Ergun Babahan
يونيو 23 2019

عهد أردوغان في طريقه إلى الزوال

تُظهر النتائج، التي نشرتها مؤسسات بحثية موثوقة، أن قرار إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول كان خطأ تاريخياً وقع فيه أردوغان. وجاء الفارق، وفق نتائج العمل الميداني الذي قامت بها شركة "كوندا للأبحاث"،حوالي 9%.

وسمعتُ أن دراسة استقصائية أخرى قامت بها إحدى مؤسسات الأبحاث ذات السمعة الطيبة كانت لها نتيجة مماثلة، ولكني لم أطَّلع على نتائج هذه الدراسة.  

إن إسطنبول هي صورة مصغرة لتركيا بكاملها، وهي المدينة التي ولد فيها حزب العدالة والتنمية حتى ارتقى إلى ما وصل إليه في الوقت الحالي.  كان تراجع حزب العدالة والتنمية إلى نسبة 30% في إسطنبول (إذا استبعدنا نصيب حزب الحركة القومية في نسبة اﻟ 45% من الأصوات، وكذلك استغلاله المقيت لسلطاته، وتوجيه آلة الإعلام لصالحه) إيذاناً بوصول عهد أردوغان إلى نهايته.

ومن المؤكد أن خسارة إسطنبول ستترك أثراً كبيراً على القاعدة المحافظة في تركيا. ومن المحتمل أن تشهد الأيام المُقبلة المزيد من التطورات مثل تقدم الرئيس الأسبق لتركيا عبد الله غول وأحمد داود أوغلو بقوة إلى مجال العمل السياسي، مع احتمال حدوث انشقاقات كبيرة داخل المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية.

وحتى إن لم يحقق إمام أوغلو هذا الفارق فلن يمنع هذا ذلك الفريق من التحرك بقوة.

وقد يُحدِث وجود حزب محافظ ديمقراطي يدير وجهه صوب الغرب تأثيراً كبيراً في تحول تركيا إلى النظام الديمقراطي، وإعادة طرح المسألة الكردية بقوة على طاولة المفاوضات مرة أخرى. ولا شك في أن تمسك تركيا بالنظام الديمقراطي في تخطي عصر الكراهية الذي نعيشه الآن سيحظى بأهمية كبيرة؛ لأن مجرد التفكير في عكس ذلك يعني إعلان رسمي لنهاية الدولة وسقوطها.

وستكون انتخابات إسطنبول من هذه الناحية نقطة تحول كبيرة، ومن ناحية أخرى ستُزيد القرارات الأميركية المحتملة لتوقيع عقوبات على تركيا من عزلة أردوغان وفريقه داخل القصر الرئاسي؛ إذ يبدو أن الذين يحجبون عن أردوغان حقيقة موقف ترامب، والمستفيدين الرئيسيين من صفقة صواريخ إس-400 الروسية لا يدركون العواقب المحتملة لفعلهم هذا.

من ناحيته، ذكر موقع بلومبيرغ أن البيروقراطية الأميركية قد أعدت بالفعل الخيارات المؤثرة في موضوع العقوبات المُنتظر توقيعها على تركيا، وأن تلك الخيارات أصبحت جاهزة بالفعل أمام الرئيس الأميركي ترامب. وما سيزيد من وطأة العقوبات المحتملة أن أميركا ستضع تركيا على قائمة الدول المخاطبة بقانون "مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات"، وهو نفس القانون الذي يُطبق على الدول والمؤسسات التي تتعاون مع روسيا.

أطلق ترامب رسمياً حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2020. وفي السياق نفسه، ترجح استطلاعات الرأي كفة المرشحين الديمقراطيين في فلوريدا، التي توصف بأنها من الولايات المتأرجحة. 

وعلى الرغم من أن الاقتصاد الأميركي قد سجل تحسناً نسبياً، إلا أن مسألة حسم الانتخابات لصالح ترامب عام 2020  ربما لن تكون سهلة على الإطلاق، في وقت يحاول فيه ترامب أن يتخلص من التحقيقات الجارية في مجلس الشيوخ، بخصوص علاقته بروسيا، بمساندة غالبية أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ. 

ومع ذلك، يتفق غالبية الجمهوريين مع نظرائهم من الديمقراطيين في ضرورة توقيع عقوبات صارمة على تركيا؛ بسبب عزمها شراء منظومة إس-400 الصاروخية الروسية. وهذا يعني أن الحزبين، اللذين لم يتفقا من قبل إزاء موضوع واحد، قد اتفقا اليوم على ضرورة اتخاذ موقف حازم تجاه أردوغان، مما يعني أن ترامب نفسه لن يستطيع تجاهل موقف الكونغرس الحازم تجاه هذه المسألة.

وبمجرد وصول إس-400 ستضع أميركا قانون "مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات" موضع التطبيق على تركيا مباشرةً، وسيلي ذلك توقف أميركا بشكل رسمي عن إمداد تركيا بالأسلحة مثل طائرات إف-16 الحربية، التي تستخدمها القوات المسلحة التركية، وتحتاج إلى قطع غيارٍ لها بشكل منتظم. وهذا يعني أن تركيا لن تستطيع إطلاق هذه الطائرات خلال فترة لن تتعدى ليلة رأس السنة الميلادية الجديدة.

كما ستؤثر العقوبات الأميركية بشكل كبير على الاقتصاد التركي، وسيتم استبعاد تركيا تماماً من النظام المالي العالمي. وحسب تقرير نشره موقع وكالة موديز للتصنيف الائتماني، فإن تركيا لن تسطيع حتى طرق باب صندوق النقد الدولي؛ لأن ذلك سيكون مرهوناً في النهاية بموافقة واشنطن.

ومن ناحية أخرى، تدهورت علاقة تركيا مع الاتحاد الأوروبي بسبب قبرص والتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، واحتمال تحرك دول الاتحاد للرد على التحدي التركي بتعليق مفاوضات تجديد اتفاقية الاتحاد الجمركي، وقد يمتد الأمر إلى فرض عقوبات مالية عليها. 

وأما عن آمال تركيا في الحصول على عون روسيا والصين، فلا تعدو كونها مجرد أحلام لا مكان لتحقيقها على أرض الواقع؛ فالاقتصاد الروسي اليوم بحاجة إلى من يمد له يد العون، في حين أن تصنيف تركيا في وكالات التصنيف الصينية لا يختلف كثيراً عن تصنيف وكالة موديز.

باختصار، إن تركيا مُقدمة على مرحلة ستدفع فيها ثمناً باهظاً بغض النظر عن النتيجة التي ستسفر عنها الانتخابات؛ حيث إنها ستدخل في شتاء طويل يصل فيه الفقر والاضطراب منتهاه؛ فأردوغان يحاول اليوم تحويل وجهته من الشرق إلى الغرب في فترة فقد فيها الدعم الشعبي. سنرى كيف سيكون من المستحيل إدارة البلاد في مثل هذه الصورة. 

إن أردوغان، مثل أي زعيم نرجسي آخر، لن يقدم تنازلات إلا عندما يكون في موقف صعب للغاية، وقد شهدنا هذا من قبل في علاقته مع بوتين وروسيا. قد يرغمه رد الفعل الصارم من جانب أميركا والغرب على تغيير استراتيجيته السياسية مرة أخرى، ولكن هذا الموقف لن يعطي أردوغان النتيجة المرجوة.

من ناحية أخرى، لم تعد العديد من دول العالم الآن تثق في أردوغان، وأصبحت تنظر إليه باعتباره قائداً متعجرفاً وضع بلاده في مأزق من أجل مصالحه الشخصية، كما لم يعد الإعلام الموالي له، أو استخدامه الوحشي لسلطاته، يقدران على حجب هذه الحقيقة عن أعين الشعب.

ويشير الوضع الراهن إلى قرب زوال عهد أردوغان، وحينها لن يكون أمامه سوى خيارين؛ إما أن يختار نهاية حكومة الاتحاد والترقي في العهد العثماني، أو أن يرضى بالهزيمة في معركة ديمقراطية سلمية.  وفي النهاية سيحدد اختيار أردوغان مصير الدولة بكاملها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/secimler/baskan-babanizin-sonbahari
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.