حكومة أردوغان تختبئ وراء نظرية المؤامرة للتعتيم على أزماتها

أنقرة – أمام كلّ أزمة تتعرّض لها أو تصادفها، تحاول حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاختباء وراء اتّهامات للآخرين بالتآمر والتواطؤ مع قوى خارجية تستهدف النيل من تركيا، وذلك بأسلوب بات مكرّراً، ومثار سخرية من قبل المعارضين، للتعمية عن الحقائق والتعتيم على الأزمات التي يتمّ ترحيلها من يوم لآخر.

وفي أحدث الأزمات التي تعصف بها، تسعى الحكومة التركية لرصّ صفوفها وحرف الأنظار عن مشكلتها مع زعيم المافيا الفارّ سيدات بيكر الذي أحرجها بادّعاءات ومزاعم عن عمق العلاقة بينها وبين المافيا، ما دفع وزير الداخلية سليمان صويلو إلى وصف المزاعم بأنها هجوم من قبل قوى أجنبية.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي طه أكيول في مقاله في صحيفة قرار التركية اليوم الأربعاء، فإنّ هذا في الواقع أسلوب سياسي طورته الحكومة في السنوات التي تلت عام 2011، وتساءل أكيول: هل تتزايد كل هذه العوامل الثلاثة في الفائدة والعملات الأجنبية والتضخم؟ هل تزداد فقرا؟ هل نحن معزولون في السياسة الخارجية؟ ليردّ بسخرية: السبب هجوم القوى الخارجية..

ثم قال أيضاً إنّه يتم التعبير عن هذا أحيانًا بعبارات مثل "القوى الإمبريالية، القوى العالمية، التحالف الصليبي". ولفت إلى أنّ المشاكل بدأت في نظام حكومة أردوغان في الظهور منذ سنوات، ويتكرر أسلوب التعاطي معها، واستشهد بقول محمد أوكوم، كبير المستشارين القانونيين في القصر الرئاسي: "لن يسمح شعبنا أبدًا لشعبنا بتسليم تركيا لمراكز القوة الإمبريالية الفاشية العالمية والأقمار الصناعية الداخلية بهدف تعطيل أو تصفية نظام الحكم الرئاسي!"

وأشار أكيول إلى أنّه مع ذلك، حتى في النص الذي أعلنه زعيم حزب الحركة القومية بهجلي، الذي يدعم الحكومة بشكل أكثر نشاطًا من العديد من أعضاء حزب العدالة والتنمية، يمكنك رؤية العيوب في نظام النظام الرئاسي: مثل عدم فعالية الرقابة البرلمانية، والاعتماد على القضاء، وعدم وجود مأسسة، الإضرار بمبدأ الشرعية في الإدارة. أكّد الكاتب أنّ تحميل القوات الأجنبية المسؤولية، والقول إنّها تهاجم تركيا هو خطاب مشاعر شعبويّ مبالغ فيه، وهو لا يحل المشاكل، بل يؤدي إلى تفاقمها.

تحدّث أكيول كذلك عن ازدواجية خطاب الحكومة التركية، وقال إنّ أردوغان وصف عملية الاتحاد الأوروبي بأنها "أكبر خطوة تحديث بعد إعلان الجمهورية" في برنامج الحكومة 2011، وكان الاستثمار قادمًا إلى تركيا، حيث تجاوز نصيب الفرد من الدخل القومي 10 آلاف دولار. ومع ذلك، في السنوات التالية، ازداد انتقاد الاستبداد من الاتحاد الأوروبي..

ولفت إلى أنّه خلال الاستفتاء على النظام الرئاسي، منعت الحكومتان الهولندية والألمانية عقد اجتماعات دعائية في بلديهما لأردوغان، وردت الحكومة بقسوة شديدة بكلمات مثل "هؤلاء هم التحالف الصليبي".  ومع ذلك، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية، مع بند أضافته إلى قانون الانتخابات في عام 2008، قد نصت على أنه "لا يمكن عمل دعاية في الخارج". (المادة 94 أ)

ونوّه الكاتب إلى أنّه من خلال ذكر هذه المادة في القانون التركي، كان بالإمكان إغلاق الحادث دون التسبب في أزمة، لكن الحكومة التركية لم تفعل ذلك، وأنقذت نفسية تحدي أوروبا "نعم" من خلال كسب بعض النقاط في الاستفتاء. لكن المشاكل في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي نمت. كما تسببت الاضطرابات في النظام القانوني في مخاوف بشأن "أمن الاستثمار"، ورأس المال الاستثماري لم يعد يأتي.. وعلى الرغم من ذلك يواصل الرئيس القول اليوم "مستقبلنا في أوروبا"..

وتعليقاً على عقد الرئيس أردوغان اجتماعا هاما مع المديرين التنفيذيين للشركات الأميركية الكبرى، قال أكيول إنه مهم حقًا قبل اجتماعه مع بايدن في قمة الناتو في يونيو، ولكن هل سيكرر عبارة "المصلحة هي السبب.." في ذلك الاجتماع؟ أم أنه سيتحدث بأن "اقتصادنا يتعرض للهجوم.. سيناريوهات القوى العالمية.."؟ أم سيقول "الاقتصاد الإسلامي هو مفتاح الخروج من الأزمة"؟

وأعرب عن اعتقاده أنّ أردوغان سيتحدث بمفاهيم مثل "القيم العالمية.. الأمن القانوني.. الكفاءة.. الربح" كما فعل في خطاباته في أول فترتين له. وأكّد أنّ هذه اللغة المزدوجة تخلق ترددًا حول أيهما هو الأصل، وعندما يتضرر النظام القانوني المحلي، لا يأتي الاستثمار على الرغم من كل هذه الدعوات..

وقال إنّ كل من هذا الخطاب الاقتصادي المزدوج والمد والجزر في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يُظهر أن إضافة السياسة اليومية والأيديولوجية إلى القضايا الأساسية يجلب الأصوات على المدى القصير، ولكن الضرر يحدث في غضون ثلاث إلى خمس سنوات.

وشدّد الكاتب أكيول على الحاجة إلى التحلّي باللغة المنطقية والدبلوماسية، وقال بالطبع، لدينا مشاكل مهمة مع أوروبا وأميركا، لكن مصالحنا المشتركة أكبر بكثير، وأضاف إن عواقب ممارسة السياسة مع التحدي عبر الشعارات والاتّهامات للتسويق الداخلي واضحة، وقال: لطالما كان هناك خصوم لتركيا في أميركا وأوروبا، لكن كان هناك دائمًا مؤيدون حازمون لتركيا، حتى أننا فقدناهم.. ومن الواضح أيضًا أن موازين الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط ​​قد تدهورت ضدنا ...

وختم الكاتب بالقول: من الممكن "بيع" مشاكلنا، من علاقات المافيا - السياسة إلى الاقتصاد والعلاقات الخارجية، إلى الجماهير بالقول إن "القوات الأجنبية تهاجم"، لكن في النهاية، هذا يكلف الكثير.. علينا إعادة التوجيه إلى العقلانية والمنطقية في الاقتصاد، وسيادة القانون في حياة الدولة، والقيم الدبلوماسية التاريخية لتركيا في العلاقات الخارجية.