اومت اوزكرملو
أغسطس 10 2019

هل اللاجئون السوريون هم المسؤولون عن أزمات تركيا

"لا، بل أنتم العنصريون وأنتم الفاشيون، وبعد ما تمضي هذه الأيام العصيبة وتأتي الأيام الجميلة في المستقبل، سيتحدث الناس عنكم، بأنكم أنتم الذين ورَّطتم البلاد في المصيبة السورية".

لا تزال قضية اللاجئين السوريين تشغل حيزا كبيرا في نقاشات الرأي العام التركي. وآخرُها ما دار بين الصحفي "إسماعيل صايْماز"، كاتب العمود في صحيفة "حريت" المقربة من الحكومة، وبين الصحفيّة "بانو جُوَن" المحسوبة على المعارضة والتي تَكتب في النسخة التركية لموقع ألماني.

وخلاصة القصة هي أن إسماعيل صايماز كتب في 29 يوليو ثلاث تغريدات حول اللاجئين السوريين، وذلك ردا على مقال نُشر في 28 يوليو في صحيفة "هاكْسوزْ" المحسوبة على الإسلاميين السياسيين. وكان صاحب المقال قد انتقد إسماعيل بسبب آرائه السلبية حول اللاجئين السوريين.

وهذه هي تغريدات إسماعيل بالنص الحرفي:
"لقد سئمنا من تصرفات أولئك الذين يتهمون الشعب التركي بالعنصرية كلما دار الحديث حول اللاجئين السوريين. هل تظنون أنكم ستحلون المشكلة عندما تهتفون ضد العنصرية، في حين أنكم تشاهدون أنه يتم قمع المظلومين بالمظلومين، والفقراء بالفقراء".

"وهاهي الأرقام الرسمية تشير إلى أن البطالة وصلت إلى حدود خمسة ملايين، ووصل عدد خريجي الجامعات العاطلين عن العمل إلى نصف مليون، ولا يزال الحد الأدنى من الأجور تحت خط الجوع، بل إن إيجار البيوت يستهلك نصف الرواتب. ولكنكم بدلا من أن تتفهموا الغضب الشعبي المتراكم بسبب اللاجئين السوريين أخذتم تتهمون شعبكم بالعنصرية والفاشية."

"وعندما يشتري أبناء شعبكم البطاطس بالحبات من الأسواق الشعبية، ولا يحصل أولادهم على الوظائف، ولديهم أبناء تخرجوا من الجامعات وخابت آمالهم في الحصول على وظائف ولا يزالون محتاجين لرواتب آبائهم المتقاعدين.. وعندما يعمل أبناء الشعب التركي الفقراء في ورشات النسيج والأحياء الصناعية بنصف الأجور فإنهم ليسوا مضطرين لأن يدفعوا ثمن أحلام الإسلاميين."

هذه هي تغريدات إسماعيل، التي أثارت رداتِ فعل قويةً لدى المغردين الأتراك، ومن بين هؤلاء الصحفيةُ "بانو جُوَن" التي انتقدت تغريدات إسماعيل ووصفها بالعنصرية. وكانت هناك ردات فعل أخرى من صحفيين ومغردين آخرين. ويبدو أن ردة فعل الصحفية "بانو جُوَن"، على وجه الخصوص، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير حتى أدت بإسماعيل إلى أن يردّ عليها بلغة غاضبة ولهجة نابية عن آداب النقاش المهذب.

ولكن قضية اللاجئين السوريين لها بُعد آخر ولها من الأهمية الخطيرة ما يجعلها تتجاوز حدود التراشق الكلامي بين صحفيَين. ولذلك سأترك الدخول في تفاصيل الكلام الذي دار بينهما لألقي الضوء على لبّ القضية وأقول:
إن العلاقة بين معاداة اللاجئين والعنصرية والقومية تستحق الدراسة.

وليست القضية مقتصرة على الوضع الحالي في تركيا، بل إنه ليس هناك بلد يستطيع أن يتحمل بمفرده أعباء أربعة ملايين لاجئ، وإن كثيرا من بلدان الاتحاد الأوروبي الأغنى من تركيا، مثل السويد وألمانيا، والتي كانت تتعاطى مع قضية اللاجئين -نسبيا- بنظرة إيجابية، أخذت تغلق أبوابها أمام اللاجئين أو تحدّ من عدد المهاجرين بعد الأزمة التي عاشتها في عام 2015. بل إن سبب التراكم الكبير في عدد السوريين بتركيا هو الاتفاقية الموقعة مع الاتحاد الأوروبي في عام 2016 والتي كانت تقضي بالحد من مرور المهاجرين عبر الأراضي التركية إلى أوروبا.

علاوة على ذلك، فإن مشكلة اللاجئين ليست اقتصادية فحسب، فهناك مشاكل ناتجة عن الاختلافات الثقافية، وثغراتٌ أمنية يخلقها أعضاء المنظمات الإرهابية الذين تسللوا بين اللاجئين. 

لذلك ندعو إلى مناقشة هذه القضية وإيجاد حل لها بطريقة عقلانية وهادئة من دون إضرار بأي طرف من أطراف القضية. وعلينا أن لا ننسى أن الطريق إلى مثل هذا لا يمر عبر المقاربات العنصرية أو المحسوبيات القومية التي تغذي النعرات الفاشية.

واسمحوا لي أن ألقي الضوء على القضية انطلاقا من النقاط التي أثارها إسماعيل في تغريداته والتي قال فيها: 
"تشير الأرقام الرسمية إلى أن البطالة وصلت إلى حدود خمسة ملايين، وبلغ عدد خريجي الجامعات العاطلين عن العمل إلى نصف مليون، ولا يزال الحد الأدنى من الأجور تحت خط الجوع، بل إن إيجار البيوت يستهلك نصف الرواتب ...".

وهنا نطرح السؤال: هل السوريون هم المسؤولون عن ذلك؟ 

وها هي الأرقام التي نشرتها وزارة الخدمات الاجتماعية تدل على أن عدد السوريين الحاصلين على رخصة عمل هو: 31 ألف و185 شخصا. 

صحيح أن حزب الشعب الجمهوري يدَّعي أن عدد السوريين المنخرطين في سوق العمل غير الرسمي هو حوالي مليون شخص. وحتى لو فرضنا أن هذه الأرقام صحيحة، فالمسؤول عن ذلك هم أعضاء الحكومة وليس السوريين، ولكن إسماعيل يتحدث عن الموضوع وكأن السوريين هم المسؤولون عن الوضع الحالي، وكأن الحكومة، التي تغافلت عن الوضع إلى أن وصل الأمر إلى هذا الحد، بريئةٌ عن كل ما وقع.

وكان إسماعيل قد قال في تغريداته:
"وعندما يشتري أبناء شعبكم البطاطس بالحبات من الأسواق الشعبية، ولا يحصل أولادهم على الوظائف، ولديهم أبناء تخرجوا من الجامعات وخابت آمالهم في الحصول على وظائف ولا يزالون محتاجين لرواتب آبائهم المتقاعدين.. وعندما يعمل أبناء الشعب التركي الفقراء في ورشات النسيج والأحياء الصناعية بنصف الأجور فإنهم ليسوا مضطرين لأن يدفعوا ثمن أحلام الإسلاميين."

أجل، قد يكون هذا صحيحا إلى حدٍّ مّا، ولكن هذا الأمر ليس منحصرا باللاجئين السوريين فحسب، كما أن أرقام الإحصائيات التي نشرها الهلال الأحمر وبرنامج الأغذية العالمي  تشير إلى دخْل اللاجئين العاطلين عن العمل والحاصلين على عمل نظامي لا يزال تحت الحد الأدنى للأجور. 
ولكن السؤال المطروح هو: ما علاقة السوريين بعدم حصول أبناء الشعب التركي على وظيفة في القطاع الحكومي؟ فهل أن سوريًا قد تقلد منصبا وزاريا أو منصبا عاليا في السلك الحكومي حتى نقول بأنهم هو السبب في عطل أبناء الشعب التركي؟ 

وبالتالي فليس السوريون هم المسؤولين عن الوضع الحالي.

ولكن المؤسف أن إسماعيل وأمثاله بعد مقولاتهم التي تؤجج الصراع بين السوريين وبين أبناء الشعب التركي، يحاولون أن يتنصلوا من القضية بادعاء أنهم لا يقصدون بكلامهم هذا تأليب الرأي العام على السوريين وتأجيج مشاعرهم، وهذا تناقض صريح منهم يراه كل من اطلع على كتاباتهم ومقالاتهم وتغريداتهم العنصرية.

وعلينا أن نسألهم: هل اللاجئون السوريون هم الذين أقحموا تركيا في الحرب السورية؟ ومَن هم الذين يدعمون المنظمات الجهادية التي تسيطر على الوضع في عفرين؟ وإذا كانوا هم الذين يقولون بأن تركيا أصبحت الممر الآمن للدواعش، فمَن هم الذين سمحوا لهم بذلك؟ ومن هم الذين سمحوا بالجرحى الدواعش بتلقي العلاج في المستشفيات التركية؟ ولكن إسماعيل وأمثاله بدلا من أن ينتقدوا الحكومة المسؤولة عن كل هذه المشاكل يتوجهون بالنقد لأمثال الصحفية "بانو جوَن" وكأنها هي تحكم البلاد.

ولذلك نقول لإسماعيل: إنكم تعلمون كل هذا، أكثر منا، ولكنكم لا تستطيعون أن تكتبوا حوله حرفًا، بل تعرفون أنكم إذا تطرقتم إلى القضية بالطريقة الصحيحة فإنكم ستُطردون عن تلك الجرائد والصحف التي لا تتجاوز أن تكون أبواقا للحكومة في تبرير سياساتها الخاطئة التي أنتجت كل هذه النتائج الفادحة. 

وقبل أن ننهي الموضوع دعونا نَرجع إلى الحديث عن العنصرية: 
يقول إسماعيل في تغريداته: 
"لقد سئمنا من تصرفات أولئك الذين يتهمون الشعب التركي بالعنصرية كلما دار الحديث حول اللاجئين السوريين.. ".

وهنا أريد أن أتخذ دَوري كأكاديمي لأُدلي بدلوي في الحديث حول هذه النقطة.

وأسأل إسماعيل وأمثاله عن هذه الجمل التي سأسردها فيما يلي، لنأخذ رأيه هل هي عنصرية فاشية أم إننا نبالغ في الأمر بحيث جعلنا إسماعيل يسأم من كلامنا.

وأطلب منهم تعليقا على هذه المقولات التي كُتبت وتُكتب حول اللاجئين السوريين: 
"لا يحق للذين لا يقاتلون من أجل أوطانهم أن يستجمّوا في شواطئنا".
"إنهم لا يَجرؤون على حمل السلاح، ولو كان الأمر كذلك لبقوا في بلادهم".
"إذا كانت القضية هي في الحقيقة البحث عما هو في صالح السوريين فإن هذا يتطلب بالفعل مطالبة السوريين بالذهاب إلى سوريا، لأنه لا يمكن لهؤلاء الأشخاص الذين لا ينتمون إلى مجتمع راق ومؤهلٍ أن يتكيفوا مع المجتمع التركي".
هذه هي مقولاتهم، وإن من يكتب مثل هذه الجمل أو يقولها فهو عنصري فاشي حتى النخاع. 

ونقول لإسماعيل الذي يقول: 
".. ولكنكم بدلا من أن تتفهموا الغضب الشعبي المتراكم بسبب اللاجئين السوريين، أخذتم تتهمون شعبكم بالعنصرية والفاشية."

إنك بمثل هذه العبارات حتى لو لم تصبح عنصريا، فإنك تصبّ الزيت على النار.

فها هو الميدان، وقد بلع عدد متابعيك على التويتر حوالي مليون ونصف مليون، بالإضافة إلى أنه تتاح لك المشاركة في كثير من المنابر الإعلامية. 

فإن كانت نواياك حسنة، وتريدُ حقًا المساهمةَ في حل مشكلة اللاجئين، فلا ينبغي أن تخاف من وصف العنصريين بالعنصرية. وبطبيعة الحال، نريد جملتين أيضا في أولئك الذين خلقوا هذه المشكلة بسياساتهم الخاطئة المتهورة.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/irkci-degilim-benim-de-suriyeli-arkadaslarim-var
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.