حان الوقت لمقاطعة البرلمان.. وأوشك أن ينفد

بعد استطلاعات الرأي التي أجراها حزب الشعوب الديمقراطي في المنطقة في شهر أكتوبر الماضي، قال النائب البرلماني "غرغرلي أوغلو: "الشعب الكردي غاضب، متشائم، محبط ويائس جداً.. العودة إلى حضن الشعب وجهة نظر يجب الاهتمام بها ووضعها في الاعتبار. لقد تحدثنا مع الآلاف من الناس. عامتهم كانوا يريدوننا أن نغادر البرلمان. وجرى الحديث عن عدم كفاية قرار الانسحاب لمدة ثلاثة أيام. إنهم يعتقدون أن البرلمان لم يعد يمثل الشعب الكردي".

دعونا نتذكر: يتعرض الأشخاص المنتمون لحزب الشعوب الديمقراطي لضغط هائل سواء أكانوا في البرلمان أو في البلديات التي تم انتخابهم فيها أو في منظماتهم الحزبية. النظام والدولة لا يسمحان للحركة السياسية الكردية بفعل أي شيء، ويبذلان قصارى جهدهما بهدف تصفيتها تماماً على المدى المتوسط.

يحتفظون بمشاريع قرار جاهزة في البرلمان من أجل إسقاط عضوية نوابها في البرلمان. ولا يزال تسعة ممثلين عنها، من بينهم صلاح الدين دميرطاش، معتقلين في السجن من الفترة التشريعية السابقة.

في الانتخابات المحلية الأخيرة، عُزِلَ رؤساء البلديات المنتخبين بالجملة، وتم تعيين أوصياء مكانهم، وفي أعقاب ذلك سُجن معظمهم. حدث الشيء نفسه في الفترة السابقة أيضاً. بعض رؤساء البلديات المعزولون لا يزالون في السجن. إن إرادة الملايين من المواطنين الذين صوتوا لصالح حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات ليست لها أية قيمة تُذكر.

قتل مئات الأشخاص في الهجمات الإرهابية الموجهة عام 2015. تم تدمير العديد من مدن المنطقة، وقُتل الناس دون تمييز بين شيوخ ونساء وأطفال، وحدثت هجرة هائلة. وقتل الحقوقي "طاهر ألجي" أحد قادة الرأي الأكراد البارزين. الآلاف من المنتسبين للحزب في السجن أو رهن الاحتجاز. وبواسطة المراسيم الرئاسية طُرِدَ عشرات الآلاف من الأكراد من البلديات والأماكن التي كانوا يعملون فيها فقط لكونهم ينتمون لحزب الشعوب الديمقراطي. العديد من رجال حزب الشعوب الديمقراطي لاجئون في الخارج.

وهذه العملية لم تبدأ الآن، فقد بدأت في نهاية عام 2014، وتسارعت وتيرتها بعد 7 يونيو 2015، ووصلت إلى ذروتها بعد 15 يوليو 2016، وتستمر بلا هوادة. في مثل هذه البيئة، لن يتوقع أحد أن يكون أكراد حزب الشعوب الديمقراطي راضين البتة."

ومع ذلك، لم ينعكس ما قاله "غرغرلي أوغلو" على وثيقة المناقشة التي عقدت يوم الأربعاء الماضي في الحزب ولا على التقييمات التي طُرحت حول "انقلاب الأوصياء". حتى إن "سيزاي تملي" قال: "إذا جاءت دعوة قوية من الشعب، كنا سوف ننسحب." إن إدارة حزب الشعوب الديمقراطي اكتفت بالبقاء في كل منصب انتخبت له، وبطلب إجراء انتخابات مبكرة. إلى أن يتم طردها.

إلى جانب النتائج الغريبة مثل "سلطة حزب العدالة والتنمية-حزب الحركة القومية التي فقدت مشروعيتها الاجتماعية" في النص المكون من 12 مادة هناك قرارات ونتائج خطيرة مثل "سياسة فرض الوصاية النموذج الأولى للنظام المراد إنشاؤه"، و"سياسية الوصاية تعني "نظام المعينين" المعتمد على سلطة الرجل الواحد"، و"هذا المشروع الذي يهدف إلى إفراغ البرلمان في 2020، والدستور في 2021 من محتواهما تماماً تستعد لإعلان صراحة عن نجاح النظام في 2023."

لم تبق مؤسسة سياسية أخرى تفضح الممارسات الاستبدادية التي في تركيا. الأرضية التي يتحد عليها من في الحكم ومن في المعارضة هي معاداة الأكراد. لذلك السبب يمثل حزب الشعوب الديمقراطي قيمة مهمة.

وتلك هي الاقتراحات: "بناء الديمقراطية وحماية مكتسباتنا وتحقيق مكاسب جديدة يمكن أن يتحقق فقط من خلال نضال قوى الديمقراطية معاً، ليس إلا. وقد كشفت الانتخابات المحلية الأخيرة أننا نستطيع أن نوقف نظام الوصاية ونظام حكم الرجل الواحد، ونمنعهما بالتحرك معاً وسوياً". إننا ننادي بــ "انتخابات مبكرة" من أجل تحرير الشعوب في تركيا من هيمنة حزب العدالة والتنمية-وحزب الحركة القومية.. ندعو المعارضة بأكملها إلى الالتفاف والاتحاد، والتحرك حول هذا المطلب بإجراء انتخابات مبكرة."

إن القرارات التي اتخذت في 20 نوفمبر هي للأسف تعبير عن المعضلات التي انجر إليها حزب الشعوب الديمقراطي. ذلك لأن الضغط الهائل على الحزب والجميع الذين وُصفوا بأنهم "أكراد سيئون" من ناحية، ومن ناحية أخرى "تحالف الديمقراطية" الذي لمع خلال الانتخابات المحلية، وبفضل الناخبين من حزب الشعوب الديمقراطي خلال الانتخابات المحلية، والشرعية التي حققها النظام على مستوى قمته، والتي سيحافظ عليها، تجعل رغبات حزب الشعوب الديمقراطي ودعواته بلا تأثير.

تم إنشاء ما يسمى "بالتحالف من أجل الديمقراطية" من قبل حزب الشعوب الديمقراطي إلى حد كبير، واستخدمته المكونات الأخرى كإجراء للفوز في الانتخابات، وعقب الانتخابات ألقت به في سلة المهملات نفس تلك المكونات. فهل يمكن بناء سياسة بقول "آمين" على دعوة لا تصح؟

أما الدعوة إلى انتخابات مبكرة فقد أُلقيت في سلة القمامة بعد ساعات قليلة، وذلك بتصريح سخيف من قبل حزب الشعب الجمهوري، والحزب الصالح وحزب الحركة القومية. علاوة على ذلك، إذا عاد حزب الشعوب الديمقراطي إلى حضن الشعب فلن يكون هناك قرار انتخابات مبكرة من الأغلبية في البرلمان.

ترى ما المعنى الذي يمكن أن يكون قد تبقى من الحفاظ على ما وصفه دميرطاش بأنه "لعبة الديمقراطية الوهمية" في البرلمان المعطل تماماً وفي البلديات التي تخضع لضغوط هائلة؟ من الواضح أن إدارة الحزب كانت تحاول التخلص من هذا المأزق بوسائل أخرى، وتستطيع السماح لناخبيها والجمهور الذي اختنق بأن يتنفس الصعداء قليلًا.

 هل هناك ضرورة لأن يظل نواب حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان من أجل النضال الذي يخوضونه؟ ليست هناك حاجة إلى التواجد في البرلمان من أجل مشاريع القوانين التي تذهب مباشرة إلى سلة المهملات، والاستجوابات التي لا تتم الإجابة عنها، والردود غير المسموع لها، ولا إجراءات التصويت التي لا وزن لها على الإطلاق، ولا الاعتراضات التي لا تُضمّن في الأساس؛ فالمحليون والقوميون لا يصافحون بعضهم بعضاً.

إن بعض وسائل الإعلام وحسابات حزب الشعوب الديمقراطي على تويتر وفيسبوك تكفي للوصول إلى الرأي العام الذي يمثل الإرادة الحقيقية.

أما بالنسبة لفرضية أن "الانسحاب من البرلمان يخدم النظام"، فإنها وإن كانت تشكل مادة لمقال مستقل في حد ذاته، فالأصل أن البقاء في البرلمان في الوقت الحالي يصب في مصلحة النظام بالتأكيد. ذلك أن السلطة التي استولى عليها النظام بألف حيلة وحيلة تكتسب الشرعية ما رضي حزب الشعوب الديمقراطي وأحزاب المعارضة الأخرى في البرلمان الدُمية عن الاستمرار في "لعبة الديمقراطية الوهمية" هذه. في البرلمان، حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان، مثل قناة "ت ر ت الكردية" هل هي موجودة! موجودة اسماً.

ومن العجائب الأخرى لفرضية "أن الانسحاب من البرلمان يخدم النظام" أنه لم تجر في السابق محاولة للانسحاب من البرلمان. إن مقاطعة البرلمان وإن لم تأخذ درع المشروعية من النظام الذي لا يزال يسعى للحصول على الشرعية من الانتخابات فإنها تخرقه على الأقل. أنا لا أتحدث عن انتخابات مبكرة. إنها، وللمرة الأولى، تنزل ضربة حقيقية بالنظام الرئاسي الغريب، الذي يُزعم أنه يعمل بشكل جيد للغاية من خلال ربطه السلطتين التشريعية والقضائية بالسلطة التنفيذية.

في النص المكونة من 12 مادة يُذكر مفهوم "العصيان المدني". ومع ذلك، ليس من الواضح ما الذي يملأ محتواه. إذا كان يُقصد به الاعتصامات أمام البلديات التي تم تعيين أوصياء على رأسها، فإن المصير واضح.

لا بد من ملء محتوى المفهوم بطريقة أخرى. هناك أنواع شتى من أساليب العصيان المدني بدءاً من المقاطعة الضريبية، ومقاطعة التسوق وصولًا إلى مقاطعة البرلمان المهترئ.

إن المقاطعات لا تحدث داخل الأنظمة، بل تجري خارج تلك الأنظمة أو ضدها، وبقدر ما يتم إخصاء تلك الأنظمة، وعلى رأسها نظام الديمقراطية التمثيلية. إنها سياسات جذرية ومتكاملة.

بالمناسبة، ولد مفهوم المقاطعة من لقب الضابط البريطاني الذي كان هدفا لمعارضة مدنية فعلية وتاريخية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، زاد اللورد إيرن، وهو أحد النبلاء الإنجليز الذين قاموا بالاستيلاء على أرض إيرلندا، من الإيجار عندما انخفض الإنتاج في الأراضي التي كان أجرها للحصاد والمزارعين. فقوبلت هذه الخطوة باعتراض كبير وطُرد بعض المزارعين. لكن المزارعين الذين اتحدوا فيما بينهم قرروا عدم استئجار الأرض الشاغرة ونفذوا ذلك. كان مفاوضهم هو "تشارلز بويكوت" رجل اللورد، والعسكري سابقًا! نجح تمرد المزارعين، ولم يتم استئجار الأراضي الشاغرة، ولا جمع المحاصيل، وترك الجميع العمل، وحاق الخزِي بـ: "بويكوت" أيضاً. وكلفه الأمر كثيراً بسبب خطوة اللورد. وفي عام 1880وصفت صحيفة التايمز عملية العزل المنظمة لأول مرة هذه بأنها "مقاطعة".

انظروا! بسبب تدخل الدولة والسلطة الحاكمة في نظام اختيار البطريرك الذي يعمل بالرغم من كل شيء منذ الدولة العثمانية وحتى اليوم، يدعو جزء من الطائفة الأرمنية في تركيا إلى مقاطعة الانتخابات. دعونا نرى إذا كنتم تستطيعون.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/meclis/meclis-boykotunun-vakti-geldi-geciyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.