هذا الوحش الذي ينمو بجانبنا

تعتبر رئاسة الشؤون الدينية المعروفة بإسم ديانت من أقوى المؤسسات العامة في البلاد. ففي 2002، عندما وصل حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة، أشرف على تعيين 72 ألف موظف فيها. اليوم، أصبح هذا العدد 130 ألف. وبالمثل، بلغ التمويل الذي تلقته من ميزانية الدولة 450 مليون يورو في 2002 ووصل إلى 1.5 مليار يورو في 2019، أي أكثر مما تحصل عليه وزارة الداخلية. ومن المتوقع أن تنفق 10 مليارات يورو ما بين سنتي 2020-23 (حسبما نشرت أحوال تركية سابقا في 29/12/2019).

كما تدير ديانت مدارس الأحد القرآنية في البلاد. كان عدد هذه المدارس 3699 في عام 2002. ويوجد اليوم 18675 مدرسة وتبلغ تكلفة تشغيلها 1.45 مليون يورو في السنة (وفق ما نشر موقع ابكيول في 01/06/2020). يظهر اتجاه مماثل في التعليم العام.

كما توجد في تركيا مدارس دينية للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاما، وهي مدارس دينية تركز على تعليم القرآن وكانت للشباب الذين يريدون أن يصبحوا أئمة. في 2012، مُنحت نفس صفة المدارس العامة الأخرى.

في عام 2002 ، كان لدى تركيا 450 مدرسة إمام خطيب تجمع 63 ألف طالب. وارتفع هذا العدد بحلول سنة 2019 إلى 5138 مدرسة بها 1.3 مليون طالب (نقلا عن موقع أحوال تركية بتاريخ 26/10/2019). على مستوى المدارس الثانوية، يمثل الطلاب البالغ عددهم 645 ألف تلميذ الملتحقين بهذه المدارس 11 في المئة فقط من إجمالي عدد طلاب المدارس في تركيا. ومع ذلك أنفقت الدولة 23 في المئة من ميزانيتها المدرسية على مدارس الإمام خطيب الثانوية (المصدر: رويترز، 25/01/2018).

تدير ديانت أيضا جميع المساجد البالغ عددها 85 ألف في تركيا (مع بناء 10 في المئة منها في عهد حكومة أردوغان، وفقا لبيانات سنة 2015) ، بالإضافة إلى ألفي مسجد في الخارج، 900 منها في ألمانيا وتديرها منظمة تسمى الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية. ويعمل بها أئمة تعينهم ديانت وتدفع لهم تركيا رواتبهم (المصدر: دويتشه فيله، 28/09/2018). كما تعتزم ديانت بناء 30 مسجدا ضخما في جميع القارات الخمس. وشيدت حتى الآن 103 مساجد عادية في 12 دولة بتكلفة 440 مليون يورو: 109 مليون يورو في موسكو، 30 مليون يورو في تيرانا، 34 مليون يورو في كولون، 23 مليون يورو في كامبريدج ، 90 مليون يورو في ماريلاند بالولايات المتحدة. (المصادر: ذا بلاك سي وأحوال تركية 05/05/2020).

كما نعلم أن ميزانية جهاز الاستخبارات الوطنية السنوية بلغت 103 مليون يورو في 2002 وارتفعت إلى 407 مليون يورو في 2019 (المصدر: نورديك مونيتور ، 01/10/2019). وتبقى نظرة واحدة على صور مجمع جهاز الاستخبارات الوطنية الجديد الذي افتُتِح في يناير على قطعة أرض مساحتها ألفي هكتار في أنقرة دليلا كافيا على أهميته المتزايدة.

أخيرا وليس آخرا، احتلت تركيا المرتبة 15 في العالم في الإنفاق الدفاعي وشهدت أكبر زيادة فيه من بين 14 دولة أخرى في 2019، بنسبة 24 في المئة.

يرسم كل هذا صورة حقيقية لتركيا اليوم. وتشير تقارير إلى الدعم السخي الذي قدمته تركيا لتنظيم الدولة الإسلامية في 2012-2015، مع التكريم الممنوح لممثلي حماس وغيرها من الإخوان المسلمين المتطرفين في مؤتمرات حزب العدالة والتنمية، واستغلال انتفاضات الربيع العربي من أجل إنشاء حكومات تتكون من الإخوان المسلمين على الأراضي العثمانية السابقة وتثبيتهم في الإدارة الليبية.

في اليونان وأوروبا، نميل إلى التعامل مع تركيا بطريقة تتغاضى عن أهمية الإسلام السياسي فيها. كان هناك وقت اعتبر فيه البعض حزب العدالة والتنمية بمثابة المعادل الإسلامي للأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا. لكن، ينتمي معظم مسؤولي حزب العدالة والتنمية، بمن فيهم الرئيس التركي، إلى الفرع التركي للنظام الإسلامي النقشبندي الخالدي، الذي تشمل مواقفه الرئيسية الاعتقاد بأن تركيا والعالم الإسلامي كانا موضع استغلال ممنهج من قبل الغرب والصهيونية العالمية وأن على بلادهم أن تصبح قوة لا يستهان بها وأن تبرز كزعيمة طبيعية للعالم الإسلامي. هذا هو الحلم، وهذا ما سعوا وراءه طوال 18 عاما قضوها في السلطة.

وأصبحت الآراء التي بدت متطرفة ذات يوم سائدة في المجتمع التركي، وتشهد البلاد إحياء للإمبراطورية العثمانية عبر التطرف الإسلامي. وكان هذا واضحا في تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. فقد زعم أكبر منافس لأردوغان، عمدة إسطنبول الكمالي، أن آيا صوفيا "في وعيه الداخلي، كانت مسجدا منذ 1453".

عالقة في دوامة الطموح الإمبريالي، تتحول البلاد بسرعة إلى نسخة سنية من إيران. ومثلما تمارس إيران نفوذها خارج حدودها، في العراق وسوريا واليمن، تريد تركيا أن يمتد مجال نفوذها عبر شرق البحر المتوسط. وتستهزئ بالقانون الدولي صراحة وتقول إنها تريد إعادة ترسيم الحدود القائمة. لسوء الحظ ، هناك دولة واحدة فقط تقف في طريقها لتحقيق هذه الغاية: اليونان. وإما أن ندق ناقوس الخطر بين الأوروبيين الآخرين بشأن هذا الوحش الذي ينمو بجانبنا حتى نتمكن من التعامل معه معا، أو سنواجهه وحدنا.

ترجم هذا المقال إلى العربية بإذن من صحيفة كاثيميريني اليونانية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/beast-grows-beside-us?language_content_entity=en
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.