فوز أردوغان في سوريا لن يدوم كثيراً

قال مسؤول في وزارة الخارجية التركية رفض الكشف عن هويته لصحيفة (واشنطن بوست) إن اتفاق وقف إطلاق النار بين المسؤولين الأميركيين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان أحد أكثر الاتفاقات سلاسة في التاريخ التركي إذ كان سهلاً لدرجة أنه كان مفاجأة بالنسبة لأنقرة. لذا هو اتفاق، لكن هل هو حقاً اتفاق بمعنى الكلمة؟

ثمة اتفاق على نطاق واسع أن أردوغان فاز. لقد قام بمقامرة سياسية من النوع الذي أتقنه على مر السنين، والقوة العظمى في العالم غضت الطرف أولاً. في الداخل والخارج أولئك الذين كانوا يتوقعون حدوث رد فعل عنيف بالنسبة لأردوغان أُخذوا على حين غرة.

لقد حان الوقت كي يتحرك سريعاً ويروج لانتصاره المُتصور في الداخل، ليؤكد من جديد على أنه القائد الأعلى صاحب الإرادة الحديدية وأن يستخدم الأدوات المحلية لترويض خصومه حتى بشكل أكثر قسوة وإصلاح أي ضرر حدث لصورته بسبب الهزيمة التي لحقت به في الانتخابات المحلية. إن لم يكن قد تحقق أي شيء آخر، فقد كسب أردوغان الوقت والمساحة للمناورة.

هذا انتصار كبير لكنه قد يكون باهظ التكلفة على الرغم من كل هذا.

يقدم الاتفاق بدايات لبعض الشرعية للتوغل التركي لكن قد تكون هناك مفاجأة أخرى تنتظر على الباب، وتدفع أردوغان إلى مستنقع سوريا.

تترك الوثيقة المؤلفة من 13 نقطة، المليئة بالعبارات الغامضة والمخاطر الدبلوماسية الكامنة، فراغاً كبيراً فيما يتعلق بالجهات الفاعلة الرئيسة في البلد الذي مزقته الحرب: الأكراد وقوات النظام السوري وروسيا، وفي ركن غامض إيران. ليس ذلك فحسب، فمن المؤكد أن يثير الاتفاق مزيداً من العواصف في واشنطن، حيث يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينزلق إلى دوامة المساءلة.

ترتبط معظم هذه المتغيرات بالحقائق التي يتعذر على الاتفاق تجاهلها. أولاً وقبل كل شيء، لا يرقى الاتفاق إلى حد وضع شروط قوية بما يكفي لانسحاب واسع النطاق للقوات المسلحة التركية من المناطق التي غزتها.

وتشير بيانات أنقرة بعد الإعلان عن الاتفاق مباشرة إلى موقف لم يتغير وهو يتصور بقاءً طويلاً على طول الحدود التركية السورية من العراق إلى كوباني.

وقام أردوغان بمقامرة أخرى، إذ قال إنه إذا لم يقم الأميركيون بتطهير المنطقة من قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، فسوف يتسارع التوغل. ولا بد أن تؤخذ هذه الإشارات كدليل على أن أنقرة ستحاول تعظيم مكاسب الاتفاق لممارسة وجود عسكري دائم في المناطق التي غزتها في سوريا.

إذا أخذنا ذلك مع الانسحاب الكامل من سوريا، فقد لا يهتم الأميركيون بما إذا كان الجانب التركي سيبقى في سوريا أو يغادر. يتمثل موقف ترامب الحالي في التنصل من هذا الصراع الإقليمي الدامي والأمل في تجاهل ما يفعله أردوغان.

لقد قرر التخلي عن الأكراد وتركهم عرضة للخطر أمام أنقرة ودمشق، كما يُظهر الاتفاق دون أي شك. هذا ما استقبله الرئيس بشار الأسد وأردوغان بالإشادة.

وكذلك، فإن كتلة المعارضة العلمانية القومية في تركيا تدعمه علانية وتدعو منذ فترة طويلة إلى إجراء حوار مع الأسد، على أمل أن يتم سحق التطلعات الكردية إلى الحكم الذاتي بسهولة أكبر عندما تتفق الحكومتان.

بيد أن الاتفاق لا يمكن أن يخفي حقيقة أن تركيا معزولة لأن لديها بعض الخطط الغريبة لبدء مشاريع إعادة التوطين والبناء على أرض أجنبية، دون موافقة أي شخص.

إذا كانت الأولوية بالنسبة لسوريا تتمثل في إعادة تأكيد سيطرتها على الأجزاء الشمالية ذات الأغلبية الكردية وإجبار تركيا على الانسحاب من أراضيها، فستكون روسيا، الفائزة في لعبة الشطرنج المتعددة الأبعاد في سوريا، هي التي ستُضطر إلى إدارة الحل. يعرف الأسد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن هذا الاتفاق غير واضح وقصير الأجل، وأنه بمجرد موافقة قوات سوريا الديمقراطية على اختيار صفهم، فإن اتفاقية أضنة التي يشير إليها أردوغان لن تكون لها صلاحية فيما يتعلق باتفاقات الوجود المستمر.

عندما أبرم نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو الاتفاق، من الواضح أن ألكساندر لافرينييف، الذي كان في أنقرة بصفته مبعوثاً خاصاً لبوتين إلى سوريا، قد عاد إلى موسكو بذهن مرتاح نسبياً.

وعندما يلتقي أردوغان بعد ذلك بنظيره الروسي، الذي يجب أن يعامله باحترام كبير، سوف يذهب بوتين إلى أبعد من ذلك، لمعالجة قضية إدلب والجهاديين المجتمعين هناك، ويدفع أردوغان إلى موقف أصعب من خلال الإصرار على إجراء محادثات مباشرة مع الأسد. يصل بوتين إلى هذا الهدف ببطء ولكن بحزم.

وقد تكون الدوائر المعادية للولايات المتحدة التي دفعت أردوغان إلى عزل كل شخص في واشنطن باستثناء ترامب قد رحبت بالاتفاق كخطوة أوثق لإبعاد تركيا عن فلك الغرب، لكن ثمة قضيتين ستستمران في فرض تحديات على أنقرة، مهما كان الطريق الوعر الذي اختاره حكامها.

لن يتوقف نزيف قضية الأكراد في داخل تركيا، مما يغذي القومية العدوانية في الداخل. ولن يزول أبداً القاسم المشترك المتمثل في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية والجهاديين الآخرين في سوريا والذي يوحد الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وأجزاء كبيرة من جامعة الدول العربية تحت مظلة واحدة.

وتجعل هاتان الجبهتان فوز أردوغان في أنقرة انتصاراً باهظ التكلفة وقصير الأجل. ستضعف يداه المقيدتان وعقله المغلق الأرض التي يأمل في أن يقف عليها. وبالنسبة للغرب، يمثل أردوغان عائقاً. وبالنسبة لروسيا، هو مفيد إلى أن يثبت خلاف ذلك.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/erdogan-won-only-short-term
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.