميون من أجل السلام)، وهي مجموعة تضم ما يربو على ألفي باحث وقعوا على عريضة في يناير 2016 يدينون فيها الرد العسكري الغاشم على المتمردين الأكراد في جنوب شرق البلاد.

وقد واجه حتى الآن 450 من هؤلاء الباحثين محاكمات اتهموا فيها بنشر الدعاية الإرهابية، وتم طرد الكثير منهم من جامعاتهم بمرسوم. يواجه أي مُستهدف قانوناً نوعاً من الوفاة المدنية، لأن أرباب العمل في القطاعين العام والخاص يرفضون طلبات توظيفهم.

وقد كان الأكاديميون الجامعيون من بين المستهدفين في أول مرسوم طوارئ صدر بعد محاولة الانقلاب عام 2016 - وقد منعهم المرسوم من السفر إلى الخارج دون إذن خاص.

بعد ذلك، منح الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه السلطة الوحيدة في تعيين رؤساء الجامعات، وتخلص من النظام السابق الذي كان يتم انتخابهم بموجبه. ما زال النظام الجديد قيد الاستخدام حتى يومنا هذا.

وأفاد صندوق إنقاذ الباحثين ومجلس الأكاديميين المعرضين للخطر، وهو مجموعة دعم أكاديمي دولية، بحدوث طفرة كبرى في الطلبات المقدمة من تركيا، حيث جاء حوالي 65 في المئة من إجمالي طلبات الدعم من البلاد.

وفي ظل وجود أكاديميين في السجون أو دون عمل في حين تواجه البلاد أزمة اقتصادية، تظهر الأرقام الصادرة في الآونة الأخيرة عن معهد الإحصاء التركي زيادة حادة في عدد الأتراك الذين يسعون للخروج من البلاد.

وتشير أرقام الهجرة في نهاية عام 2018 إلى ارتفاع بنسبة 27.7 في المئة مقارنة بالعام السابق، وكان العدد الإجمالي لمن غادروا تركيا 323918 شخصاً. كان ما يربو على 136 ألفاً من هؤلاء من المواطنين الأتراك.

وأكبر مجموعة سكانية تغادر البلاد من الشباب والمتعلمين. كان ما يقرب من 16 في المئة من المهاجرين في الفئة العمرية من 25 إلى 29 عاماً و13.2 في المئة أخرى تتراوح أعمارهم ما بين 20 و24 عاماً.

كما ارتفع عدد المهاجرين إلى تركيا بنسبة 23.8 في المئة ليصل إلى 577457 شخصاً. لكن الغالبية العظمى منهم ليسوا من الأتراك العائدين، بل مواطنين من العراق المجاور. كان ما يزيد قليلاً عن 110 آلاف من القادمين إلى تركيا من مواطني البلاد.

إلى جانب العراقيين، جاء أكبر عدد من المهاجرين من أفغانستان وسوريا وأذربيجان وإيران وأوزبكستان. تشير بيانات كثيرين من المهاجرين من هذه البلدان إلى أنهم ينتمون إلى خلفيات تعليمية متدنية، حيث يلتمس الكثيرون اللجوء فراراً من الصراعات أو الأخطار الأخرى في بلدانهم الأصلية.

وتظهر البيانات أن عدداً محدوداً من الأتراك الشباب المتعلمين الذين هاجروا يعودون. إنهم يشكلون مجرد خُمس الهجرة القادمة.

بعبارة أخرى، هناك عشرات الآلاف من الأتراك من خلفيات متعلمة بشكل جيد يغادرون أكثر من العائدين، في حين أن كثيرين من المهاجرين القادمين من ذوي المؤهلات المتدنية ويفتقرون إلى المهارات اللغوية. الفجوة التي يتركها هذا في السوق التركية للعمال المهرة لن يتم سدها عن طريق برنامج مثل الزمالة الدولية للباحثين المتميزين، بغض النظر عن مدى تمويله ببذخ.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-brain-drain/turkish-government-efforts-reverse-brain-drain-fall-short
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.