أحوال تركية
أكتوبر 11 2019

فوضى نبع السلام، انقسام جديد في المعارضة وضياع للحلم الكردي

احوال ( خاص) – الفوضى التي تغرق فيها منطقة الشرق الاوسط ليست بجديدة، تلك بيئة الحروب والصراعات والإنقلابات.

ثم انها هي التي انتجت اعتى قوة ارهابية يمكن تصوّرها الا وهي تنظيم داعش الارهابي الذي اقضّ مضاجع العالم كله بفداحة جرائمه.

على الارض السورية انتعش تنظيم داعش وحقق ما كان يسعى لتحقيقه من ابادة للبشرية وتدمير لقيم المدنية.

كانت الحكومة التركية وما تزال شاهدا وطرفا على هذا كله، ولم تثبت براءتها قط عن دعم ورعاية ذلك التنظيم واشباهه.

على الاقل هنالك اليوم جبهة النصرة الوريث الشرعي للارهاب التكفيري الذي يستمد من تنظيم القاعدة ابجديته وسلوكه الاجرامي، وهي التي تحضى برعاية علنية من طرف حكومة العدالة والتنمية هي وغيرها من الجماعات التكفيرية والارهابية.

وهنا يبرز السؤال: لماذا في نظر العدالة والتنمية التنظيمات الكردية التي تدافع وتتشبث بأراضيها ارهابية ويجب القضاء عليها بينما جبهة النصرة يجب العناية بها ورعايتها؟

هذه الفضيحة السياسية تكشف جانبا من العقلية التي قررت بث مزيد من الفوضى في المنطقة وعلى الارض السورية من خلال الحملة العسكرية الجديدة نبع السلام.

نبع السلام ليست في الواقع الا احد منابع الفوضى التي تفاقمها الحكومة التركية والنزعة التوسعية التركية والانغلاق السياسي والدبلوماسي الذي يتبعه الرئيس التركي للوصول الى اهداف التوسع.

فاذا كنا امام مشهد المعارضة السورية المنقسمة على نفسها بحسب الاهداف والولاءات فإنه من باب اولى هو جمعها على هدف ناظم واحد مشترك هو التخلص من النظام السوري الحالي لا سيما واننا نتحدث عن جولات متعددة في مفازضات استانه بهذا الاتجاه.

اما ما بعد انطلاق شرارة نبع السلام فقد دبت مزيد من الفوضى بسبب ذلك في اوساط المعارضة السورية المنقسمة على نفسها، وببساطة شديدة صرنا امام مشهد مزر خلاصته ان هنالك من المعارضة من هو مع نبع السلام ومن هو ضدها.

هنالك من المعارضة السورية من يتغطى بالغطاء التركي الذي خلاصته مكافحة التنظيمات الارهابية الكردية وحق الدفاع عن النفس.

وهنالك ايضا من قارب موقفه مواقف النظام السوري في ادانة الهجوم التركي.

اما على صعيد الأكراد فأقصى ما يمكن قوله أنه ضياع للحلم الكردي ومزيد من الحرب والدماء لا سيما وان الاكراد سوف يقاتلون على ارضهم او ان يتحولوا الى تابع لأرادة الجيش التركي والسلطات التركية.

أمضت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد أعواما وهي توسع نطاق سيطرتها عبر شمال وشرق سوريا بمساعدة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش الارهابي، وخلال ذلك كانت قاعدتها الشعبية تتعزز على الارض وهي تسعى باتجاه ترسيخ ذلك الكيان الكردي ليضاهي شبيهه العراقي.

والأكراد مثال نادر على تحقيق مكاسب في الحرب السورية إذ أقاموا مع حلفائهم هيئات حاكمة مع التأكيد دوما على أن هدفهم هو الحكم الذاتي وليس الاستقلال.

كل ذلك وما هو اكثر منه قد ينهار او هو على وشك الانهيار تحت طاحونة الحرب التركية والتخلي الاميركي المفاجئ عن الحلم الكردي وعن مكافأة الاكراد.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفضلا عن قرار الانسحاب الذي عد خيانة للتعهدات مع الاكراد اضاف صدمة اخرى بتصريحاته المشينة ضد الاكراد، حلفاء الامس،  لدى سؤاله عما إذا كان ممكنا بناء تحالف مع الأكراد ضد تركيا ردا على هجوم الأخيرة في شمال سوريا، قال إن الأكراد "لم يُساعدوا" الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية وإنزال النورماندي.

وتابع أنهم "لم يساعدونا خلال الحرب العالمية الثانية. لم يساعدونا في النورماندي مثلا".

وقال: "أنفقنا أموالا طائلة لدعم الأكراد، سواء على صعيد الذخائر، الأسلحة، أو المال".

يدرك الاكراد جيدا ان الانسحاب الأمريكي من المنطقة سوف يتيح تلقائيا المزيد من التوغلات التركية وربما عودة تنظيم داعش الارهابي أو لمحاولات الحكومة السورية المدعومة من إيران وروسيا استعادة أراض اخرى.

هنا لا بد ان نتذكر حقيقة اخرى في ما يتعلق بالمأزق الكردي وهو انهم بعد ان  واجهوا احتمال انسحاب القوات الأمريكية العام الماضي، كانوا قد طرقوا أبواب دمشق بهدف إجراء محادثات تسمح للحكومة السورية وحليفتها روسيا بالانتشار عند الحدود.

ولم تحقق المحادثات أي تقدم لكن مثل هذه المفاوضات قد تصبح خيارا مطروحا مرة أخرى في بسبب الانسحاب الأميركي  وهو الحل الذي تسعى لتحقيقه روسيا بشتى الوسائل.

والحاصل انه اذا كان هنالك من اهداف تتحقق فهي احلام عثمانية في التوسع وسحق الاخر واختيار اوقات الضعف والانكسار لدى الطرف الاخر لفرض امر واقع على الارض.

كل ذلك يفند اطروحات السلام واغصان الزيتون التي تلوح بها الحكومة التركية فلم تجلب الدبابات والقصف والحرق والقتل سلاما في تاريخ البشرية ولم يكن الجيش التركي في حملاته على الارض السورية حاملا راية سلام بل راية حرب ودمار ونشر للفوضى في مقابل تحقيق احلام واهداف توسعية تركية ولو عمت الفوضى في كل مكان.