حكومة أردوغان تدمر مواقع التراث التركي

لحقت مؤخرًا عدد من التهديدات والأضرار بالمواقع التراثية في تركيا. وفي الوقت نفسه، تطلق وزارة الثقافة التركية ومنصة الترويج السياحي حملة علاقات عامة جديدة للترويج لمواقع التراث الثقافي.

وكما هو الحال في كثير من الأحيان، يبدو أن الحكومة التركية تهتم فقط من الناحية الاقتصادية بالتراث الغني للأناضول، بينما في الوقت نفسه، يتسبب برنامج التنمية الاقتصادية في تدمير المواقع المعرضة للخطر ويسبب مخاوف بيئية.

وفي 12 أغسطس، أظهرت بعض اللقطات المصورة عمالًا يحفرون في أساسات برج جالاتا في إسطنبول كجزء من مشروع "ترميم" لشركة مملوكة لمسؤول حكومي سابق.

وفي 1 سبتمبر، تم تدمير كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في بورصة، التي شُيدت في عام 1896 وأعيد ترميمها من قبل البلدية المحلية بين عامي 2006 و 2009، بعد نقلها إلى مؤسسة دينية إسلامية وإهمالها طوال السنوات السبع الماضية.

وفي مقاطعة غازي عنتاب جنوب شرق البلاد، يهدد بناء بحيرة بتدمير الموقع الحثي الذي يعود تاريخه إلى 3000 عام، هذا الموقع يمكن اعتباره متحفا في الهواء الطلق تحت اسم "يسميك للحجر والنحت". تشبه هذه الحالة تدمير مدينة "حسنكيف" القديمة في محافظة باتمان، مع بناء سد غمر المنطقة في بداية عام 2020.

وكانت حديقة "غوريم" الوطنية المدرجة في قائمة اليونسكو، والتي تم الترويج لها بشكل كبير في الحملات السياحية، تعاني من بناء الكثير من الفنادق من حولها وأيضاً من أفواج السياح الذين يذهبون لركوب منطاد الهواء الساخن.

وغالبًا ما تقدم الحكومة التركية ومؤسساتها الإعلامية أمثلة معينة من المواقع التراثية التي تمت حمايتها، مثل كنيسة أغتامار الأرمنية على بحيرة فان، أو دير سوميلا الأرثوذكسي اليوناني في طرابزون - التي أعيد افتتاحها مؤخرًا بعد مشروع ترميم دام ثلاث سنوات.

رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في كلمة ألقاها بمناسبة إعادة افتتاح دير سوميلا، الانتقادات الموجهة إلى إعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد مؤخرًا، قائلاً "لو كنا أمة تستهدف رموز المعتقدات الأخرى، لكان دير سوميلا الذي حافظنا عليه على مدى القرون الخمسة الماضية قد اختفى إلى الأبد".

وفي بعض الحالات، لا يعني ذلك أن الحكومة التركية تستهدف عن عمد مواقع التراث المسيحي أو غير التركي، بقدر ما تتجاهلها لصالح التنمية الاقتصادية. حيث يتعارض الحفاظ على التراث مع الرغبة في بناء سد، أو مثلاً صب الخرسانة حول موقع التراث العالمي لليونسكو "غوبكلي تيب" القديم – وهو ربما أول معبد بناه البشر على الأرض - حتى يتمكن السائحون من الوصول بشكل أفضل، فإن المخاوف الاقتصادية والسياحية دائمًا ما تتفوق على الحفاظ على التراث. كما يلعب الفساد أيضًا دورًا في المناطق المنكوبة بالبناء غير المدروس.

وهناك العديد من المواقع التراثية المهملة في تركيا مثل كاتدرائية مرين الأرمنية في كارس، والعديد منها على وشك الانهيار بعد إهماله لفترة طويلة. تشمل الأمثلة الأخرى الانهيار المستمر للمباني مثل منزل تروتسكي ودار الأيتام اليوناني في بويوكادا في جزر الأمير بإسطنبول.

وقد أخبرتني المؤرخة البريطانية-الأرمنية آرا سارافيان، التي صنعت فيلمًا عنه في عام 2016، أنه عندما يتعلق الأمر بالمواقع الأرمنية في تركي ، فإن التدمير والمحو من قبل الدولة مستمر منذ عام 1915، لكن هذا أصبح أكثر وضوحًا الآن بسبب الإنترنت والحركة التقدمية في تركيا التي تلفت الانتباه إليها.

وقالت سارفيان "هناك أمثلة على قيام السلطات المحلية بأخذ زمام المبادرة والاعتناء ببعض هذه الهياكل، لكن القاعدة هي أن تظل غير مبالية وتسمح للمخربين والباحثين عن الكنوز للقيام بعملهم. وفي حالة موقع ’آني’، أصبحت المدينة التي تعود إلى القرون الوسطى ورقة مساومة مع الحكومة الأرمينية، بعد أن بدأت بها بعض الأعمال الأولية، والتي تراجعت بعد ذلك. وإذا نظرت إلى منطقة خاربيرت، حيث كانت هناك 5 كنائس وحضور أرمني كبير، ترى اليوم مدينة إسلامية تم تجديدها بما يتماشى مع الأيديولوجية القومية التركية".

تقول سارفيان إن خاربيرت على وجه الخصوص هي مثال جيد لعملية التتركة المستمرة التي حدثت لسنوات في ظل الحكومات التركية القومية العلمانية. وعندما دخل حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان الحكومة في عام 2002، حاولوا في البداية اتباع نهج أقل قومية، ولكن منذ نجاح حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في انتخابات عام 2015، استبدل حزب العدالة والتنمية الدعم الذي سبق له وأن حصل عليه من الأكراد بأصوات قومية من الناخبين، ثم تبع ذلك الخطابات والسياسات.

وأشارت سارفيان إلى أمثلة أكثر إيجابية للحفاظ على التراث، مثل الكنيسة الأرمنية في قيصري التي تم تحويلها إلى مكتبة. تقول سارفيان إن هناك العديد من المواقع التراثية في تركيا لدرجة أن البلديات غالبًا لا تعرف ماذا تفعل بها، وسيكون من الأفضل استخدامها كمراكز رياضية أو مساجد بدلاً من تركها لتتراجع بهذه الطريقة.

لا ينبغي أن ننسى أن أردوغان نفسه دافع عن ترميم كنيسة "أغتمار" وكنيسة مدينة "آني" الأرمنية عندما كانت تركيا تسعى إلى التقارب مع أرمينيا. وقال أردوغان في حفل افتتاح كنيسة أغتمار التي تم ترميمها "إن القداس في أغتامار هو تعبير عن رؤيتنا للعالم". لكن هذه العملية توقفت أيضًا، ولا تزال الحدود بين الدولتين مغلقة.

وبينما تروّج تركيا لأشهر مواقع التراث التابعة لليونسكو في الإعلانات التجارية لقطاع السياحة وشركة الخطوط الجوية التركية، هناك الكثير الذي يمكن القيام به لتحسين الوضع. لا توجد حتى الآن قائمة موثوقة للآثار التراثية التي تعتني بها الحكومة التركية، حتى موقع "إنفانتر" التابع لوزارة الثقافة التركية غير متاح على الانترنت خارج تركيا، مما يجعل استحالة معرفة مواقع التراث التركي التي تعتني بها الحكومة التركية.

وهناك حاجة ماسة إلى التزام جاد ومحايد من الناحية السياسية بتراث تركيا الثقافي الغني والمتنوع من الحكومة، حيث يذهب التمويل إلى المناطق التي يكون التراث فيها أكثر عرضة للتدمير. تهتم الحكومة التركية كثيرًا بقطاع السياحة في البلاد، لكنها تلحق أضرارًا طويلة المدى بهذا القطاع من خلال الفشل في حماية المواقع ذات الأهمية الثقافية.

وهناك الكثير من الأشخاص الذين يرغبون في المساعدة في حماية التراث الموجود في المشهد الثقافي التركي، وستجد الحكومة التركية الدعم حتى من منتقديها إذا التزمت بهذه المهمة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-culture/turkish-heritage-sites-remain-under-threat-despite-positive-government-pr-campaign
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.