هجوم تركيا على ليبيا انطلاقا من عسكرة السياسة الخارجية

لا يزال التعبير التاريخي "ضد القوى السبع..." متجذراً بعمق في النفس التركية وأصبح جزءًا من السرد المتكرر، كلما قارنت تركيا نفسها بالغرب (وروسيا). وبشكل مختصر، ليس للأتراك أصدقاء؛ ولكن أعداءاً فقط. وهذا هو المفهوم الذي يوجه السياسة الخارجية التركية اليوم.

هذا التعبير يحمل بعداً كارثياً يتمثل في أن المدافعين عنه في أنقرة يدفعون البلاد إلى خوض مغامرة لا يمكن مقارنتها إلا بمغامرة الحكومة العثمانية لتوريط نفسها في الحرب العالمية الأولى في عام 1914.

من المستحيل فهم حالة السياسة الخارجية التركية بدون سياق تاريخي كهذا. فالنتيجة النهائية للحرب العالمية الأولى - المصدر الفعلي لمصطلح "القوى السبع" - ما زالت تطارد الحكام القوميين المتشددين باستمرار في البلاد.

وبينما ألقي الألمان في عشرينيات القرن العشرين باللوم على معاهدة فرساي على كل المعاناة التي واجهوها، لم يعد الأمر سراً بعد الآن أن كوكبة السلطة الحالية في أنقرة - وهي مزيج من الإسلاميين والقوميين العلمانيين العدوانيين - أصبحت تشكك في بعض الجوانب الرئيسية لمعاهدة لوزان، التي شكلت تركيا الحديثة كما نعرفها اليوم.

وقال دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية المتطرف المتحالف مع الحكومة "يجب أن يعلم الجميع أن الأمة التركية، إذا تم دفعها للدخول في حالة عزلة ذاتية، وإذا كان هناك عدم اكتراث بالتطورات في محيطها، سيتسبب هذا في حدوث مخاطر لا يمكن إصلاحها لوطننا على المدى المتوسط والطويل".

وأكمل بهجلي "يجب أن يبدأ خط الدفاع النهائي للوطن بالعتبات المحددة في خريطة ’الميثاق الوطني’. إذا قدمت تركيا أي تنازلات في حقوقها ومبادئها ومثلها العليا، فهذا يعني أن تصبح قابلة للنقاش. الأساس الوحيد لوجودنا في المناطق والدول المجاورة هو تفسير أمننا القومي والقانون الدولي. دعونا نعلم أنه إذا انسحبنا في أي وقت من تلك المناطق عبر حدودنا، وإذا خضعنا للتهديدات، فستتعرض الأوطان التركية لهجمات متزامنة من قبل الخونة والمضطهدين".

لا ينبغي أبدًا اعتبار مثل هذه التصريحات بمثابة فظاظة بسبب الشعبوية، ولا كتهديدات فارغة. إن بهجلي جاد للغاية في خطابه، وهو الذي يحكم أنقرة، هو وأردوغان الذي يعتمد على دعمه، كرئيس فعلي لتركيا. إنه يعني ما يقوله ويعلم أنه يحظى بدعم الكوادر الحاكمة وكتل المجتمع الكبيرة.

إن الداخل الذي يعاني كثيراً بسبب الأزمة، يجعل تركيا جاهزةً لجميع أنواع توقعات الغضب والمغامرات الجريئة.

ما يجب على أولئك الذين يراقبون تركيا اليوم أن يأخذوه في الاعتبار، من منظور ما يتصوره الثنائي أردوغان وبهجلي، المدعومان من قبل بعض الضباط المتطرفين التوسعيين، للبلاد في عام 2023، هي الذكرى المئوية للجمهورية. 

يهدف الثنائي إلى تحقيق هدف "تركيا عظيمة مرة أخرى"، بعد وضع موطئ قدم دائم في كردستان العراق، وسوريا، وأجزاء كبيرة من شرق المتوسط، وليبيا.

ويعد الهدف الأخير، وهو الهدف الأكثر وضوحًا في الطموحات التركية، هو في الواقع الأكثر أهمية، ولكن، في نفس الوقت، أضعفها.

وفي حين أن غارات أنقرة عبر الحدود في العراق وسوريا قوبلت بردود فعل خجولة ومتذبذبة من حلفائها، فإن تدخلها الجريء في ليبيا يعد بوضع تركيا ضد "القوى السبع".

وتشمل الدول التي تشكل قلقاً بالنسبة لتركيا فرنسا وروسيا والصين (وجميعها جزء من الدول الخمس الدائمة في الأمم المتحدة) وإسرائيل ومصر واليونان - ناهيك عن جيران ليبيا؛ تونس والجزائر. 

ولكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ ما يجعل واشنطن تتخذ موقفاً متردداً يتعلق بشكل رئيسي بنوايا روسيا، ولكن يمكن القول بأن إصرار أردوغان على تثبيت موطئ قدم دائم في ليبيا - الذي يُنتقد باعتباره ركيزة حيوية لتحقيق طموح تركيا الاستعمارية - يكشف عن فجوة كبيرة بين الرئيس دونالد ترامب والمؤسسات الأميركية الرئيسية.

وهذا، بالتحديد، عامل ترامب، هو ما تعتبره أنقرة الحلقة الأضعف في تحديها لسلسلة "القوى السبع". كل خطوة قام بها تحالف أردوغان-بهجلي في شرق البحر المتوسط وليبيا، شجعها نهج ترامب غير السياسي في تلك المناطق. حقق أردوغان النجاح في كل مرة أبقى فيها ترامب بمكر في موقفه المتذبذب، وأطلق إسفيناً داخل الناتو. 

وبشكل مختصر، يمكن القول إنه عندما يكتب التاريخ عن حدوث كارثة كبيرة في المنطقة في المستقبل، سيُنظر إلى ترامب على أنه الجاني الرئيسي فيها.

ولكن، أكثر من ذلك، كان التراخي الذي أظهرته بعض شرائح الغرب الساعية للسلام في تحليل خطورة السياسة الخارجية التركية أمراً محيراً. يمكن أن تكون صدمة وباء كورونا هي المسؤولة عن هذا الفهم، ولكن كان ينبغي توقع أن مثل هذا التفشي خلال الأوقات التي يسود فيها تعدد الأقطاب في المشهد الدولي، يعني أنه يمكن تحريك ديناميكيات متطرفة لتتغذى على الاضطراب الدولي.

لقد قرأها أردوغان بشكل صحيح واستغلها لصالحه، ويستمر كنتيجة لذلك في التقدم، ويحرز انتصاراً على "القوى السبع"، بما فيها روسيا.

 

يمكن قراءة القسم الثاني من المقال هنا:

https://ahvalnews.com/ar/ma-hw-almtwq-mn-skrt-alsyast-alkharjyt-altrkyt/alkharjyt-altrkyt
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.