فيلم سليم الأول رسائل مختلطة وتسييس للتاريخ والسينما

أثار إعلان تركيا إنتاج فيلم يتناول حياة السلطان العثماني سليم الأول (1470 - 1520) أسئلة عن الرسائل المختلطة التي تسعى إلى إيصالها، ناهيك عن التسييس السينمائيّ لأحداث ووقائع تاريخية، ومحاولة إسقاطها على الراهن بغية إبراز المكانة التي توحي أنّها تستحقّها بناء على أمجاد سابقة.

ومعلوم أن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الإسلامية تعمل على تضخيم أحداث وتفاصيل تاريخية تدعم توجّهها لبلورة هوية تركية معاصرة بالخلط بين النسخة الإسلامية والهوية العثمانية التي تريد أن تكون أدواتها لتعزيز نفوذها في الداخل والخارج.

وفي هذا السياق يأتي المسعى التركي لإنتاج فيلم يتناول "فترة فتح العثمانيين مصر وضمّ الحجاز وأنه يهدف للتعريف بالسلطان ياووز سليم في كل العالم"، بحسب تعبير وكالة الأناضول التركية الرسمية التي تروّج لسياسات حكومة أردوغان.

ومن المثير للمفارقة أنّ هذا السلطان الذي احتلّ القاهرة سنة 1517م، وخلع الخليفة العباسي المتوكل على الله الذي كان المماليك يبررون باسمه الحكم وأخذ لقب أمير المؤمنين وهو تركي وصار يلقب بالخليفة وخادم الحرمين، يحضر في الذاكرة العربية والإسلامية كمحتلّ سطا على الخلافة ووظّفها لغاياته السياسية وأفرغها من مضمونها.

يعمل الفيلم الذي تعمل عليه شركة إنتاج مقربة من الحكومة التركية على إحياء فكرة العثمانية بمفهومها الأردوغاني المعاصر، والذي يتوجّه بشكل صدامي ومباشر لمصر والسعودية، ويمنح نفسه حقّ التدخّل في شؤونها الداخلية راهناً انطلاقاً من وقائع مستجلبة من التاريخ تخدم أغراضه السياسية المكشوفة.

يبعث الفيلم المفترض برسائل مختلطة إلى عدد من الدول في المنطقة، وبخاصة مصر والمملكة العربية السعودية، يرسل الفيلم رسالة لمصر فحواها أنّ السلطان سليم الأوّل الذي احتلّ مصر قبل قرون يحضر بحلّة جديدة عبر أحفاده الذين لن يتوانوا عن استعادة دوره ومكانته، وأنّ الاحتفاء بما يصفونها إنجازاته هي احتفاء بالزمن الحاضر وما يعتبرونها إنجازات أردوغان في الحكم من حيث الجموح للتوسّع على حساب الآخرين.

كما تراه يرسل رسالة إلى السعودية يؤكّد من خلالها أنّ السلطان سليم الأول الذي سطا واستحوذ على الخلافة، وكان أوّل سلطان عثماني يحمل لقبي أمير المؤمنين وخادم الحرمين يحتفظ بمكانة تاريخية اعتبارية عريقة، ويمكن أن تشكّل تلك المكانة حجر أساس متوهّم للبناء عليه واستعادة ما كان يجسّده أو يحمله من ألقاب، ومن خلفها الهيمنة والسطوة والاستحواذ.

تتجاهل المزاعم التركية عدّة قرون من الزمن، حيث تغيّرت الأمكنة والبشر، وسادت دول وبادت أخرى، وتشكّلت خرائط جديدة، ولم يعد النظر إلى الزمن الراهن بمنظار الأمس صالحاً للمضيّ نحو المستقبل لأنّه يكون محمّلاً بالأعباء ومثقلاً بالأوهام التي تثقل كواهل حامليها من النابشين في بطون التاريخ بحثاً عن أمجاد غابرة، بحيث تكون الاستعادة السينمائية التفافاً على الواقع وإنذاراً للآخرين بأنّنا هنا ولن نتخلّى عن أمجادنا وأحلامنا التوسعية.

يلجأ الرئيس أردوغان إلى أسلوب بعث الحساسيات بطريقة مواربة، من خلال التشجيع على تجنيس أحفاد العثمانيين السابقين الموجودين في عدد من الدول بالجنسية التركية، وتوثيق صلاتهم بتركيا، وتعزيز فكرة الهوية التركية لديهم، واعتبارهم جاليات تركية في بلادهم الأصلية، ما ينذر بتفكيك تلك المجتمعات، والتمهيد للتدخّل في شؤونها والاختباء وراء مزاعم الحق التاريخيّ وغيره من المزاعم التي يمكن أن يبرّر من خلالها عبثه بالسلم الأهليّ في دول عربية وإسلامية كانت ترزح تحت الحكم العثماني سابقاً.

ويحاول التوجّه التركيّ إضفاء المشروعية على سياسات أردوغان، وتغيير مفاهيم راسخة في المنطقة العربية عن أنّ الحكم العثماني الذي دام أكثر من أربعة عقود كان عصراً من الانحطاط والتخلّف، وأثّر بشكل كبير على أبناء المنطقة، وتسبّب بإنتاج تخلّف اجتماعيّ وعلمي وسياسية وثقافي وفكري في المنطقة، ناهيك عن حرصه على إدامة القهر الاجتماعي لإدامة السيطرة الإمبراطورية عبر ولاة كان ينهبون ثروات البلاد المختلفة لصالح الباب العالي.

مساعي العودة لسياسة الباب العالي
مساعي العودة لسياسة الباب العالي

ومن المخطط أن يتم عرض الفيلم على شاشات السينما بحلول عام 2023، وذلك بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، والتي يخطّط الرئيس رجب طيب أردوغان لجعلها مناسبة لاستعادة الأمجاد الإمبراطورية وتقديم نفسه الوريث الشرعيّ لها، والإيحاء أنّه يعيد بناء الإمبراطورية التركية في بعد مئة عام من انهيارها.

وبحسب الأناضول، تستمر أعمال اختيار الممثلين لتحديد فريق العمل الذي سيجسد حياة السلطان العثماني سليم الأول (ياووز سليم) الملقب بـ"إسكندر عصره" وأول حاكم تركي يُلقب بخادم الحرمين الشريفين.

ونقلت الأناضول عن منتج الفيلم خالد أراباجي قوله إن هناك محاولات كثيرة تمت لإنتاج أفلام تتناول حياة السلطان سليم الأول إلا أن أياً منها لم يكتمل. وأضاف أراباجي أن هناك أعمالاً سينمائية وتلفزيونية كثيرة تتناول حياة السلطان محمد الفاتح والسلطان سليمان القانوني في حين لا توجد أعمال كثيرة عن حياة السلطان سليم الأول رغم أنه من السلاطين الذين غيروا مجرى التاريخ بالنسبة للإمبراطورية العثمانية رغم قصر فترة حكمه.

وأوضح أراباجي أن الفيلم سيتناول فترة فتح العثمانيين مصر وضم الحجاز وأنه يهدف للتعريف بالسلطان ياووز سليم في كل العالم. وأشار أنهم أسسوا مكتبة كبيرة حول السلطان سليم الأول، إضافة إلى وجود متخصصين في التاريخ ضمن طاقم العمل للتأكد من مطابقة الفيلم للتاريخ بدءا من السيناريو وحتى الأزياء المستخدمة.

وبالموازاة مع إنتاج فيلم عن حياة سليم الأول تنتج تركيا أيضاً فيلماً وثائقياً عمّا تصفه بـ"الأمانات المقدسة" التي أحضرها السلطان سليم الأول من القاهرة وعدة مدن إسلامية إلى إسطنبول عقب ما تصفه الأدبيات التركية بـ"فتح مصر عام 1517"، في حين تصفه الأدبيات العربية الإسلامية بالاحتلال العثماني الذي مهّد لعقود من التخلّف والانحطاط في المنطقة.

وتعرّف تركيا السلطان سليم الأول أو ياووز سليم بأنّه تاسع سلاطين الدولة العثمانية، والخليفة الـ74 للمسلمين وأوّل من حمل لقبي "أمير المؤمنين" و"خادم الحرمين الشريفين" من آل عثمان.

ولد في سنجق أماسيا يوم 10 أكتوبر 1470، وتلقى تعليمه على يد أبرز علماء الدولة في ذلك العصر. وعينه والده السلطان بايزيد الثاني أميرًا على سنجق طرابزون وظل هناك ما بين 1487 إلى 1510. وتولى حكم الدولة العثمانية في 24 أبريل 1512، و توفي في 22 سبتمبر 1520.

ومن الأدلة على التسييس التركي للسينما، واستلهام وقائع وأحداث تاريخية وتطويعها لصالح السياسة الحكومية الراهنة، إنتاج فيلم يتناول قصة حياة المعلم علي الذي أرسلته الدولة العثمانية، في بدايات القرن العشرين، إلى فرنسا لتعلم الهندسة إلا أنه انسلخ عن هويته.

والفيلم الذي يفترض أن يحكي واقعة حقيقية، حول شخص أرسلته الدولة العثمانية لدراسة الهندسة في فرنسا، ثم عاد إلى بلاده بعد أن انسلخ عن هويته، وكان عضوا بجمعية "تركيا الفتاة"، ثم تم نفيه بعد ذلك، وفق توصيف الأناضول، يندرج في سياق الإدانة اللاحقة انطلاقاً من إدانات تاريخية سابقة، وتأويلات عن مفاهيم الهوية والانسلاخ والانتماء وفق الصيغ الأردوغانية الجديدة.

ولم يخفِ منتج الفيلم الغايات السياسية المبيتة من العمل، حين قال إنّ العمل ليس مجرد فيلم سينمائي فحسب بل عمل له رسالة مهمة، وهو أول تجربة تخوضها شركة الإنتاج التي يرأسها." ولفت أن عرض الفيلم قد تأخر بسبب إغلاق دور العرض خلال فترة انتشار جائحة كورونا، إذ كان مقرراً عرضه السنة الماضية، مشيراً أنهم يخططون لعرضه في 24 نوفمبر المقبل. وأضاف أراباجي أنهم بدؤوا العمل على فيلم عن "نشيد الاستقلال" التركي الذي تم إعلان 2021 عام مؤلفه الشاعر محمد عاكف أرصوي.