سبتمبر 15 2019

في موغلا المناجم والصناعات التعدينية تقضي على الطبيعة والإنسان

منطقة جبال إيدا أو كما يُطلق عليها (جبال كاز)، من الأماكن الشهيرة في تركيا، ولكن عندما نتحدث عن الأضرار التي لحقت بالطبيعة بسبب عمليات التنقيب عن المعادن، فإننا نجد أماكن أخرى تنازع هذه المنطقة شهرتها؛ فعلى الرغم من أن منطقة موغلا كانت واحدة من أهم المناطق التي ظل المواطنون يقصدونها في أوقات العطلات لسنوات طويله؛ لما تتمتع به من مساحات خضراء واسعة، إلا أن كل هذا انتهى مع المعاناة التي تعيشها المدينة اليوم بسبب الأضرار التي أحدثتها محطات الفحم التي أنشئت على نطاق واسع هناك. وقد أشارت منظمة شبكة العمل المناخي العالمية (منظمة أوروبية غير حكومية تدافع عن البيئة ضد مخاطر التلوث) في تقرير لها جاء تحت عنوان "الثمن الحقيقي للفحم" الأضرار الناجمة عن وجود محطات الفحم في هذه الأماكن.

بدأت الاستثمارات في الفحم في موغلا، منذ أواخر السبعينيات، وكانت الحاجة المتزايدة للطاقة الكهربية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي عاشتها تركيا في هذه الفترة، هما السبب الرئيس وراء توسع تركيا في إنشاء هذه المحطات. وتم تشغيل المرحلة الأولى من محطة كهرباء ياتاغان الحرارية في عام 1982. وأعقب ذلك تشغيل محطتي الطاقة الحرارية في يني كوي عام 1986، وفي كمر كوي عام 1994، اللتين تم إنشاؤها على نفس النمط السابق، وبدأ تشغيلهما بشكل تدريجي. وفي عام 1979 قامت الحكومة التركية، مُمَثلة في القطاع العام، بافتتاح محاجر الفحم الحجري البني أو كما يطلق عليه الليغنيت في مدينة ميلاس؛ من أجل تزويد محطات الطاقة بالوقود  اللازم. 

وفي نهاية عام 2014 قامت الدولة، تماشياً مع السياسة الليبرالية التي اتبعتها في قطاع الطاقة، اعتباراً من عام 2012، بخصخصة  محطات الطاقة الحرارية في موغلا ومناجم الليغنيت، بعد أن تولت إدارتها مدة 30 عاماً لتخضع محطات الطاقة تلك لإعادة تأهيل هدفت إلى إطالة عمرها، الذي انتهى بالفعل، لمدة ثلاثين عاماً أخرى. ولا يزال يعمل ما يزيد عن عشر محطات حرارية من التي تم خصخصتها بالفحم الحجري في عموم تركيا إلى الآن.   

ولا شك أن الطبيعة والمجتمع في موغلا وجميع المناطق التي يوجد بها محطات الطاقة القديمة هم الطرف الذي تحمَّل فاتورة الأضرار التي تنجم عن استخدام في هذه المحطات.  

تشير الدراسة إلى أن منطقة موغلا التاريخية تأثرت بشدة خلال 35 عاماً الأخيرة بسبب وجود الفحم وثلاث محطات حرارية، بالإضافة إلى مناجم الليغنيت بها، التي تمد هذه المحطات بالوقود، وأنها تحملت لقاء ذلك فاتورة بيئية واجتماعية واقتصادية باهظة خلال تلك الفترة. 

من جانب آخر، خصَّصت الحكومة التركية21 ألف هكتار من الأراضي في منطقة ياتاغان و23 ألفاً في ميلاس، 47.3% منها من الغابات، لتحويلها إلى محاجر لفحم الليغنيت؛ لأجل شركات القطاع الخاص التي حصلت على حق تشغيل 13 موقعاً في قطاع الطاقة والتعدين عام 2014، بموجب التراخيص الممنوحة إليها في هذا الإطار.

قامت الدولة منذ عام 1979، ببناء محاجر مفتوحة في المنطقة بلغت مساحتها 5 آلاف هكتار. ولك أن تتخيل حجم الدمار الذي لحق بالأراضي الزراعية والغابات بسبب وجود هذه المحاجر. 

وفي حالة إذا ما تم تشغيل جميع المناطق الممنوح بشأنها تراخيص خلال الأعوام الثلاثين القادمة، فهذا يعني أن مساحة إجمالية تعادل مساحة 30 ألف ملعب كرة من الغابات، منها 11 ألفاً و200 هكتار في ميلاس، و 7 آلاف و250 هكتار في ياتاغان، سيتم تدميرها بالكامل.

لا شك أن النظم الإيكولوجية للغابات في تلك المنطقة تتأثر  بشدة، هي الأخرى، من التلوث البيئي الناجم عن محطات الحرارية هناك؛ فعلى سبيل المثال، تشغل الأماكن التي تتراكم فيها النفايات الصلبة والسائلة التي يمكن تصنيفها في فئة النفايات الخطرة مساحة لا تقل عن 300 هكتار من مساحة الغابات. وهذه الأماكن غير مُجهزة ببنية تحتية مناسبة تمنع اختلاط النفايات الخطرة بالمياه الجوفية والمياه السطحية والتربة والهواء.

تدمير الطبيعة.

يتركز تلوث الهواء الناتج عن محطات الطاقة الحرارية بشكل أكبر في ولاية موغلا في ياتاغان وميلاس كافاكلي دَره  وأُولا، ولكن هذا لا يمنع أن يمتد تأثير التلوث لمساحات شاسعة أخرى مثل أيدين في الشمال، ورودس ومصر في الجنوب، واليونان في الغرب وفلسطين وإسرائيل في الشرق، بفعل الرياح والعوامل الجوية الأخرى.

وتشير الإحصاءات إلى حدوث 280 حالة وفاة مبكرة سنوياً في الفترة من 1982 حتى نهاية 2017، كان تلوث الهواء الناجم عن محطات توليد الطاقة في تلك المناطق هو السبب المشترك بينها. وهذا يعني أن ما لا يقل عن 45 ألف شخص قد ماتوا بسبب تلوث الهواء الناجم عن المحطات الثلاث هناك. 

وهذا يعني أننا سنفقد، استناداً للرأي نفسه، 5 آلاف و300 شخص آخرين، إذا استمرت هذه المحطات للعمل في الفترة بين 2018-2043، أي حتى تكمل هذه المحطات عامها الخمسين، حتى إذا قامت الحكومة باستثمارات بيئية في هذه المناطق.

أشار التقرير كذلك إلى أن محطات الطاقة الحرارية ومنشآت إنتاج الفحم في موغلا تلحق أضراراً كبيرة بالهيكل الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة. وقد اضطرت الحكومة، بعد تشغيل مناجم الفحم إلى نقل سكان ثماني قرى خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية؛ بل واضطر السكان إلى التنقل أكثر من مرة للسبب نفسه. وفي حالة حدوث زيادة قدرة محطات توليد الكهرباء، وإطالة مدة صلاحيتها، واستغلال كافة المساحة التي منحت الحكومة القطاع الخاص بشأنها تراخيص، فهذا يعني حتمية نقل 40 قرية أخرى، لن يجد سكانها خياراً آخر سوى ترك مصدر رزقهم في هذه القرى بعد مصادرة بساتين الزيتون والمناطق الزراعية والغابات، التي كانوا يعملون بها؛ مما يعني حدوث حركة نزوح مباشر أو غير مباشر لحوالي 30 ألف مواطن؛ سيتوزعون بين  8 آلاف و300 شخص في ميلاس و20 ألفاً و400 شخص في ياتاغان ومَنْتَشه.

لفت التقرير الانتباه كذلك إلى أن المزارعين الذين يملكون أراض بالقرب من المحطة الحرارية في ياتاغان قد رفعوا دعاوى قضائية منذ سنوات بسبب الانخفاض الكبير في إنتاجية المحاصيل؛ نتيجة التلوث المنبعث من هذه المحطة، مما أدى إلى تعرضهم لأضرار مادية كبيرة. وجاء في قرارات المحكمة أن الغازات المنبعثة من تلك المحطات الحرارية تدمر الزراعة، وتقلل عوائد المنتجات.

تدمير الطبيعة.

ولم يقتصر تأثير التلوث المنبعث من المحطة الحرارية، والتوسعات في منجم الفحم في موغلا على البيئة فحسب، بل امتد تأثيرها الضار ليطال التراث الأثري في المنطقة كذلك؛ حيث كان مثلث ياتاغان ويني كوي وكَمِر كوي جزءاً من المنطقة الأثرية التي كان يُطلق عليها قديماً اسم "كاريا". وتضمنت دراسة "الثمن الحقيقي للفحم" أيضاً تحليلاً قامت به جمعية علماء الآثار، استناداً إلى معلومات بشأن مناطق تراخيص التعدين وخرائط توزيع التلوث، أكد أن هناك العديد من المواقع الأثرية المُسجلة موجودة بالفعل في نطاق مناطق استخراج فحم الليغنيت. وتعتبر منطقتا "ستراتونيكيا"، التي تعرف باسم "مدينة المصارعين" ومنطقة "لاجينا"، الأثريتان من أكثر مواقع التراث الثقافي المهمة التي تضررت بشدة؛ بسبب قربها من مواقع استخراج الفحم. وبالإضافة إلى هاتين المنطقتين يقع 880 موقعاً أثرياً آخر في مجال تأثير المحطات الحرارية في ياتاغان ويني كوي وكَمَر كوي. 

بدأ التدمير الناجم عن تلوث الهواء الناتج عن محطات الطاقة الحرارية في غابات موغلا بعد فترة وجيزة من بدء تشغيل محطات توليد الطاقة هناك. ومن أبرز مظاهر ذلك جفاف غابات الصنوبر الطبيعية على جبل بنسيك، التي تبعد عن المحطة الحرارية مسافة 14 كم عامي 1985 و 1986، والتي قامت الدولة بعد ذلك بقطع جميع الأشجار في هذه المنطقة التي بلغت ألفي و271 هكتاراً. ويعد هذا الحدث أحد أهم مظاهر هدم النظم الإيكولوجية التي حُفِرت في الذاكرة الاجتماعية في المنطقة كلها. 

وفي دراسة أجراها فريق عمل تابع للجمعية التركية لأمراض الصدر عن تلوث الهواء في تركيا، احتلت موغلا المرتبة الرابعة بين المدن التي سجلت أعلى معدل شهري لكثافة الجزيئات في الهواء في الفترة بين شهري نوفمبر 2014 وأكتوبر 2015؛ حيث بلغ تركيز الجسيمات الصلبة في الهواء الطلق في منطقة ياتاغان أربعة أضعاف المتوسط السنوي لحد الأعلى الذي حددته منظمة الصحة العالمية، وثلاثة أضعاف ونصف المعدل العالمي عام 2016. 

وفي تصريح له، ذكر رئيس رابطة المزارعين في المنطقة عبد الله أيسو أن الشركات قامت في السنوات الأخيرة بوضع يدها على أراضي المزارعين وعقاراتهم من أجل تنفيذ مشروعات الطاقة والصناعات التعدينية الأخرى هناك، فيما أطلق عليه اسم "التأميم العاجل" وفقاً للمادة رقم 27 من القانون رقم 2942، ورقم 27 من 3634، ورقم 1 من القانون رقم 3634، ويضيف أيسو:
"تعتبر زراعة الزيتون هي بوابة الرزق الأساسية لما يقرب من 22 ألف مزارع اليوم. وعلى الرغم من هذا، لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع مطالبات للتخلص من بساتين الزيتون؛ من أجل البدء في مشروعات التعدين هناك. وعلى الرغم من أن القانون رقم 3573 المعروف باسم "قانون الزيتون" يحظر القيام بهذه الأنشطة هناك، إلا أنهم لم يكفوا عن سعيهم لاستصدار لوائح جديدة يتحايلون بها على هذا القانون".   

ومن ناحيته، أشار رئيس فرع إسطنبول لرابطة علماء الآثار يجيت أوزار، إلى التأثير الضار للفحم على التراث الأثري في موغلا، مؤكداً أن وجود مناجم الليغنيت ومحطات الطاقة الحرارية وغيرها من منشآت الصناعات التعدينية بالقرب من المناطق الأثرية يشكل تهديدًا مباشراً على التراث الأثري لتركيا، الذي يعود تاريخه إلى 4000 عام مضت.  ويؤكد أوزار أن منطقتي ستراتونيكيا ولاجينا هما الموقعان الأثريان الأكثر تأثراً بالتوسع في إقامة المناجم التي توفر الفحم لمحطة الطاقة الحرارية؛ حيث تعمل الانبعاثات الناتجة عن المحطات الحرارية على تآكل  الهياكل الأثرية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/cevre/kazdaglari-yalniz-degil-mugla-30-bin-hektar-ormanini-kaybetti-45-bin-insan-erken-oldu