أغسطس 17 2019

غزل للسلطة والشعب، جاويش أوغلو يلتقي بائعات الشاي في الخرطوم

الخرطوم – فيما كان من المُلفت التقرير الذي بثّته، اليوم السبت، وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية بعنوان "قطار الثورة" يصل نهايته إيذانا بـ"فرح السودان"، بعد أن كانت أنقرة أحد أبرز الداعمين لنظام الرئيس المعزول عمر حسن البشير، تجوّل وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الجمعة، في شوارع العاصمة السودانية، حيث تبادل الحديث مع مجموعة من المواطنين مُقدّما لبائعات الشاي هدايا عبارة عن حافظات للمياه وشاي وقهوة تركية.
وعقد وزير الخارجية التركي، الجمعة، في الخرطوم، اجتماعا مغلقا مع رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان.
ويرى مراقبون أنّ الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، الذي يُعتبر أكبر الخاسرين في التطوّرات السودانية، يبحث عن دور مفقود من خلال إيفاد وزير خارجيته للخرطوم لحضور مراسم اتفاق تقاسم السلطة، والتي تُعتبر نهاية فعلية لحليفه السابق عمر حسن البشير، الرئيس المخلوع الذي تولّى السلطة في 1989 إثر انقلاب دعمه الإسلاميون، وجعل من بلاده في السنوات الأخيرة مرتكزاً رئيساً لتركيا وقطر لتعزيز وجود الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في القارة الإفريقية.
وقال مراسل أنباء الأناضول، إن الاجتماع مع البرهان جرى عقده في القصر الرئاسي، في إطار زيارة يجريها الوزير التركي؛ لحضور مراسم توقيع "وثيقة الإعلان الدستوري" النهائي، السبت.
وعقب الاجتماع، وفي تغريدة له عبر حسابه على "تويتر"، هنّأ جاويش أوغلو جميع الأطراف في السودان على تأسيس إدارة مدنية مؤقتة.
وأشاد الوزير التركي بـ"روح الحس بالمسؤولية الذي أظهرته الأطراف السودانية خلال عملية المفاوضات".
وأكد جاويش أوغلو مواصلة أنقرة تقديم الدعم للسودان حكومة وشعبا، من أجل تعزيز الاستقرار والأمن في البلد الشقيق. 
ولوحظ في الأيام الأخيرة تواتر التصريحات التركية المغازلة للسلطة الجديدة في السودان والداعمة للانتقال الجاري، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن يطلق المسؤولون الأتراك تصريحا في هذا الاتجاه.
كما والتقى جاويش أوغلو في إطار الزيارة، مع رجال أعمال أتراك وممثلي منظمات مدنية تركية، على مأدبة عشاء أقيمت في مقر سفارة أنقرة لدى الخرطوم. 
وحول سعي أنقرة لإثبات وجودها في السودان الجديد، رأت صحيفة العرب اللندنية في مقال لها اليوم، أنّ انهيار نظام الرئيس عمر حسن البشير شكل خسارة فادحة لتركيا حيث كان يؤمن لها موطئ قدم ثابتا في العمق العربي، واليوم تحاول أنقرة التخفيف من حجم هذه الخسارة عبر السعي إلى بناء علاقة مع السلطة الجديدة في السودان، والتي لا تبدي أي حماسة لذلك.
وتقول أوساط سياسية إن أنقرة التي فقد نفوذها بريقه في السودان بانهيار نظام البشير تسعى إلى إحداث اختراق مراهنة على اللعب على ثنائية المدنيين والعسكر المضطرة للتعايش في السلطة خلال الفترة الانتقالية بالنظر للاختلافات الجوهرية بين الجانبين.
وترى تركيا، وفقاً للعرب، أن الأفضل هو فتح قنوات تواصل مع السلطة الجديدة في السودان ومحاولة كسب ثقتها، وهو أمر على ما يبدو لن يكون سهلا لجهة الخلفية الفكرية لنظام الرئيس رجب طيب أردوغان، وأيضا المخاوف من أن فتح الأبواب مجددا أمام أنقرة قد تستفيد منه المنظومة القديمة التي لا تزال تسيطر على العديد من مفاصل الدولة.
ويؤكد الكاتب في "أحوال تركية" أرغون باباهان، أنّ أردوغان فقد صديقاً آخر بعد الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، مُشيراً إلى أنّ البشير الذي ظل يحكم منذ 30 سنة أدار بلاده بالفساد والخروج على القانون، وحكم عليها بالمجاعة والفقر.
ويحتفل السودان السبت ببدء تنفيذ الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه بين المجلس العسكري الحاكم وقادة الحركة الاحتجاجية بهدف الانتقال إلى الحكم المدني الذي يأمل السودانيون أن يجلب لبلدهم مزيداً من الحرية والازدهار الاقتصادي.
وخلال حفل سيقام في قاعة تطلّ على نهر النيل، سيوقّع قادة المجلس العسكري الانتقالي وزعماء الحركة الاحتجاجية على وثائق الاتفاق الذي يحدّد فترة حكم انتقالية مدّتها 39 شهراً.
وعلى الرّغم من أنّ الطريق إلى الديموقراطية لا تزال حافلة بالكثير من العقبات، فإنّ الأجواء الاحتفالية تخيّم على البلاد التي تستقبل السبت عددا من المسؤولين الأجانب بالإضافة إلى الآلاف من المواطنين من جميع أنحاء السودان الذين تقاطروا على الخرطوم للمناسبة.
وقد أنهى الاتّفاق الذي تم التوصل إليه في 4 أغسطس نحو ثمانية أشهر من الاضطرابات التي بدأت بتظاهرات حاشدة ضدّ الرئيس عمر البشير. وأطاح الجيش بالبشير تحت ضغط الشارع في أبريل، بعد 30 سنة من حكم السودان بقبضة من حديد.
وقام كل من الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا بوساطة قادت إلى الاتفاق الذي رأى فيه المتظاهرون انتصاراً لـ"ثورتهم"، بينما رأى فيه الجنرالات تكريساً لفضلهم في تجنيب البلاد حرباً أهلية.
ومع التوقيع الرسمي على الاتفاق السبت، سيبدأ السودان عملية تشمل خطوات أولى فورية مهمة، إذ سيتم الأحد الإعلان عن تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي الجديد الذي سيتألف بغالبيته من المدنيين.
وأعلن قادة الحركة الاحتجاجية الخميس أنّهم اتّفقوا على تعيين المسؤول السابق في الأمم المتحدة عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي مخضرم، رئيساً للوزراء.
ومن المتوقّع أن يركّز حمدوك جهوده على إصلاح الاقتصاد السوداني الذي يعاني من أزمة منذ انفصل الجنوب الغني بالنفط في 2011 عن الشمال. وشكّل الوضع المعيشي شرارة الاحتجاجات ضد حكم البشير.
لكنّ العديد من السودانيين يشكّكون في قدرة المؤسسات الانتقالية على كبح جماح القوى العسكرية خلال فترة السنوات الثلاث التي ستسبق الانتخابات.
وسيحكم البلد الذي يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة مجلس سيادة يتألف من 11 عضواً. وينص الاتفاق على أنّ يعين العسكر وزيري الداخلية والدفاع.