هاتاي التركية.. بوتقة تمزج بين أطباق الحضارات المختلفة

تتبوأ محافظة هاتاي في جنوب تركيا مكانة بارزة، لا بفضل روائعها المعمارية وتاريخها الطويل كبوتقة انصهرت فيها الثقافات فحسب، بل لما تتميز به أيضا من مأكولاتها الشهية التي تمزج بين أطباق رائعة تنتمي إلى عدد من الحضارات القديمة.

كانت هاتاي تابعة لسوريا في السابق، ثم انضمت إلى تركيا في العام 1938، لتجلب معها مجموعة غنية من أطيب مأكولات العرب والأكراد والآشوريين والمسيحيين والعلويين في المنطقة.

وقد أدركت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ما تتميز به المحافظة من تنوع وثراء مأكولاتها في العام 2017 - إذ تحتوي قائمة أطباقها على ما يقرب من 600 طبق من الأطعمة الشهية والحلويات - حين أدرجت هاتاي على "شبكة المدن المبدعة"، وهي مبادرة تهدف إلى تعزيز التعاون مع وبين المدن التي حددت الإبداع بوصفه عاملا استراتيجيا للتنمية الحضرية المستدامة.

زار موقع "أحوال تركية" عدّة قرى في المحافظة، التي تتميز بديمغرافيتها المتعددة الأعراق والأديان، للتحدث مع السكان المحليين حول القصص التي تكمن وراء أطباقها الشهيرة الفريدة من نوعها.

وتتجلى آثار حلب وبيروت في شوارع هاتاي في رائحة القهوة وتوابل الشرق والتبغ ممزوجة برائحة أشجار البرتقال التي تفوح في الهواء.

وتوضح جميلة ريحان، وهي من سكان قرية سامانكايا، كيف تضفي الأعشاب الخاصة بالمنطقة لمسة سحرية على الأطباق.

فتقول: "الفاوانيا (عود الصليب) تستخدم قبل أن تزهر، حيث نقليها بزيت الزيتون أو ندخلها في الجاجيك (إحدى المقبلات التي تعتمد على الزبادي). نجفف الريحان الأرغواني ونستخدمه في جميع الأطباق تقريبا. نجفف أيضا الزعتر ونضيفه إلى طعامنا. نقوم بتحضير أطباق من السلطات بالزعتر الطازج. باختصار، نستخدم الطازج والمجفف من كل عشب من الأعشاب المزروعة في حدائقنا".

وأضافت: "نؤمن بفوائد كل أنواع الأعشاب".

وتابعت: "ثمة تقليد سائد بين العلويين، حيث يحتفلون بقدوم الربيع في شهر مارس. نطلق على هذا التقليد اسم بينبورا. على مدى أسبوع نقوم بإعداد أطعمة خاصة مثل طبق دهروج الذي يُصنع من السبانخ والسيليكا ويشتمل على العدس والبازلاء والشعير والحمص. يتم إعداد هذا الطبق لجلب البركات طوال العام، وهو طبق مميز جدا عندنا".

وأضافت أن هاتاي صنعت لنفسها اسما بفضل وجباتها القائمة على اللحوم، لكن الخضراوات والأعشاب في الواقع تلعبان دورا مهما في المطبخ. وبالطبع هناك أصناف من الحلوى أيضا.

تقول ريحان إن حلوى تايبيكتير من الحلويات التي أصبحت في طي النسيان، إذ يجري تحضيرها بنقع حامض الستريك (ملح الليمون) والسمسم والسكر في الماء. وبعد ذلك يُسكب هذا الخليط في وعاء ثم يُخفق حتى يأخذ قوام العلكة. وتقول ريحان إنه لم يعد أحد تقريبا يعرف هذه الحلوى البسيطة التي تصنع في المنزل.

أطباق تركية.

وأبلغ سكان محليون "أحوال تركية" أن المحافظة اضطرت إلى التضحية بمذاق طعامها بسبب الانكماش المستمر لمراعي الحيوانات.

وتقول ريحان: "في الماضي، كانت أطباق الكباب واللحوم ألذ مذاقا. فقد كانت الحيوانات تتغذى على الريحان، والأطباق المصنوعة من لحوم الحيوانات التي تأكل الريحان يكون مذاقها أطيب بكثير".

تتميز أطباق هاتاي بالعديد من الأكلات التركية التقليدية التي جرى تعديلها، مثل سلطة البرغل الشهية المعروفة باسم كيسير. هذا الطبق يُعرف في هاتاي باسم نيموش ويُصنع من صوص الرمان وأعشاب محلية. وهناك نوع مماثل من هذه السلطة في العالم العربي يعرف باسم التبولة ويحتوي على المزيد من البقدونس. كما تحظى حلوى الكنافة وطبق الحمص – أو الحمص بطحينة – بشعبية كبيرة في محافظة هاتاي، وكلاهما طبقان مستمدان من العالم العربي.

تملك هاتاي أيضا أطباقا تخص تقاليد دينية معينة، ولكن أصبحت محبوبة للجميع.

توجه موقع "أحوال تركية" إلى أكنيهير، حيث يوجد دير سانت سيمون (دير القديس سمعان). وبدأت صباحات ديلي تسرد لنا معلوماتها بعدما قدمت لنا القهوة.

تقول ديلي إن طبق كومبي يُصنع للاحتفال بأعياد المسلمين السنة، لكن الجميع في هاتاي يقومون بتحضيره بمن فيهم العلويون والأرمن. هذا الطبق الذي يُصنع من 40 نوعا مختلفا من التوابل يجمع سكان المنطقة يومي وقفة عيد الفطر وعيد الأضحى.

تشتهر هاتاي أيضا بمشروباتها الكحولية. فيقوم المسيحيون بإعداد مشروباتهم الكحولية الخاصة بهم في المنزل، بينما يصنع العلويون مشروب تيني، وهو عبارة عن مشروب كحولي يجري إعداده من اليانسون.

ويمكن إعداد مشروب تيني، الذي برز في الأغاني الفلكلورية في المنطقة، من فواكه مثل التين والعنب والموز.

وأوضح أحمد ديلي، وهو أحد السكان المحليين، قائلا: "مشروب تيني أشبه بالثقافة في هذه الأراضي. الجميع يصنعونه في المنزل، ويقدمونه لضيوفهم. كما أنه جلب ثقافة المزة (طبق جانبي) والوجبات الخفيفة".

وأضاف: "المحشي المجفف (الخضراوات المشحوة) المصنوع من الحمص من الأطباق الفريدة التي تختص بها منطقتنا. وكذلك كفتة الفلاح المصنوعة من أرز البرغل. لدينا أيضا طبق أوجِه الذي يُصنع من الدقيق والبقدونس والبصل الأخضر والتوابل".

يقول سهيل بوداك الذي ألف كتابا عن المأكولات الإقليمية إن السر وراء أطعمة هاتاي الشهية هو تاريخها الثري ذو الجذور العميقة.

وأضاف: "لقد استضاف مطبخ هاتاي 15 من بين 23 حضارة قديمة تأسست في العالم.. الجميع هنا بمختلف أعراقهم ودياناتهم يصنعون كل المأكولات. الاختلاف الوحيد في طريقة التحضير وتنوع المكونات".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/hatay/turkeys-southern-province-hatay-culinary-melting-pot-civilisations