هدوء ما قبل العاصفة في شرق المتوسط -2

التفسير الرسمي لليونان بشأن عمليات التنقيب البحرية جنوب قبرص والجانب الذي ظهر منه في وسائل الإعلام يحتوي على نوع من البساطة: يتم تناول المشكلة على أنها مشكلة المنطقة الاقتصادية الحصرية، والدفاع عن أن تركيا انتهكت المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص في هذا المجال.

لكن هناك من يُذكِّرون بما يجب على اليونان أن تفعله حيال ذلك. على سبيل المثال كتب رئيس الوزراء السابق "سيميتس" في مقال له نُشر في كاثيميريني بتاريخ 9 يونيو ما يأتي:

"وفقًا لقانون البحار الدولي يتم تحديد المناطق الاقتصادية الحصرية بين الأطراف بالاتفاق المتبادل في الحالات التي تكون فيها السواحل قريبة بعضها من بعض. بمعنى آخر، يتعين علينا اللجوء إلى اتفاق أو محكمة قبل تحديد منطقتنا الاقتصادية الحصرية. ذلك أن رسمنا حدودنا بمنطقة اقتصادية حصرية لن تقبل بها تركيا سيؤدي إلى أن تقوم تركيا أيضًا بتكوين منطقة خاصة بها لن تقبل بها اليونان كذلك. وسوف ترى الأمم المتحدة أيضًا ضرورة أن تتولى محكمة دولية حل النزاع. وليس من الواضح في الوقت الراهن نوع القرار الذي ستتخذه المحكمة. فمن المحتمل أن يكون لها مقاربة تصالحية، لن ترضي كلا الطرفين أيضًا."

كذلك كريستوس روزاكيس أحد أكثر الخبراء اليونانيين احترامًا وتقديرًا في مجال القانون الدولي قدم طرحًا مماثلًا لذلك (كاثيميريني-9 يونيو):

"لم يتم تحديد المنطقة الاقتصادية الحصرية ما بين اليونان وتركيا في شرق البحر المتوسط. اليونان تستند إلى نظرية تقول بأن جزيرة ميس هي منطقتها الاقتصادية الحصرية؛ فتعتبر مساحة كبيرة تمتد حتى المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص منطقتها الخاصة، أما تركيا فتستند إلى شريطها الساحلي الواسع النطاق وتعتبر قسمًا كبيرًا من هذه المنطقة مجالًا خاصًا بها. إلا أن هذه المزاعم ناقصة لأنها أحادية الجانب، ولا تشكل حقًّا قانونيًا.

لذا فإن توقع حل هذا الخلاف عبر المفاوضات احتمال غير واقعي؛ لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار الاختلافات الشديدة في وجهات النظر والتوتر القائم بين البلدين. إن السبيل إلى حل المشاكل ككل، بما في ذلك بحر إيجة، هو اللجوء إلى المحكمة الدولية."

أي إن الطريق إلى حل المشكلات القائمة بين تركيا واليونان حول المنطقة الاقتصادية الحصرية هو المحكمة أو التحكيم من الناحية النظرية. مسألة قبرص أكثر تعقيدًا وصعوبة؛ إذ حددت قبرص منطقتها الاقتصادية الحصرية من خلال اتفاقيات أبرمتها مع جيرانها في الشرق والجنوب. وقد أصبحت هذه الحدود رسمية ومعترفًا بها دوليًا.

إلا أن تركيا لا تعترف بهذا؛ فوفقًا لبيان مجلس الأمن القومي التركي الرسمي (3 مايو 2019) "ستواصل جمهورية تركيا أنشطتها في شرق البحر المتوسط وفقًا للقانون الدولي، ولن تسمح بما أصبح أمرًا واقعًا."

كما أن رجب طيب أردوغان يرى مشكلة المنطقة الاقتصادية الحصرية لتركيا تتعلق بحقوق القبارصة الأتراك فيقول: "نواصل وسنواصل جهودنا الاستكشافية بنفس التصميم والعزيمة. لكن إذا تقدم الجانب القبرصي اليوناني نحو مصالحة صادق وواقعية انفتح طريق الحل الذي ينتظره جميع من في الجزيرة." (23 يوليو 2019).

ليس من الواضح ما الذي تقصده تركيا بالقانون الدولي. في الغالب إنها مادة "الضمان" المتعلقة بقبرص المعنية، لأن تركيا لم توقع على اتفاقية البحار الدولية، كما أنها لا تعترف بقبرص التي يعترف بها المجتمع الدولي. وتعترف بدلًا منها بجمهورية شمال قبرص التركية وتظل بمفردها في هذا الأمر ضد جميع الدول تقريبًا.

ونتيجة لهذه العزلة، تتلقى تركيا، وبصورة واضحة، تحذيرات من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي بشأن قبرص ومنطقتها الاقتصادية الحصرية.

فمثلًا ماكرون الرئيس الفرنسي الذي تحدث عقب قمة الاتحاد الأوروبي في مالطة والتي جمعت قادة دول جنوب أوروبا قال "يجب على تركيا أن توقف أنشطتها غير القانونية التي تواصلها في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص"، مُعلنًا أن الاتحاد الأوروبي لن يظهر أي ضعف في هذا الصدد. وتحدث الاتحاد الأوروبي عن عقوبات ضد تركيا في هذا المجال.

وفي بيان أدلت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس (10 يوليو 2019) قالت: "إن الولايات المتحدة الأميركية تشعر بقلق عميق إزاء إعلان تركيا عن نيتها القيام بعمليات حفر وتنقيب في منطقة تصفها جمهورية قبرص بأنها منطقتها الاقتصادية الحصرية. هذه الخطوة استفزازية للغاية وتحمل مخاطر تتمثل في زيادة التوتر في المنطقة. إننا ندعو السلطات التركية إلى وقف هذه الأنشطة، وندعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس."

تذكرنا عمليات التنقيب بواسطة السفن الحربية بدبلوماسية السفن الحربية (دبلوماسية الزوارق الحربية) القديمة الطراز. إلا أنَّ أولئك الذين طبقوا هذه الطريقة كانوا يخاطرون بالحرب، وكانت قراراتهم تلك واقعية لأنه كان من المؤكد أنهم لن يدفعوا أي ثمن. كانوا أقوياء بما يكفي لتحدي العالم.

سياسة تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط تجاوزت الحلول الواقعية والمشروعة والمعترف بها دوليا مثل تحديد المناطق الاقتصادية الحصرية من خلال الاتفاق المتبادل أو المحكمة. إن لم يتم تحقيق نتيجة خلال مدة قصيرة عبر عمليات التنقيب التي تجري مدعومة بالسفن الحربية، مثل الشروع في التفاوض، فإن هذه المسألة سوف تعزل تركيا أكثر في الساحة الدولية على المدى المتوسط والبعيد.

•    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/dogu-akdeniz/dogu-akdenizde-firtina-oncesi-2
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.