غناء الروايات إرث كردي ترعاه اليونسكو

حين تشب على وقع غناء الروايات، مثلما هو حال كل الأكراد الذين ولدوا ونشؤوا في أرض أجدادهم، فستصبح هذه الموسيقى المميزة جزءا مما تبقى من حياتك.

والأمر أكبر من ذلك بالنسبة لنجوم الغناء الكردي.

تحدث نجما الأغنية الكردية شيفان بيرفير وميم آرارات إلى موقع أحوال تركية عن تأثير التقاليد الكردية العتيقة في غناء الروايات - أو دينغ بي مثلما تعرف باللغة الكردية - على ما يقدمانه من فن.

وحتى حين حادت بهما الحياة بعيدا عن موطنهما، تبقى هذه التقاليد وحدها في أعماقهما لا تتغير.

لا غرابة إذا في وقوف النجمين وراء حملة أطلقت في الفترة الأخيرة لضم تقليد غناء الروايات إلى قائمة التراث العالمي التي تعدها اليونسكو.

وقال بيرفير موضحا "في طفولتي، كنت حين يبدأ مغني دينغ بي بالغناء أشعر وكأني أشاهد فيلما بدأ للتو. كان بوسعي تخيل المشاهد وكأنها تقع أمام عيني، الجبال والنهر والقتال أو الحب."

وانطلقت حملة اليونسكو من خلال مغنية الأوبرا بيرفين شاكار، وهي نجمة أخرى من أبناء كردستان باتت اليوم ذائعة الصيت في مختلف أنحاء أوروبا.

وقالت شاكار "غناء الروايات واحدة من أقدم الثقافات في ميسوبوتاميا. وبدون غناء الروايات، لم تكن الثقافة الكردية لتستمر."

حتى الآن، أطلقت النجمة الكردية حملة توقيعات، لكن لا يزال في جعبتها الكثير.

وقالت "أريد التعاون مع المؤسسات الموسيقية والثقافية ليتسنى لنا تحقيق هذا."

نشأ بيرفير، الذي يعد أشهر فنان كردي في العالم الآن، في قرية بمحافظة سانليورفا في جنوب شرق تركيا في أواخر الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

كانت اللغة الكردية هي اللغة الرسمية في منزله، مثلما قال لنا متحدثا عبر الهاتف من ألمانيا التي يوجد بها حاليا لتسجيل أغنيات جديدة.

كان أبوه عازفا على الآلات الوترية ومغنيا للروايات، لذا كان صوت الغناء والقصص جزءا من حياته.

وقال بيرفير وهو يشرح كيف كانت جلسات الغناء تستمر لأربع أو خمس ساعات "عاش الأكراد دوما وهو يتعرضون للخيانة، عاشوا تحت الاحتلال بمشاعر سيئة وبلا قدرة على الخلاص. تحاول أن تبكي لكن لا يخرج منك سوى الغناء."

شرح كيف يمثل هذا الفن الذي تعود جذوره لعصور ما قبل الإسلام التقالية الشفهية القوية في الثقافة الكردية. وفسر أيضا كيف كانت شكلا من أشكال البكاء.

بالنسبة لآرارات، الذي أمضى سنوات حياته الأولى في مدينة بإقليم ماردين في جنوب شرق تركيا وبات اليوم مغنيا مشهورا، فإن غناء الروايات هو "واحد من أهم العوامل الراسخة في الذاكرة الكردية، بل ربما كانت أهمها جميعا."

وكتب آرارات في رسالة عبر البريد الإلكتروني "غناء الروايات أشبه بذاكرة عملاقة. على سبيل المثال، سمعت عن (ميم أو زين) وهو عمل مشهور للشاعر أحمدي خاني، لأول مرة من خلال أغاني الروايات. كما أن القصة الخاصة بالشيخ سعيد فسمعتها لأول مرة من مغني الروايات."

وتوصف (ميم أو زين) دوما بأنها قصة روميو وجولييت للثقافة الكردية، وكتبها أحمدي خاني في القرن السابع عشر. أما الشيخ سعيد فكان زعيما لانتفاضة كردية عام 1925، أي بعد عامين من تأسيس الجمهورية التركية.

وفشلت هذه الانتفاضة وأُعدم الشيخ سعيد في ديار بكر.

لم يكن بيرفير دوما من المغرمين بهذا الشكل من أشكال الفنون.

وصل به الأمر إلى كراهية غناء الروايات حين كبر في العمر، مثلما اعترف هو نفسه. يقول إن التحركات السياسية كانت السبب في ابتعاد عن هذا الشكل الفني.

وقال المغني الكردي "بالنسبة لأبي، كان غناء الروايات هواية، لكني رأيت أن المغنيين المحترفين يعملون تحت قيادة. وإن قمت بالغناء باللغة التركية أو حتى باللغة العربية، فإن الحكومة تهبك المال.

"أصبح لدي أصدقاء من الوطنيين؛ تحدثوا عن كردستان وعن مقاومة الثقافة المفروضة. بالنسبة لي، أصبح غناء الروايات شيئا من الماضي."

في شبابه، انجذب بيرفير إلى موجة إحياء الوعي الكردي التي برزت في سبعينات القرن العشرين، وقرر أنه يرغب في الغناء عن الحرية وعن العقيدة الوطنية الكردية، وعن الماضي.

أدرك بعد ذلك أنه كان مخطئا في النفور من غناء الروايات بالنظر لمواقفه الاجتماعية والسياسية.

وقال موضحا "في الواقع غناء الروايات جزء من ثراء الثقافة الكردية التي نحتاج لإبرازها والحفاظ عليها."

لاحظ بعدها أنه لم يكن قادرا على الابتعاد عن غناء الروايات في موسيقاه.

وقال "لم أرغب قط في أن أصبح مغنيا للروايات، لكن هذا ما حدث، وبالطبع أثرت بشكل كبير على موسيقاي. لقد سرت على خطى الأجداد من مغني الروايات في شبابي وبدأت أنقل تراثهم إلى زمننا المعاصر."

وصف آرارات، المولود عام 1981، كيف عادت أسرته إلى القرية في إقليم ماردين بجنوب شرق تركيا، بعدما هجرتها إلى غرب البلاد حين كان عمره لا يتجاوز سبعة أو ثمانية أعوام.

وقال آرارات "كنا على ما أذكر في نوفمبر من عام 1991، وكنا نستقل شاحنة. كان هناك بعض من العمال الموسميين يسافرون معنا ونزلوا في قريتهم. كان الوقت متأخرا في المساء، وكنا نقف بجوار منزل مبني من الطين ووضع السائق شريطا موسيقيا."

وأضاف كيف جذبته تلك الأغنية.

وتابع "بوسعي أن أقسم أن الموسيقى لم تكن تأتي من الشريط، بل من الأرض ومن الحجارة."

لا تزال مساعي اليونسكو في بداياتها، ولا ترغب مغنية الأوبرا الكردية شاكار في أن يكون لحملتها أي علاقة بالسياسة، لكنها تعرف أن الدولة التركية ستأتي في نهاية الأمر وتطلب الاعتراف من اليونسكو.

وفي ظل الظروف الحالية، حيث تعصف الحرب بالهوية الكردية في كل من تركيا وسوريا، فإن الفرصة صغيرة لأن تتبنى الحكومة هذه المبادرة.

لكن من يعرف، قد يحدث أمر ما.

وتقول شاكار "سنتحدث إلى المسؤولين أيضا.

https://ahvalnews.com/kurdish-culture/kurdish-singers-follow-footsteps-dengbej-singing-ancestors
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.