هذا أسلوب أردوغان المُفلس بعد الإطاحة بمحافظ البنك المركزي

لو أن هناك درساً تعلمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من هزيمة حزبه في انتخابات إسطنبول المحلية التي أُجريت الشهر الماضي، فإن هذا الدرس هو أن يشدد قبضته على الاقتصاد.

وتظهر استطلاعات الرأي التي أجراها حزب العدالة والتنمية الحاكم، أن بعض مؤيدي الحزب أداروا ظهورهم للحركة بسبب المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها تركيا.

ومن ثم، فإن أردوغان يبدو قد خلص إلى أن الإجراءات التي اتُّخذت منذ انهيار العملة المحلية في أغسطس الماضي، قد تسببت في خسارة فادحة في حجم التأييد الشعبي، وعلى وجه الخصوص اتجاه البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة بشكل عاجل إلى 24 في المئة. وقد جاء قرار البنك المركزي بهدف وقف نزيف الهبوط وكبح التضخم، الذي بلغ مستويات مرتفعة للغاية.

وفي عالمه، يرى أردوغان أنه كلّما رُفعت أسعار الفائدة، كلّما ارتفعت مستويات التضخم.

وبعد أن خسر حزب أردوغان انتخابات إسطنبول المُعادة، قال الرئيس التركي إنه سيظل يركز على الاقتصاد حتى الانتخابات القادمة في عام 2023، الذي تحل فيه الذكرى المئة لتأسيس الجمهورية التركية. وكان الحزب قد خسر العاصمة أنقرة أيضاً في الانتخابات التي أُجريت في 31 مارس الماضي، والتي جرى التصويت خلالها في أنحاء البلاد.

واعتقد الكثير من المراقبين في تركيا أن تلك التعهدات سيكون معناها العودة إلى الالتزام بالسياسات الاقتصادية المُحافظة، بعد سلسلة من الخطوات غير المألوفة التي اتُّخذت خلال الأشهر القليلة الأخيرة. لكن يبدو أن أردوغان اختار مساراً مختلفاً.

فقد تحدّث الرئيس التركي عن نواياه بشأن الاقتصاد، عندما قرر إصدار مرسوم رئاسي منتصف ليل الجمعة بإقالة محافظ البنك المركزي، مراد جتين كايا، وسرت أنباء عن أن السبب في هذا القرار هو رفض محافظ البنك المركزي خفض أسعار الفائدة.

كان النهج ذاته واضحاً الأسبوع الماضي خلال ظهورعلني لصهره وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، بدا فيه يوجه كلمة للمصرفيين بعد غياب عن المشهد لأشهر.

تبنى البيرق الخطاب القديم ذاته حول متانة الاقتصاد التركي، وكيف أن المُضاربين قد فشلوا في هجومهم على الليرة.

إذن، يبدو الآن أن الرئيس التركي، الذي يهيمن على المشهد في البلاد، غير راغب في تقاسم السلطة مع أي شخص، وأنه مستعد للمغامرة بكل شيء يتعلق بالاقتصاد في سبيل الحفاظ على موقفه في أعين جمهور الناخبين.

ويبدو أن أردوغان متجهاً إلى تحقيق النمو الاقتصادي بأي ثمن. وإلى الآن، لا يبدو أنه قد استوعب حقيقة أن فترة النمو المرتفع في البلاد كانت ممولة من المال الرخيص القادم من الخارج في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2008، وأن تلك الأموال قد نضبت الآن.

ومن ثم فإن أردوغان سيمضي قدماً في سياساته الاقتصادية، حتى إذا كانت النتيجة الحتمية لتلك السياسات في نهاية المطاف هي خنق الاقتصاد.

ونقلت صحيفة (حرييت) يوم الأحد عن أردوغان قوله للمسؤولين في حزبه إن جتين كايا أُقيل من منصبه لأنه "أُبلغ عدة مرات بأن يخفض أسعار الفائدة لكنه رفض".

في الوقت ذاته، يواصل أردوغان والبيرق تحميل "هجمات خارجية" مسؤولية النتائج الكارثية للسياسات المتعلقة بالاقتصاد الكلي، والهبوط السريع في قيمة الليرة. ويقول الاثنان إن تلك الهجمات المزعومة تهدف إلى الحيلولة دون صعود تركيا على الساحة الدولية. وتبدو تلك المزاعم غريبة، خاصة بالنظر إلى أن المستثمرين الأجانب ذاتهم هم من موّلوا النمو الاقتصادي القوي الذي حققته تركيا خلال العقد الأخير. ويتبنى المستشارون المقربون من أردوغان مثل تلك النظريات أيضاً.

وبافتراض أن أردوغان سيواصل نهجه الاقتصادي، فمن الممكن استشفاف أنه لن يستجيب لدعوات المستثمرين للإطاحة بالبيرق من منصبه. وسيكون من شأن الإبقاء على البيرق أيضاً السماح لأردوغان وحزب العدالة والتنمية بالاستمرار في استغلال موارد الخزانة من دون رادع، على الرغم من العجز الضخم والمُفزع في الموازنة، والذي سيتضاعف بحلول نهاية العام الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى أربعة في المئة.

فضلاً عن ذلك، فإن الإطاحة بجتين كايا بلا رحمة ستجعل البنك المركزي تابعاً خاضعاً لسلطة الحكومة، حيث سيكون في خدمة أوامر الرئيس عبر دورة سريعة من خفض أسعار الفائدة. وقد تم القضاء تماماً على استقلال البنك المركزي، الذي حصل عليه في أعقاب انهيار الاقتصاد التركي عام 2001 وتلاشى تدريجياً بعد ذلك.

بيد أن الأمر الذي يصعب فهمه هو أن التضخم في تركيا تباطأ بواقع ثلاث نقاط أساس إلى 15.7 في المئة خلال يونيو. وكانت معدلات التضخم قد بلغت 20 في المئة في بداية العام. ومهّد انخفاض الأسعار الطريق بالفعل أمام البنك المركزي ليتمكن من خفض أسعار الفائدة. ولمّح البنك المركزي إلى أنه سيسعى لإحداث توازن بين التصدي لمشكلة التضخم وتحقيق أهداف النمو التي ترجوها الحكومة، وأنه ربما يُخفّض السياسة النقدية إلى 18-20 في المئة بحلول نهاية العام.

وقد انتهت دراما الانتخابات، في الوقت الذي يُعتبر فيه وضع الليرة جيداً – وذلك إلى حد كبير بفضل موسم السياحة القوي وانكماش العجز في ميزان المعاملات الجارية – بينما من المتوقع أن تظل مؤشرات المعنويات مستقرة خلال فصل الصيف. وبالتالي فإن من الممكن توقع عودة إقبال المواطنين الأتراك على الليرة من خلال بيع بعض الودائع الضخمة التي في حوزتهم الآن بالعملات الأجنبية، والتي يصل حجمها إلى 176.4 مليار دولار. وبعيداً عن التوترات السياسية مع الولايات المتحدة بشأن خطط شراء الصواريخ إس-400 الروسية الصُنع، فإن اقتصاد تركيا وأسواقها باتا الآن في وضع اهدأ.

لكن إقالة جتين كايا الآن، قبل عام من انتهاء ولايته، ذكّرت الجميع بمدى عدم القدرة على التكهن باتجاهات إدارة الاقتصاد التركي، وإلى أي مدى هذه الإدارة غير خاصعة لقواعد.

ويقوّض أردوغان المؤسسات الاقتصادية التركية، ويسيطر بشكل كامل تقريباً على الاقتصاد، نظراً لأن حزب العدالة والتنمية الحاكم صار يائساً من إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

وبلغ حجم القروض المتعثرة في القطاع المصرفي الآن نحو 11 في المئة من إجمالي حجم القروض، بينما ميزان المدفوعات الجارية في وضع شبه مستقر بسبب انكماش اقتصادي من المنتظر أن يبلغ ثلاثة في المئة في المتوسط هذا العام. ويبلغ معدل التضخم نحو 16 في المئة، بينما اتسع العجز في الموازنة بشكل كبير.

ويُدرك أردوغان وحزب العدالة والتنمية كما هو واضح أن الاقتصاد سيظل عالقاً في نطاق نمو يتراوح بين اثنين وثلاثة في المئة خلال السنوات القادمة.

ولا حاجة للتذكير بأن المشاكل الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها تركيا ستصبح أكثر حدة قريباً، وليس بعيداً، بالنظر إلى سوء إدارة أردوغان وتصلبه في الرأي لدرجة تجعله يُقصي الجميع. قد يحاول الرئيس ترويض الوحش، لكن ذلك الوحش قد يفترسه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/erdogans-way-or-bust-after-turkish-central-bank-chief-fired
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.