حكومة العدالة والتنمية: على خطى فاشية روسو وروبسبير وموسوليني

كان جان جاك روسو، الذي يعد الأب الروحي لقائد الثورة الفرنسية، والعضو البارز في "نادي اليعاقبة" ماكسيميليان روبسبير يرى أن آليات تطبيق الديمقراطية فاسدة وغير صالحة، وكان في المقابل يقدس تطلعات الشعب الفرنسي وطموحاته، ويدافع عنها.

وفي رأي روسو كذلك "إن آليات الدولة لتطبيق الديمقراطية، مثل التصويت والبرلمان.. إلخ، لا لزوم لها، ما دامت الحكومة صالحة، صادقة النوايا"، كما أن الأفراد لا يكونون أحرارًا إلا عندما يكونون جزءً في جماعة. وبالتالي لن يكون لوجودهم أي هدف أو معنى، إذا لم يعيشوا في جماعة. أما أولئك الذين يعارضون روح الجماعة داخل المجتمع، فيجب، على حد قوله، أن يتم طردهم من الدولة، وحرمانهم من رعايتها وحمايتها.  

تقوم الشمولية في القرن العشرين، وهي مذهب قائم على جمع السلطة في يد شخص واحد، وإخضاع الفرد لسلطة الدولة، على تقديس دور المجتمع والدولة. وبها استطاعت العديد من الدول، من بينها تركيا، أن تضع النموذج الأقوى في إدارة الدولة. وإليها كذلك ترجع فكرة ابتداع الأعياد والاحتفال بالرموز الوطنية، وهي عادة لا تزال موجودة إلى الآن.

جعل روبسبير صاحب مقولة "الشعب دائماً فوق الأفراد، وأكثر قيمةً منهم" الثورة، التي استوحت شعاراتها من آراء جان جاك روسو، ديناً سياسياً جديداً، ودعت المواطنين لاعتناق هذا الدين، الذي يحد من حقوق الأفراد، ويرسخ لديهم فكرة أن النصر دائماً حليف مجموعة رائدة من الأفراد فقط. 

 كان روبسبير يعتقد أنه ينبغي خلق شعب جديد يعبد الدولة الإله، بدلاً من الله الذي يعبده المسيحيون؛ لذلك كان من الطبيعي أن يبيح استخدام العنف، بوصفه وسيلة لربط الشعب بمُثُل الثورة. من هنا كان دفاعه عن فكرة ضعف الفضيلة ما لم يكن هناك عنف يحميها.

وعلى الرغم من أن هذه الفكرة قد ترسخت كذلك مع مجيء لويس الرابع عشر صاحب الكلمة الشهيرة "الدولة أنا، وأنا الدولة"، إلا أنه كان يستمد الشرعية من الشعب.

أما البلاشفة، الذين زعموا أنهم ورثوا فكر الثورة الفرنسية، فقد نأوا بأنفسهم بعيداً عن الفاشية.

ويمكن القول إن الشمولية المعاصرة قد خرجت من رحم الثورة الفرنسية، التي استوحت شعاراتها، في الأساس، من أفكار روسو.

وبالمنطق نفسه، ألهمت الفاشية، التي سادت إيطاليا في تلك الفترات، الثورات النازية الألمانية والشيوعية الروسية. (الفاشية الليبرالية - جوناه غولدبرغ).

لقد تداعت الديمقراطيات الأوروبية في القرن العشرين أمام الفاشية والنازية والشيوعية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. 

سار بعد ذلك بينيتو موسوليني، الذي عُدَّ كذلك أباً روحياً للحكم الفاشي، على خطى روسو وروبسبير. وقد تأثر موسوليني بأفكار الفيلسوف الفرنسي، ومُنظِّر السينديكالية الثورية جورج سوريل، كما حاز موسوليني، الذي كان اشتراكيًا، في سنوات شبابه، وفي السنوات الأولى لعمله في السياسة، على إعجاب لينين بفكره السياسي، وكتاباته حول فلسفة الحكم. 

لذلك كان من الطبيعي أن يتحدث لينين عن موسوليني على نحو "إنَّ فقد موسوليني يُعد خسارة كبيرةً بالنسبة لنا! لقد كان رجلاً قوياً؛ إذ كان بإمكانه أن يقود حركتنا إلى النصر...". وإلى جانب لينين، نال موسوليني إعجاب العديد من الكتاب والصحفيين ورجال الأعمال الأميركيين كذلك.

استحق موسوليني لقب "دوتشي الاشتراكية" (لقب إيطالي مشتق من الكلمة اللاتينية 'دوكس'، وهو لفظ قريب من لقب 'دوق' بمعنى 'سيد')، قبل أن يُمنح اللقب نفسه بعد ذلك، ويصبح "دوتشي الفاشية" أيضاً. وقد حضر موسوليني مؤتمراً عن الاشتراكية عقد عام 1912، وأطلق صحيفةً أُطلق عليها اسم "يوتوبيا"، في ذكرى القائد السياسي والكاتب توماس مور، في إشارة إلى كتابه "يوتوبيا" أو "المدينة الفاضلة"، كما كانت صحيفة "أفانتي"، التي تولى إدارتها كذلك، دليلًا آخر ومرجعاً للعديد من المثقفين الاشتراكيين، وعلى رأسهم الفيلسوف والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي. (جوناه غولدبرغ- المرجع السابق ذكره). 

وجَّه موسوليني الإهانة والنقد إلى الكنيسة في كتابه "الدين واللاهوت"، وعلى الجانب الآخر كان يتفاخر بكونه ملحدًا. 

وبسبب عدم وجود كذابين بارعين على الساحة السياسية في تلك الفترة، كانت هناك حاجة مُلحة لوجود مجموعة أخرى من النخبة الثورية، تعمل على فرض مشروعات "الهندسة المجتمعية" على أبناء الشعب، وتتخلص من السياسة البرلمانية وانتقاداتها، تحت زعم مواصلة النضال الثوري؛ لذلك كان من الطبيعي أن يزداد التوتر والعنف خلال هذه الفترة، وأن توجه النخبة الحاكمة اهتمامها في اتجاه هدم جميع المؤسسات الديمقراطية في الدولة.

ومن جهتهما، تبنى كلا من موسوليني ولينين نفس النهج والأساليب في حكمهما؛ إذ كان موسولوني يصرح بأن الجماهير ستظل على ولائها له. وعلى الجانب الآخر، كان يعمل جاهداً على إقناع الشعب بمكانة الفاشية، التي لا تقل عن مكانة الدين في نفوسهم، عن طريق إثارة المشاعر والحس الوطني لديهم من خلال تنظيم الاحتفالات الكبيرة في ذكرى الأعياد العلمانية.

 وعندما تحوَّل موسوليني من الاشتراكية إلى الشعوبية، كان يُعرِّفها من خلال مفهوم المجتمع الشمولي، بزعم أن الديمقراطية ليست مناسبة لإيطاليا، فكان يقول "الكل داخل الدولة، لا شيء خارج الدولة". (غولدبرغ- المرجع السابق ذكره). 

وعندما زار رئيس الوزراء التركي آنذاك عصمت إينونو روما الفاشية في عام 1932، كتب صاحب صحيفة "جمهورييت" ورئيس تحريرها، في ذلك الوقت، يونس نادي مقالةً جاء فيها  "لقد كسبنا تقدير الفاشية ومودتها؛ تلك الفاشية التي رفعت من قدر الأمة الإيطالية إلى مصاف المجتمعات الأكثر ازدهارًا في هذا القرن".

ومن ناحيته، كتب النائب عن حزب الشعب الجمهوري ونائب وزير المعارف، في ذلك الوقت، حمدُالله صبحي تانري أوفر في مجلة "تُرك يوردو"، قائلاً "تولي الفاشية اهتمامها بتحقيق الرفاهية الاقتصادية، ونشر الوئام السياسي والاجتماعي داخل الوطن.. لقد رأينا ماضينا ومستقبلنا في ظل الفاشية". 

وبدوره قال الكاتب يعقوب قدري قره عثمان أوغلو أيضاً "بفضل موسوليني، أو بالأحرى بفضل الفاشية، أصبحت إيطاليا دولة منضبطة تعمل مثل الساعة".

وكما هو الحال في إيطاليا، اختارت الجمهورية التركية، بوعي منها، أن تمضي قدماً على طريق نظام الحزب الواحد و"القومية الاقتصادية" و"عبادة الدولة بديلاً عن الدين" في إطار زعامة حازمة لا تقبل التهاون أو التراخي في تطبيق أي من هذه الأطر. وبالنسبة للإسلام، فقد تواضعت النخبة الحاكمة على دمجه داخل مفهوم الهوية العرقية التركية والبرنامج القومي.

ومن ناحيتهم أيضاً، وجد المحامون الأتراك في حقبة الجمهورية أنه من الصواب اتباع طريق وزير العدل الإيطالي، ومهندس القانون الجنائي الفاشي ألفريدو روكو.

وفي عام 1926، اعتمدت الجمهورية التركية قانون العقوبات الملكي الإيطالي لعام 1889. وعلق على ذلك وزير العدل التركي آنذاك محمود أسعد بوزكورت، أثناء مناقشة القانون بقوله "قانوننا الجنائي قاسٍ للغاية؛ لأن الثورة غيورة جداً على مبادئها. وعلى الرغم من قسوته فهو منضبط؛ لذلك فالأشخاص الذين يخشون من هذا القانون، أو الذين يجب عليهم أن يخشوه، هم الفئات التي لا تحرص على مصالح الأمة والشعب التركي، وتعادي مبادئ الثورة؛ لذا كان من الطبيعي أن يخشى أمثال هؤلاء من هذا القانون". 

قامت الحكومة التركية، بين عامي 1931 و 1938، بعمل تعديلات كبيرة على قانون العقوبات التركي، استناداً إلى ترجمات لقانون موسوليني الجنائي الفاشي بتاريخ 1930. وبناءً على هذه التعديلات الجديدة، جرى توسيع نطاق الجريمة السياسية في الأقسام الخاصة بـ "الجرائم ضد الأمة"، و"الجرائم ضد قوات الدولة" و"الجرائم ضد أمن الدولة"، أو بمعنى آخر أصبحت هذه الجرائم أكثر غموضًا، وتم تغليظ العقوبات على مرتكبيها.  

بالإضافة إلى ذلك، وتطبيقاً لنفس النهج الفاشي، تم استحداث جرائم لم يكن لها وجود قبل ذلك مثل جرائم "العبث بوحدة العرق وسلامته". وبذلك، انتهجت الدولة التركية، عن وعي منها، نفس الفلسفة الإيطالية الفاشية، التي سادت خلال هذه الفترة، والتي ارتكزت في الأساس على حماية شخصية الدولة والاقتصاد والعرق والمؤسسة الأسرية.

كان الهدف من كلا القانونين حماية وجود الدولة وتطلعاتها. وكان التفكير السائد في تلك الفترة هو أن القانون الليبرالي غير قادر على الوفاء بهذه الاحتياجات. وهذا يفسر أن هدف القوانين الجنائية العثمانية-التركية كان واحداً في تلك الفترة.   

ومنذ ذلك اليوم، وحتى يومنا الحاضر، والدولة التركية تعتمد نفس السياسة، التي تقوم على إضعاف الفرد، وتقوية يد الدولة، وجعل العرق التركي هو العرق الوحيد المهيمن على باقي الأعراق داخل الدولة، ونشر مفهوم سطوة الدولة، والعقاب على مجالات اجتماعية أوسع، ودمج القانون السياسي مع القانون الجنائي، وتهميش الفرد واستبعاده، بزعم ارتكابه جرائم سياسية.

وقد انتقل هذا الإرث إلى قانون العقوبات التركي، الذي تم إقراره في عام 2004؛  فرأينا في مواضع شتى منه موادًا تتعلق بجرائم تتعلق بـ "إهانة سيادة الدولة وكرامة أجهزتها"، وأخرى تتعلق بجرائم خاصة بـ "أمن الدولة"، و"الأمن القومي"، وجرائم تتعلق بـ "إفشاء أسرار الدولة". وحملت المواد الخاصة بقانون مكافحة الإرهاب، على وجه الخصوص، أهمية خاصة خلال هذا المسار التاريخي.

لقد مارست الدولة سطوتها في سحق الفرد، ووضعت كافة أنشطة المجال الاجتماعي تحت الرقابة اللصيقة، وجرى تهميش الحقوق السياسية للأفراد في قانون العقوبات التركي، وقانون مكافحة الإرهاب. ونتيجة لذلك، كان من الطبيعي أن يتم اعتقال السياسيين والأكاديميين والصحفيين، تحت ذريعة اشتراكهم في ارتكاب جرائم سياسية.

وللسبب نفسه، جرى اعتقال الصحفيين، الذين تم إطلاق سراحهم من قِبَل الدائرة رقم 25 في المحكمة الجنائية العليا في 31 مارس 2017 مساء اليوم الذي أطلق سراحهم فيه. ليس هذا فحسب، بل وجرى فصل القضاة، الذين قرروا إخلاء سبيلهم، من وظائفهم. 

وبالتالي كان من الطبيعي أيضاً أن تصدر هيئة المحكمة الجديدة، التي تم تشكيلها بما يتوافق مع أهواء الحاكم، أحكاماً مشددة ضد هؤلاء الصحفيين، الذين ظلوا رهن الاحتجاز مدة وصلت إلى 40 شهراً في انتظار ورود ملفاتهم إلى  المحكمة العليا.

لقد استمرت الدولة في ممارسة العنف ضد الأفراد والمؤسسات دون توفير حماية لهم، بعد أن أقرت الأولى تعديلات من شأنها توسيع مجال القانون الجنائي ليشمل الجرائم السياسية كذلك.

وفي المقابل من أعمال الإبادة الممنهجة ضد الأكاديميين والمثقفين الأتراك، لاذ الذين اختاروا جانب أصحاب القوة المطلقة بالصمت، ولم ينبس أي منهم ببنت شفة، اعتراضاً على هذه التجاوزات. لقد تحوَّل ضعفهم إلى انتهازية تجسدت في شكل تعهد بالولاء للحاكم، وكأن عالم اللاهوت ليو بايك كان يعنينا بقوله "لا شيء أكثر إثارة للشفقة مثل التزام الصمت".

ومن جانبه، يحدثنا الكاتب الألماني هيرمان هيسه في هذا الموضوع بقوله "إن التضحية بحب الحقيقة، وبالأمانة الفكرية، وبالإخلاص لقوانين الفكر ومناهجه من أجل تحصيل مصلحة أخرى، مهما كانت، حتى مصلحة الوطن نفسه، تعد خيانة".  

يبدو أنه ليس في الإمكان إقامة ديمقراطية، استناداً إلى سيادة القانون والأمن القانوني، دون معرفة الخط التاريخي أو انتقاده أو تغييره؛ ذلك الخط التاريخي الذي تأثر بالنهج، الذي واكب قيام الثورة الفرنسية وفاشية موسوليني، ولا يزال مستمراً إلى الوقت الحالي، والذي يستخدم الإرهاب أداةً، ويستغل الإسلام من أجل تحصيل مصلحة سياسية.  

لقد أصبحت الصدامات والتوترات والحروب، التي تنشب بسبب أفكار قومية عنصرية مشوهة نهجاً اختارته الكثير من الدول، تتقدمها تركيا بطبيعة الحال، من أجل حل المشكلات السياسية لديها؛ لذلك كان من الطبيعي أن تتسبب حالة اليأس والعجز لدى المواطنين، نتيجة تقاعس الحكومة عن حل المشكلات الاقتصادية، في وقوع حالات انتحار جماعي بين أفراد الأسرة الواحدة، كما قرأنا قبل أيام. لقد وصلنا إلى نقطة لا يمكن للنظام الحاكم في تركيا عندها الاكتفاء بمجرد إجراء إصلاحات طفيفة، أو التظاهر بالتسامح مع المعارضين له. 

في رأيي، إنه يتعين علينا إعادة تشييد البناء من الصفر.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/fasizmin-ayak-izleri-rousseau-robespierre-mussolini
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.