Ergun Babahan
يونيو 08 2019

في تركيا... لا مجال لإصلاح قضاء يفتقد إلى الاستقلالية

أعلن الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان، في اجتماع مهيب، عن "حزمة الإصلاحات القضائية". ومن جانبه، تجاهل رئيس اتحاد النقابات متين فيض أوغلو كل ما يتعرض له المواطنون من ظلم القضاء، "بخلاف قضايا أرغنكون"، بما فيها وقائع التعذيب، وراح يصفق لأردوغان، ويغدق المدح والثناء على الحزم الجديدة. ولكن هل الصورة على هذا النحو بالفعل؟

بادئ ذي بدء، دعونا نقل إننا نواجه زعيمًا تعرض للتوبيخ من جديد في التقرير الشامل، الذي صدر مؤخراً عن الاتحاد الاوروبي؛ بسبب التناقض الشديد بين أقواله وأفعاله. نحن أمام زعيم تستر على وقائع فساد واضحة للعيان في الفترة بين 17-25 ديسمبر، وبدلاً من أن يحاكم الفاسدين، قام بنقل القضاة والمدعين العامين من أماكنهم، ووصل الأمر لاعتقال بعض منهم، ثم أخذ يملأ الدنيا ضجيجاً بعد ذلك بخطبه عن محاولة الانقلاب للتغطية على تلك الوقائع.

نحن أمام سياسي لم يتورع عن احتساب أوراق التصويت الباطلة، التي لا يوجد عليها أختام، في سبيل إقرار التعديلات الدستورية التي يريدها، وعندما انكشفت الحيل والمخالفات التي وقعت بأمر منه أثناء الانتخابات، التي نصَّبته رئيساً على تركيا، لم يجد غضاضة في القول "ضاعت الفرصة، وانقضى الأمر". ثم يأتي بعد ذلك كله، ويصعد إلى المنصة؛ ليتحدث عن حزمة إصلاحات قضائية، وكأنه ليس هو ذات الشخص الذي أصدر تعليماته بإعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول بعد سقوطه المدوي هناك.

والأهم من هذا كله، أننا نواجه حاكم لم يتردد في استخدام النظام القضائي بأكمله لمصالحه الخاصة؛ من أجل ترهيب أعدائه من جبهة المعارضة ومعاقبتهم. من ثمَّ لا يستقيم في الذهن أن نجمع بين شخصية كتلك، مع كل ما ارتكبته من مخالفات، وبين حديثها عن إصلاح القضاء؛ لأنه لا مجال لإصلاح قضاء يفتقد إلى الاستقلالية في الأساس. لقد أصبح النظام القضائي في تركيا مهترئاً فاسداً، ولا مجال لإصلاحه إلا بالقيام بعملية تغيير جذرية شاملة.  

رأينا مؤخراً كيف رفضت المحكمة الدستورية الطلب الذي تقدم به عثمان كافالا، بما يؤكد أن الأحكام الخاصة ببعض الأسماء أصبحت بيد القصر الرئاسي وحده. وأقصد هنا الأحكام الخاصة بعدد من الأشخاص تتراوح أعدادهم بين 40-50 شخصاً يتابع القصر الرئاسي كل ما يتعلق بهم عن كثب، ولا يسمح للقضاء بإصدار قرار بشأنهم دون مراجعته. من بين هذه الأسماء عثمان كافالا ونازلي إليجاك وأحمد ألتان. 

أسهب أردوغان في حديثه عن "الإصلاح"، وتناسى أنه أول من اعتدى على استقلالية القضاء، بقوله:  
"تقوم استراتيجية إصلاح القضاء على منظورين أساسيين؛ أحدهما هو الحقوق والحريات، ويهدف هذا المنظور إلى تعزيز الديمقراطية، وترسيخ الحقوق والحريات. سعينا منذ عام 2002 لتشكيل أولويات تركيا تحت هذا البند. إننا نعتبر حرية التعبير أهم شرط للديمقراطية.

اتخذنا خطوات مهمة، خلال السنوات الست الماضية، لتحسين حرية التعبير والإعلام في تركيا، كما أجرينا تغييرات جذرية في النظام القضائي، لا سيما فيما يتعلق ببعض مواد الدستور. نعمل من خلال هذه الاستراتيجية، على تطوير أساليب جديدة لترسيخ حرية التعبير، والمضي قدمًا إلى الأمام.

تبنَّت تركيا نهجاً يقوم على عدم التسامح، بأي حالٍ من الأحوال، مع وقائع التعذيب، وسوء المعاملة. لم يعد هناك مجال الآن للحديث عن مزاعم التعذيب المُمنهج وسوء المعاملة، التي طالما أثير حولها الجدل في الماضي. لقد بات الحديث عن تلك المزاعم شيئاً من الماضي. نحن ملتزمون بحماية مكتسباتنا في هذا المجال، ونتخذ خطوات جديدة من أجل تقنين اللجوء إلى إجراءات الاعتقال.  

أصبحت حرية التعبير على الإنترنت واحدة من أهم الموضوعات التي يجري حولها النقاش اليوم أيضاً. وقد قمنا، من ناحيتنا، بتطوير مناهج جديدة في هذا الصدد. نتبنى أساليب جديدةً مهمة حيال الكثير من القضايا مثل حماية الحقوق والحريات وضمان حق المواطن في المحاكمة العادلة".

يعجز اللسان عن الكلام بعد قراءة هذه الكلمات...

يدَّعي أردوغان أنه يدافع عن حرية الصحافة، وهو الذي فاضت السجون في عهده بأعداد الصحفيين المعتقلين، وأغلق أعداداً لا أحصي لها عدداً من الصحف والقنوات التليفزيونية، ووجَّه ببيع صحيفتي "صباح" و"حرييت" لأشخاص لا علاقة لهم بمجال الصحافة والإعلام.  

يتحدث أردوغان عن عدم التسامح "مطلقًا" مع وقائع التعذيب وسوء المعاملة، وقد وقف العالم بأسره يشاهد ما تعرض له الأكراد من تعذيب ومعاملة مشينة وسط الشوارع في مدينة "خَلفتي" بمحافظة أورفة، وتحرجهم، بعد ذلك، من الحديث عما جرى لهم داخل أماكن احتجازهم.

يتحدث أردوغان عن الانترنت وحرية التعبير، وهو الذي أصدر تعليماته بحجب أعداد كبيرة من المواقع؛ بداية من موقع ويكيبيديا الشهير وصولاً لموقع "أحوال تركية" لأسباب تعسفية.

 ومع ذلك تبقى الحقيقة التي مفادها أن تركيا قد انفصلت عن العالم المتحضر في كافة المجالات؛ من الاقتصاد إلى النظام القضائي، ومن التعليم إلى حرية التعبير، وتراجعت إلى مستوى دول مثل كازاخستان وأوزباكستان.  

وقع بصري، وأنا أكتب هذه السطور، على خبر عن فساد القضاء في تركيا كانت تبثه وكالة أنباء "سبوتنيك نيوز" الروسية. كان الخبر يقول إن أحد القضاة تقدَّم بشكوى ضد كاتب العدل الذي يعمل معه، وذكر في شكواه أن الكاتب وجه إهانة إليه. وبالفعل حُدِّد موعد المُحاكمة بعد قبول لائحة الاتهام التي أعدها مكتب المدعي العام، وفي الجلسة الأولى للمحاكمة كان القاضي هو نفسه الشاكي..!

هذا هو حال القضاء في تركيا. لا داعي لقول شيء آخر. وحتى إن قام ڊ 300 إصلاح قضائي، وإن كنتُ أستبعد هذا، فلن يمنع هذا أن يستمر الفساد في بلد ينتهك فيه القضاء بداية من رجل السلطة الأول فيها.  

والواقع أن الانتظار حتى تستقيم الأحوال تحت قيادة أردوغان، الذي قطع كافة الروابط بدول العالم المتحضر، لا يعدو كونه مجرد حلم ساذج؛ فكل المؤشرات تشير إلى أن تركيا تتجه، مع كل يوم يمر تحت قيادة أردوغان، نحو مستنقع الفوضى والفساد. من أجل هذا، فالشرط الأول لعمل أي إصلاح في القضاء هو التخلص من أردوغان. 

هذا المقال يعكس آراء الكاتب، وليس بالضرورة أن يكون متوافقًا مع سياسة التحرير في موقع "أحوال تركية". 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yargi/bagimsiz-olmayan-bir-yargiyi-reform-paketi-kurtaramaz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.