Ergun Babahan
مايو 26 2019

حكومة العدالة والتنمية وذهنية الماضي الداعية إلى الإفلاس والدمار

لقد فشلت محاولات الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية أردوغان في الخروج من المستنقع السوري، بعد أن سقط هناك بين مطرقة الولايات المتحدة وسندان موسكو، وهو أمر طالما حذر منه الجميع.

قامت وزارة الخارجية الأميركية- بتوجيه من إدارة ترامب- بإرسال إنذار شديد اللهجة إلى أنقرة؛ طالبتها فيه بالإعلان عن قرارها النهائي بشأن صفقة منظومة إس-400 الصاروخية الروسية، التي تنوي تركيا شراءها من روسيا، وحددت لذلك موعداً غايته أسبوعين على أقصى تقدير.

ومن ناحيتها، أذاعت قناة (سي إن بي سي) التلفزيونية الإخبارية الأميركية نقلاً عن "أكثر من مصدر" داخل وزارة الخارجية الأميركية بعض المعلومات عن الإنذار النهائي الذي وجهته إدارة ترامب لأنقرة جاء فيها:

"يتعيَّن على تركيا أن تلغي صفقة بمليارات الدولارات مع روسيا خلال أسبوعين فقط، وأن تشتري عوضاً عنها منظومة باتريوت الصاروخية الدفاعية التي تنتجها شركة ريثيون في الولايات المتحدة، وإلا فإنها ستتعرض للطرد من برنامج شركة لوكهيد مارتن لتصنيع المقاتلة الأميركية إف35، وستفقد صفقتها مع الولايات المتحدة للحصول على 100 مقاتلة من نفس النوع، بالإضافة إلى تعرضها لعقوبات قاسية. وليس من المستبعد أن تلقى ردود فعل غاضبة من دول حلف الناتو كذلك".

وهذا يعني أن تركيا لن يتم استبعادها من برنامج إف35، الذي سيوفر لها مصدر دخل لن يقل عن 12 مليار فحسب، بل إنها ستتعرض كذلك للعقوبات بسبب تعاملها مع شركات روسية محظورة. وقد تتعرض كذلك للإبعاد من حلف شمال الأطلسي؛ لذلك فإن فقدان تركيا لمرساة حلف الناتو في فترة يُعاد فيها توزيع الأدوار في منطقة الشرق الأوسط لن يؤدي إلى حدوث مخاطر أمنية فحسب، بل إنه سيجعل أردوغان أسيرًا لمطالب بوتين خلال الفترة المقبلة.

هذا هو المأزق الذي وقعت  فيه الدولة الآن بسبب الإفراط في الثقة في موقع تركيا الاستراتيجي، والعلاقات الشخصية مع المسؤولين في إدارة ترامب، وهو ذات الموضوع الذي شدد عليه موقع بي بي سي التركي على النحو التالي:  

"لم يعد هناك سبيل آخر لمنع فرض عقوبات على تركيا سوى أن يعلن ترامب أنه "غير مهتم" بشراء تركيا منظومة إس400 الصاروخية الروسية، وأن وجودها لن يؤثر على العمليات العسكرية لحلف الناتو والولايات المتحدة".

كما يتعيَّن على ترامب أن يرسل خطاباً إلى اللجان المختلفة في الكونغرس؛ يوضح فيه أن هذه الصفقة لن تؤثر على العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا.

وفي رأيي الشخصي، إن إقدام ترامب على خطوة كتلك ستعني الإسراع بوتيرة عزله من منصبه كرئيس للولايات المتحدة، تزامناً مع الحملة الشرسة التي يتعرض لها في الوقت الراهن من الكونغرس ووسائل الإعلام الأميركية التي تصفه بأنه "جاسوس لروسيا"، وأنه "رجل بوتين"؛ لذلك لا يمكن أن نصف انتظار ترامب كي يصدر قراراً كهذا سوي أنه نوع من التفاؤل المفرط.

هذا ولم تعد الصحف الموالية للحكومة تنشر أخباراً ذات أهمية، أو بعبارة أخرى إن ملايين الناخبين الذين سيدلون بأصواتهم في انتخابات إسطنبول المقرر لها يوم 23 يونيو القادم،  ويتابعون صحف مثل "صباح" و"حرييت" و"سي إن إن التركية" لا يعلمون شيئاً عن هذه التطورات. وعلى الرغم من هذا، فهم يشعرون بتأثير هذه الأخبار من حال الأسواق، ومن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة حتى تخطى حاجز 6.10 ليرات.

ومن جانبهم، علَّق خبراء السوق على هذه الأزمة بقولهم "أثرت أزمة تدفق منظومة إس-400 الصاروخية - بشكل سلبي - على سعر صرف الليرة مقابل الدولار. المهم الآن هو معرفة إلى متى سيستمر سعر صرف الدولار عند 6.10؛ لأنه في حال تحرك سعر الصرف هذا الأسبوع بين 6.10 – 6.12 ليرة، فلن يكون هذا في صالح الليرة التركية على الإطلاق".  

لم يعد في الإمكان التستر على الوضع السيئ الذي آل إليه الوضع الاقتصادي في تركيا. والحقيقة التي يجمع عليها خبراء السوق الدوليين هي أن هناك شاباً يفتقد للخبرة الكافية بشؤون الاقتصاد، وبالمتغيرات العالمية، قد تولى منصب وزير المالية، لا لشيء سوى أنه زوج ابنة أردوغان؛ لذلك كان من الطبيعي أن يتفاقم وضع الاقتصاد يوماً بعد يوماً بسبب القرارات التي يتخذها. وأعتقد أن الاستماع إلى عطا الله يشيل أدا، وهو يحكي عن رأي المستثمرين الأميركيين في بيرات البيراق سيجعلنا مدركين لحقيقة الوضع بشكل أوضح.

خلاصة الأمر، إن النقطة الأساسية هنا هي أننا حوصرنا بالفعل في خانة واحدة. وعلاوة على ذلك، إننا نبرم اتفاقاً لتكوين "منطقة آمنة" في سوريا مع الإدارة الأميركية، وننتظر منها أن تفتح مجالاً لتركيا ضد الأكراد. أعتقد أن التخلي عن منظومة إس-400 الصاروخية هو السبيل الوحيد لتجنب مثل هذه العقوبات التي ستؤثر بشدة على بنية القوات المسلحة التركية، ولكن إذا أقدم أردوغان على هذه الخطوة فسيثير هذا الأمر غضب بوتين..

نعم، سيعلن عن غضبه بفتح أبواب جهنم في إدلب، واندفاع ملايين الأشخاص باتجاه الحدود التركية، ومطالبة تركيا بالخروج من الأراضي السورية، وعلى رأسها مدينة عفرين. 

وهذا يعني أن اختيار أردوغان لهذا الطرف أو ذاك لن يمنع انجراف تركيا نحو حالة من الفوضى، ودخولها مرحلة من التخبط، وبالتأكيد سينعكس هذا سلباً على أداء الاقتصاد التركي. ومما لا شك فيه أن تركيا وصلت إلى هذه النقطة بسبب سياسة العثمانيين الجُدد، وسياسة حكومة الاتحاد والترقي قديماً.

نعاني اليوم من عقلية مشابهة لتلك التي ورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. إن نفس العقلية التي ارتكبت مذابح الأرمن تمارس القمع اليوم ضد الأكراد. إنها نفس الحكومة المتعسفة التي تصادر الحقوق، وتُكمم أفواه المعارضين. إن جُلّ ما أتمناه هو ألا نصل لنفس النتيجة التي عشناها في الماضي..

 

هذا المقال يعكس آراء المؤلف، وليس بالضرورة أن يكون متوافقًا مع سياسة التحرير في موقع "أحوال تركية".

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/tr/s-400-krizi/ittihatci-zihniyet-nato-duvarina-carpti-sonuc-iflas-ve-yikim-olacak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.