هدية أردوغان لعطالله تجسيد لوعكة تركيا الاقتصادية

شهد الأسبوع الجاري أول ظهور علني كبير لمحمد حقّان عطالله في منصبه الجديد كرئيس لبورصة إسطنبول. وكان عطالله قد سُجن في الولايات المتحدة بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران.

وكان عطالله، نائب الرئيس التنفيذي السابق لبنك خلق، الذي تديره الدولة، استُقبل استقبال الأبطال لدى عودته من الولايات المتحدة أواخر يوليو الماضي، بعد أن أمضى أكثر من عام في أحد سجون بنسيلفانيا. وأُدين عطالله في الثالث من يناير العام الماضي بتهمة المساعدة في تمرير مليارات الدولارات عبر النظام المصرفي الأميركي بهدف الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، وهو الأمر الذي أغضب الحكومة التركية كثيراً.

وظهر عطالله أمام عدسات التلفزيون التركي يوم الأربعاء، وقد بدأت علامات الشيب تبدو على لحيته، ليعلن سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز أسواق رأس المال في تركيا. تشمل تلك الإجراءات عقوداً جديدة للصرف الأجنبي في سوق المشتقات المالية، بالإضافة إلى آلية جديدة لمبادلة أسعار الفائدة، بهدف مساعدة البنوك على إدارة أموالها.

واستندت المحكمة في إدانتها لعطالله، والتي أقرتها هيئة محلفين في منهاتن، إلى أدلة جمعها مُدّعون في نيويورك، ومكتب التحقيقات الاتحادي، وشهادة رجل الأعمال التركي ذي الأصول الإيرانية رضا ضرّاب، الذي تحول إلى شاهد إثبات وقال إن عطالله ساعده – بموافقة مسؤولين كبار ووزراء في الحكومة التركية – لتزييف المعاملات التجارية في الذهب والأغذية بهدف تمرير السيولة النقدية إلى الجمهورية الإسلامية مقابل النفط المفروض حظر عليه. وهناك مزاعم بأن ظافر شاغليان، وزير الاقتصاد التركي آنذاك، تلقى ساعات قيّمة على سبيل الهدية من ضراب، مكافأة له على تعاونه.

وسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إفساد القضية من خلال حشد إدارة ترامب في عدة مناسبات. وعندما فشلت المحاولة، وصف أردوغان القضية بأنها مخطط من أعداء تركيا لتقويض حكومته.

ويبدو تعيين عطالله رئيساً تنفيذياً لبورصة إسطنبول هدية من الرئيس التركي، لبقائه على ولائه خلال الإجراءت القانونية الأميركية. وأعلن صهر أردوغان – وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق – قرار التعيين الشهر الماضي.

لكن لهذا القرار تداعيات سلبية على الاقتصاد التركي؛ فقد دفع البنكَ الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بالفعل للإعلان عن أنه يبحث عن مشترين لحصته في البورصة، والبالغة نسبتها عشرة في المئة. والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أحد أكبر المستثمرين في تركيا، وهو من شجع البنوك الأجنبية على الانضمام إليه في ضخ رؤوس الأموال في البلاد.

ويبدو المشهد قاتماً، إذ يأتي تعيين عطالله في وقت تحتاج فيه تركيا بشدة إلى تدفق السيولة عليها من الخارج، وتحاول أن تجعل اقتصادها جاذباً للمستثمرين. وتلقّى الاقتصاد التركي ضربة قاسية بفعل أزمة العملة التي حدثت في أغسطس من العام الماضي، بعد فترة الرخاء التي لقي خلالها دعماً قوياً من تدفق الأموال الساخنة والاقتراض الرخيص.

وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق يرحب بعطالله لدى عودته إلى تركيا
وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق يرحب بعطالله لدى عودته إلى تركيا

وخلال حكم أردوغان، كان المستثمرون في يوم من الأيام يعتبرون تركيا نموذجاً طيباً وناصعاً للتحول الاقتصادي في الأسواق الناشئة، لكنهم الآن يرحلون عن البلاد بالجملة، بسبب زيادة النزعة الاستبدادية في حكومة أردوغان على نحو يُشكّل ردّة عن الإصلاحات الديمقراطية. وقد عمد نظام أردوغان إلى سجن المعارضين وتجريد البنك المركزي وغيره من المؤسسات الاقتصادية من صلاحياتهم واستقلالهم.

ومنذ يوليو، كان يدير البنك المركزي التركي مسؤولٌ سابقٌ آخر من بنك خلق، وهو مراد أويسال، الذي كان يقود الذراع الاستثمارية لبنك خلق. وخفّض أويسال أسعار الفائدة في محاولة منه لمساعدة أردوغان والبيرق على تحقيق أهدافهم الطموحة للنمو الاقتصادي. وطرح أويسال أيضاً إجراءات غير تقليدية لمكافأة البنوك التي تقرض المزيد من الأموال لصالح الاقتصاد، ومعاقبة البنوك التي لا تفعل هذا.

وزاد التوغل العسكري التركي في سوريا خلال أكتوبر مخاوف المستثمرين. وأدى الغزو إلى فرض عقوبات اقتصادية من جانب الولايات المتحدة لفترة وجيزة، وأثار إدانات واسعة من سياسيين كبار في أوروبا، أكبر مستثمر في تركيا وأكبر شريك تجاري لأنقرة. ودفعت تلك العملية العسكرية شركة السيارات الألمانية فولكس فاجن إلى تعليق خطة لبناء مصنع في تركيا بقيمة 1.1 مليار دولار.

وفي أسواق العملات، توقف عدد كبير من المؤسسات المالية الأوروبية والأميركية عن تداول الليرة، وقالوا إنهم لا يستطيعون التكهن بأسعارها،  ويسعى البنك المركزي والبنوك التي تديرها الدولة إلى تعزيز قيمة العملة المحلية من خلال مبادلات عملة مبهمة، بحسب قولهم.

وفي إشارة خطر أخرى للمستثمرين، تُشير تقارير إلى أن الحكومة التركية تدرس طرح تشريع يعاقب خبراء الاقتصاد والصحفيين والمحللين الذين تصدر عنهم أي توقعات سيئة لاقتصاد البلاد بالغرامة أو بالسجن. وقال كاتب مقال بارز الأسبوع الماضي إن الحكومة تدرس معاقبة هؤلاء بالسجن لمدد تصل إلى 24 شهراً.

وبالنظر إلى استفحال نظام حكم الرجل الواحد في تركيا، فإن من الطبيعي ألا يُبدي المستثمرون أي ردود أفعال واضحة إزاء تعيين أردوغان مسؤولاً مقرباً، كان يعمل في مؤسسة تديرها الدولة، لرئاسة البورصة. لكن الأمر الذي لا شك فيه، هو أن تعيين عطالله – كونه مجرماً سُجن لإدانته بخرق العقوبات الأميركية على إيران – أمر مزجع لتركيا على مستوى العلاقات العامة؛ فنظام تداول أكبر الشركات في تركيا بات يُشرف عليه الآن شخص غير مرغوب فيه – ويبلغ حجم رأس المال السوقي للبورصة أكثر من 160 مليار دولار.

ولا يهم إذا كانت التهم التي أُدين بها عطالله حقيقية أم ملفقة، كما يدّعي أردوغان. فقرار تعيين عطالله يبدو في أفضل الأحوال نابع من مشورة سيئة للغاية. أما الأسوأ من ذلك، أن القرار ربما يكون انعكاساً لازدراء أردوغان للنظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، والمؤسسات التي يدعمها.

وتُنفق تركيا حالياً مئات الملايين من الدولارات لتحويل إسطنبول إلى مركز مالي إقليمي ينافس دبي. وفي وجود عطالله على رأس أكبر مؤسساتها، فقد يكون ذلك الهدف مستحيلاً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/erdogan-gift-sanctions-busting-banker-reflects-turkeys-economic-malaise
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.