في تجديد القومية التركية إسكات للأقليات العرقية

لأكثر من ألفي عام، عاش عدد كبير من اليونانيين في جبال بونتيك التي أصبحت اليوم جزءا من سواحل تركيا على البحر الأسود. وكان هؤلاء ضحايا لمسيرات الموت والتطهير العرقي على أيدي القوات التركية أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها.

وعندما أسس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية في 1923، سعى إلى صقل هوية وطنية واحدة تتمحور حول الإسلام التركي. وبذلك، اضطر المسيحيون اليونانيون الذين بقوا في بونتوس وغيرها من المناطق الأخرى إلى مغادرة البلاد، كجزء من التبادل السكاني مع اليونان.

قال الأستاذ المساعد في علم الإنسان بجامعة ميسوري سانت لويس الذي نشأ في سالونيك (ثيسالونيكي)، نيكوس ميخايليديس، لموقع أحوال تركية إن عائلته جاءت طالبة اللجوء في اليونان سنة 1923. وقد ترعرع مع كل هذه القصص والذكريات في منطقة البحر الأسود، مما عزز شغفه بالتراث والموسيقى المرتبطة بهذه المنطقة، فهو موسيقي أيضا.

وتكررت زيارات ميخايليديس طرابزون، التي كانت مركزا لليونانيين البونتيك، أين درس موسيقى المسلمين منهم الذين بقوا في تركيا، وموسيقى الأقليات العرقية الأخرى. وقال إن هذه التقاليد الموسيقية شهدت انتعاشا طفيفا في السنوات الأخيرة، بعد أكثر من 80 عاما على بتدميرها على يد مؤسس تركيا كجزء من مشروعه لتكوين هوية وطنية.

وقال ميخاليديس: "طلب من علماء الموسيقى الخروج إلى آسيا الأناضول لجمع الأغاني بهدف ابتكار مجموعة وطنية من الموسيقى الشعبية التركية".

وجمع هؤلاء المكلّفون بعضا من الأغاني الشعبية من البونتيك والأكراد والهيمشينيّين والأرمن واللاز والجورجيين والعرب. وأعادت الدولة صياغتها بكلمات تركية. وأصبحت العديد من الأغاني الشعبية التركية مجموعة من هذه المجموعات العرقية الأخرى، وقد تجد اللاز أو الجورجيين نفسهم يغنون كلمات مختلفة تماما للألحان التي يعرفها الأتراك.

وقال ميخاليديس: "بتغيير اللغة إلى التركية، تغير معنى الأغنية. تصبح أغنية كردية عن الحب أغنية تركية عن الوطنية.

منذ حوالي 40 سنة، عندما أصبح الشعب الكردي في تركيا يعبّر بوضوح أكبر عن رغبته في الحصول على الحكم الذاتي، بدأ إعادة احتضان تقاليده الثقافية. وشمل ذلك العودة إلى الموسيقى باللغة الكردية، على الرغم من حظرها في الأماكن العامة وخاصة بعد الانقلاب العسكري في 1980.

كان الشاعر والمطرب الكردي شيوان برور، الذي فرّ من تركيا سنة 1976 هربا من الاضطهاد بسبب أغانيه التي تسلط الضوء على قمع شعبه، من بين الفنانين الأكثر شعبية. فعلى الرغم من خطر الاعتقال، تبادل الأكراد أشرطة موسيقاه سرّا.

وقال ميخاليديس "أتذكر الأصدقاء الأكراد الذين أخبروني أنهم كانوا يتجمعون في منازلهم سرّا للاستماع إلى شيوان برور. كانت هذه هي المرة الأولى التي يستمعون فيها إلى ألحانهم بلغتهم الأم".

ولم تعد هذه السرية واجبة بعد سنة 2002، خلال السنوات الأولى من سلطة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، عندما تحركت تركيا نحو الديمقراطية الليبرالية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وأضاف ميخليديس في إشارة إلى الأقليات العرقية: "خلال السنوات الأولى من حكم أردوغان، تغيرت الأمور. وسُمح لهم بغناء الأغاني بلغتهم الأم بحرّية".

لكن هذا توقّف عندما استؤنف العنف، سنة 2015، بين الدولة وحزب العمال الكردستاني، الذي كان أعلن تمردا في جنوب شرق تركيا في الثمانينيات. وبعد فترة وجيزة من الانقلاب الفاشل، سنة 2016، اتحد حزب العدالة والتنمية مع شريكه البرلماني الحالي، حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتبنى مواقف قومية حدت من معظم أشكال التعبير عن الهويات غير التركية.

وقال ميخليديس: "يبدو أن الأمور تراجعت إلى الوراء مرة أخرى، وهم يحاولون استعادة الحقوق التي اكتسبوها في السنوات السابقة. في مواجهة التضييقات، خاصة حول حرية التعبير والموسيقى والفنون الكردية".

وتحدّثت الكاتبة في موقع أحوال تركية، نورجان بايسال، عن هذا الخنق المستمر للثقافة الكردية. وقد كانت بايسال تعرّضت للاعتقال في يناير 2018، . قبل أن يخلي سبيلها، في ديار بكر بعد احتجازها لمدة يومين. وجاء ذلك بسبب إعلانها معارضة عملية غصن الزيتون التي شنتها القوات المسلحة التركية على منطقة عفرين السورية ذات الغالبية الكردية

وساعدت الهجمات العسكرية المستمرة التي شنتها تركيا على حزب العمال الكردستاني وحلفائه، وتوغلاتها في سوريا، وإعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، على جعل القومية التركية قبل كل شيء.

وقال ميخليديس إن العديد من المواطنين الأتراك رفضوا الهوية السنية التركية التي فرضتها الدولة، مما خنق التعبير عن الهويات العرقية مثل تقاليد العلوية الأناضولية وغيرها. ونظّم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد حملة تدعو إلى الانفتاح والتنوع، معتبرا التعددية الثقافية والعرقية حلا محتملا.

لكن الحكومة التركية ربطت حزب الشعوب الديمقراطي بحزب العمال الكردستاني، الذي صنّفته بمعيّة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جماعة إرهابية، وألقت بعشرات من قادة الحزب في السجن وأقالت أكثر من 120 من عُمده. وقال ميخليديس إن الحملة القمعية التي تشنها حكومة حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة كان لها أثر مرعب على كلّ الأقليات العرقية.

وتابع: "بسبب هذه الحماسة القومية المرتفعة في البلاد، يتردد العديد من الموسيقيين في الغناء بلغاتهم الأصلية حتى لا يتّهموا بالخيانة".

وبينما يبلغ عدد السكان الأكراد حوالي 14 مليون نسمة في تركيا، فإن تعداد السكان من الأقليات العرقية الأخرى أقل من ذلك، وتميل الدولة إلى تجاهل دعواتهم حول الموسيقى التقليدية. كما نجد هناك مشكلة أخرى. فوفقا لميخايليديس، لم يتعلم العديد من الشباب من هذه الأقليات العرقية التحدث بلغتهم الأصلية ولا يهتمون بتقاليدهم الثقافية. ويرى أن احتضانهم لتراثهم يعدّ أمرا حاسما لبقاء هذه المجتمعات، ويعتقد أن الدولة التركية ستستفيد من منحهم حريات أكبر. وقال أن أبناء جيله وحتى الأفراد الأصغر منه يعززون روابطهم بأصولهم من خلال الموسيقى والرقص والقراءة. وإذا سمحت السلطة للمواطنين باكتشاف ماضيهم التاريخي وذاكرتهم وهوياتهم، فستتغير الأمور إيجابيا في تركيا والمنطقة ككل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-nationalism/renewed-turkish-nationalism-silences-ethnic-minorities
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.