جان تيومان
يوليو 08 2019

فوائد الدين الخارجي لتركيا أربعة أضعاف اليونان

في الوقت الذي تقوم فيه الإدارة الاقتصادية بالحكومة التركية بتسويق الاقتراض الخارجي الأخير الذي قامت به هذا الأسبوع بعد فترة توقف بلغت 4 اشهر، ويقدر بـ2.25 مليار دولار، وإظهاره على أنه "نجاح باهر"، نجد على الجانب الآخر، وعكس ذلك، أن الأرقام التي تظهر قبالتنا لا تعكس الصورة وردية إلى ذلك الحد كما يروج النظام بين الحين والآخر.

فلا محالة أن إصدار السندات الأخير - الذي وإن بدى بمثابة تحدٍ للآلية المالية العالمية – سيكون ثمنه قاسيًا وثقيلًا للغاية بالنسبة لبلد خفضت وكالة "موديز" الدولية للتصنيف الائتماني، تصنيفه الائتماني مؤخرًا إلى مستوى "عالي الخطورة"؛ لتبقى تركيا وجهًا لوجه مع خطر الاستبعاد والإقصاء من الأسواق العالمية.

الخزانة التركية من أجل سندات مدة استحقاقها تبلغ خمس سنوات، عرضت على المستثمر نسبة فائدة بلغت 5.45 في المئة سنويًا (فيما بعد تم تحويل هذه النسبة إلى اليورو بنسبة فائدة 3.8 في المئة)، وهي بتلك الخطوة فوتت وبشكل كبير ذلك الانخفاض السريع الذي شهدته فوائد السندات في الفترة الأخيرة بالأسواق الدولية بتأثير من بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (FED)، والبنك المركزي الأوروبي (ECB).

وبذلك اضطرت تركيا لدفع فوائد 4 أضعاف تقريبًا كل من اليونان التي تعلو أنقرة بدرجة واحدة فقط في التصنيف الائتماني، وإيطاليا التي دائمًا ما نسمع جدلًا يثار بين الحين والآخر حول احتمالية إفلاسها. وذلك على اعتبار أن الدولتين المذكورتين أصدرتا سندات بلغت مدة استحقاقها 5 سنوات كتركيا.

ومن جانب آخر، إذا بدا أن تركيا بتلك الخطوة أنقذت الوضع ولو لوقت قصير على الأقل عملًا بنظرية السوق العامة التي تقول "إن الاقتراض بفوائد مرتفعة وقت الأزمات أفضل من عدم وجود شيء مطلقًا"، إلا أن دفعها لهذه الفوائد الكبيرة للغاية وفق شروط السوق العالمي، من أجل قرض يبلغ 2.25 مليار دولار؛ لأمر يثير كثيرًا من علامات الاستفهام حول هذه الخطوة المثيرة للجدل.

وقبل أي شيء، دعونا نؤكد على أن ارتفاع الفائدة التي دفعتها خزينة الدولة التي تعتبر أكثر مؤسسة يمكن الوثوق بها في تركيا، بمثابة أمر أدى إلى زيادة التكلفة على الاقتصاد التركي بأكمله؛ وذلك لأن هذا الارتفاع يربط بشكل مباشر المقترضين من القطاع الخاص. ومن ثم فإن تركيا تقلصت آمالها في العثورا على موارد رخيصة؛ لإنعاش اقتصادها الراكد؛ لا سيما أنها ستكون محتاجة العام المقبل وحده، إلى أكثر من 160 مليار دولار يخص معظمها القطاع الخاص؛ لتجديد القرض.

ولا ننسى في هذا المقام أن نوضح أن الأسواق العالمية شهدت تغيرًا هامًا في اتجاهها العام في ذلك المسار الذي أدى إلى الاقتراض الأخير لتركيا الذي أسفر عن العديد من النتائج الهامة بالنسبة لها.

ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي الذي يستعد للتقاعد حاليًا، كان قد أدلى بتصريحات منتصف شهر يونيو الماضي، ألمح فيها إلى أن سعر الفائدة الذي يقترب في الأساس من مستوى الصفر، من الممكن أن يتم الاستمرار في خفضه، وتوسيع ذلك على مستوى الأسواق بشكل عام، وهذه التصريحات حقيقة كان لها بالغ الأثر في انطلاق ماراثون انخفاض فوائد الديون في العالم بأسره.

وبعد تلك التصريحات مباشرة، بدأ مهرجان السندات العالمي عقب قيام البنك المركزي الأميركي بإعطاء تلميحات قوية حول وضع حد لرفع الفوائد، وبدء مرحلة تخفيضها.

ففي الولايات المتحدة التي تعتبر مؤشرًا هامًا للغاية بالنسبة للعالم بأسره، تراجعت فائدة السندات ذات العشر سنوات إلى أدنى مستوى لها بعد العام 2016، إذ وصلت لما دون الـ2 في المئة.

وعلى إثر ذلك أصبح توجه المستثمر نحو السندات قويًا للغاية لدرجة أن أسعار الفائدة السلبية على السندات الألمانية والهولندية، انتشرت في كافة  أنحاء أوروبا خلال السنوات الأخيرة. حتى في فرنسا التي تعتبر ثاني أكبر دولة في الاتحاد، ومعروفة بمشاكلها وأزماتها الاقتصادية، تحولت فوائد السندات فيها إلى عائد سلبي بالنسبة لآجال الاستحقاق التي تصل إلى 10 سنوات.

ولا شك أن هذا الأمر ليس قاصرًا على الاقتصاديات القوية فحسب، إذ أن سندات البلدان التي كانت لا تمتلك وفرة من المال خلال الفترات الماضية، شهدت هي الأخرى أقساط سريعة.

وفي ذات السياق نجد أن اليونان التي ظهرت في الأسواق العالمية هذا العام للمرة الأولى بعد فترة اختفاء دامت 9 سنوات، قد تراجعت سنداتها المقومة باليورو بأجل 5 سنوات، إلى 1 في المائة. كما أن إيطاليا التي تعاني في الإيفاء بالتزاماتها الأوروبية، ولا زال الجدل دائرًا حول احتمالية إفلاسها، قد شهدت مطلع العام الجاري خفضًا لفوائد سندات الخمس سنوات التي كانت تصل إلى 2 في المئة تقريبًا، لتصبح 0.8 في المئة.

واستكمالًا للحديث حول تركيا نجد أن السياسة كانت بمثابة التطور الثاني الذي شجع أنقرة على طرق أبواب سوق السندات الدولي. فكما نعلم جميعًا فإن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، التقى نظيره الأميركي، دونالد ترامب، على هامش قمة مجموعة العشرين التي انعقدت نهاية الأسبوع بمدينة أوساكا اليابانية. ولقد كان للرسائل المعتدلة التي خرجت من هذا اللقاء، دور في إعادة مسألة الدين الخارجي التي ظلت مركونة منذ 4 أشهر، وإبرازها مرة ثانية وطرحها على الطاولة.

وكما هو معروف للجميع قامت الخزانة التركية، الثلاثاء الماضي، باختيار كل من المجموعة المصرفية العالمية الفرنسية (بي إن بي باريبا)، و(سيتي بنك) أحد أكبر المصارف في العالم، ومصرف (HSBC)، لإدارة وطرح سندات باليورو. في البداية تم تقديم معدل فائدة سنوي يبلغ 5.65 في المئة من أجل سندات الدولار ذات الخمس سنوات. لكن نظرًا لأن الطلب مرتفع فقد انخفضت وبشكل نهائي هذه النسبة إلى 5.45 في المئة سنويًا، ومن ثم تمت عملية اقتراض بقيمة 2.25 مليار دولار. وبعد هذا الإصدار، قالت خزانة الدولة في بيان لها إن الطلب على هذا الإصدار جاء ثلاثة أضعاف إجمالي المبيعات.

والسندات المقومة بالدولار تم تحويلها فيما بعد إلى اليورو من خلال معاملات المبادلة، وذلك مثلما حدث عن البيع في شهر يناير من هذا العام. وخلال عملية التحويل، بلغت نسبة الفائدة على السندات باليورو 3.8 في المئة، وهو ما يعادل 4 أضعاف السندات اليونانية في نفس الأجل، وما يقرب من 5 أضعاف السندات الإيطالية.

تركيا التي تواجه خطر الاستبعاد والإقصاء من أسواق السندات الدولية، على خلفية خفض تصنيفها الائتماني من قبل وكالتي موديز، وستاندرد آند بورز، وصلت بسبب إصدار السندات الأخير، إلى معدل اقتراض خارجي يقدر بـ8.7 مليار دولار خلال هذا العام. وهذا يعتبر تطورًا مهمًا من حيث عرقلة إفلاس البلاد. غير أن الفائدة المرتفعة التي جاءت نتيجة طبيعية لذلك، أثبتت أن تركيا لم تستطع استغلال الظروف المواتية في الأسواق العالمية، وأنها بعيدة كل البعد عن العملات الصعبة منخفضة التكلفة التي من شأنها رفع اقتصادها المتدهور.

كما أن فوائد الدين الخارجي لتركيا التي تعاني من عجز في الادخار وتحتاج إلى اقتراض خارجي مكثف، تلعب هي الأخرى دورًا حيويًا في تحديد أسعار الفائدة المقيدة بالعملة المحلية، الليرة. ومن كل ذلك يتبين لنا أن المشهد العام الماثل قبالتنا، يعني استمرار الركود الاقتصادي  الذي تسبب في عواقب سياسية سلبية بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم. وتعني كذلك تأجيل أحلام العودة من القاع والارتقاء للسطح.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/turkiyenin-dis-borc-faizi-yunanistanin-dort-kati