أحوال تركية
يونيو 26 2019

هل أنهت خسارة إسطنبول حلمَ أردوغان السلطانيّ؟

أنقرة - كيف تتفاعل إدارة أردوغان مع فوز إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول؟ هل ستقوم بالتركيز على الإصلاحات الاقتصادية التي يستعجلها المواطنون الأتراك الذين يعانون تحت ضغط الأعباء الاقتصادية المتفاقمة؟ هل ستتجاهل الإصلاحات المطلوبة وتركّز على منع إمام أوغلو من بناء وضع أقوى بكثير قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال أربع سنوات؟

هل أنهت خسارة إسطنبول حلم أردوغان بأن يصبح السلطان الأوحد في البلاد؟ ما الخيارات التي يمكن لأردوغان أن يلجأ إليها بعد خسارة إسطنبول؟ هل يجب عليه الإسراع بالبحث عن التيارات الكامنة وراء الهزيمة في انتخابات إسطنبول، والتي تسببت في حالة من القلق داخل حزب العدالة والتنمية وشجعت خصومه المبتهجين، أم أنّه سيكابر ويزعم أنّه ما يزال رجل البلاد الأقوى رغم الهزيمة؟

لا يخفى أنّ خسارة إسطنبول، التي يقطنها نحو خُمس عدد سكان تركيا الذي يصل إلى 82 مليون نسمة، يضعف موقف حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى مصدر رئيسي للدعم والتمويل. ووفقا لبعض التقديرات، فإن المدينة تستوعب رُبع إجمالي الاستثمارات العامة وتمثل ثلث اقتصاد تركيا الذي يبلغ حجمه 748 مليار دولار، ومن هنا كان الرئيس أردوغان يؤكّد على أنّ مَن يحكم إسطنبول يحكم تركيا.

وعلى الرغم من أنّ خسارة إسطنبول تكاد تصيب حزب أردوغان الحاكم في مقتل، إلّا أنّ النظام الرئاسي الذي صوّت عليه الأتراك في الصيف الماضي، الذي يركز السلطات في أيدي الرئيس، يكفل حماية لأردوغان، ويجمع السلطات بيده، ما يقيد حركة رئيس بلدية إسطنبول، ويسبب بعرقلة مشاريعه ووعوده. والتي دعمت انتقال تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي

وكانت تلك الانتخابات جاءت بعد إجراء استفتاء على تعديل الدستور عام 2017، للموافقة على النظام الرئاسي وفاز فيه أردوغان بأغلبية ضئيلة. ولا يزال حزب العدالة والتنمية مسيطرا على البرلمانات المحلية، بينما تتركز السلطة في أيدي الحكومة المركزية في أنقرة والتي يمكنها أن تمنع الموارد المالية عن بلدية إسطنبول.

وبعد الهزيمة المدوّية في إسطنبول، سارع الرئيس التركي إلى التأكيد على هيمنته على البلاد كأقوى سياسي في بلاده خلال نصف قرن بعد الانتصار الساحق الذي حققته المعارضة في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول المعادة، حيث حول سريعا بوصلة التركيز إلى رحلة حاسمة سيقوم بها إلى آسيا قريبا.

أردوغان قوّض حكم القانون
أردوغان قوّض حكم القانون

وفي سلسلة من التغريدات على موقع تويتر بعد ظهور النتائج الليلة الماضية، هنأ أردوغان رئيس بلدية إسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو، وتعهد باستمرار التحالف مع حزب الحركة القومية، كما تعهد بالحرص على تعزيز المصالح التركية في الداخل والخارج. وأعلن أنه يعتزم زيارة الصين وأوروبا بعد قمة مجموعة العشرين المقررة في اليابان بعد أيام.

ومن المتوقع أن يلتقي الرئيس أردوغان نظيره الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة العشرين، وسيحاول كسب ودّه لتهدئة التوترات المتصاعدة بين بلديهما، وسيسعى لإقناعه بتمرير صفقة شراء منظومة الصواريخ الروسية إس-400، وعدم فرض عقوبات على تركيا جراء ذلك.

ويدرك أردوغان أن كثيرين يرون أن رفضه الاعتراف بالهزيمة في الانتخابات الأولى التي جرت نهاية مارس قوّض حكم القانون في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد، وأنّ إرغامه المجلس الأعلى للانتخابات بإلغاء نتائج انتخابات 31 مارس، وإعادتها في 23 يونيو، كان تعدّياً على القانون، واستخفافاً بآراء الناس وأصواتهم وخيارهم في إسطنبول.

ويحاول أردوغان الإيحاء أنّه سيمضي في طريق إنجاز المشروعات الكبرى التي وعد بها، من خلال تأكيده على أنهم سيظلون يعملون نحو تحقيق أهدافهم لعام 2023 بدون تقديم تنازلات بالنسبة للديمقراطية، وحكم القانون، وسلام واستقرار بلادهم تمشيا مع مبادئ تحالف الشعب. في إشارة إلى تحالفه مع دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية، وهو التحالف الذي يحتاجه للاحتفاظ بالسلطة حتى الاحتفال عام 2023 بمرور 100 عام على تأسيس الجمهورية التركية.

وعلى الرغم من أن عدداً من المراقبين يرون أنه من المبكر كتابة النعي السياسي للرئيس التركي بعد الفوز غير المسبوق لممثل المعارضة في جولة الإعادة لانتخاب رئيس بلدية إسطنبول،  إلّا أن الأمر شكّل إرباكاً وإنذاراً لحزب العدالة والتنمية الذي يعتقد أن خسارته لمنصب العمدة القوي لأكبر مدينة تركية، والتي تعد القلب الاقتصادي للبلاد لأول مرة في مارس الماضي أمرا لم يكن ليطرأ على ذهن أحد، فإن الهزيمة الثانية للحزب بدت بعيدة الاحتمال، وقاصمة للظهر.

ومن المؤكّد أن أردوغان سيتحمل تبعات هذه الهزيمة التي تعتبر أكبر نكسة له ولحزبه خلال 16 عاما من حكمه، وما المرشح الذي خسر هذه الانتخابات البلدية؛ رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم إلا ضحية في هذه النكسة، ووجهاً يذكر أردوغان بالهزيمة المريرة القاهرة.

ولم يخسر أردوغان أية انتخابات منذ أن تولى حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002، وعلى الرغم من أن سكان إسطنبول لم يصوتوا على شعبية أردوغان، فإنهم سجلوا احتجاجاتهم ضده وضد سياسات حزبه في صناديق الاقتراع. واعتبر كثير من السياسيين داخل حزب العدالة والتنمية أن قرار الإجبار على إعادة الانتخابات في إسطنبول يمثل كارثة، لأن هذه المقامرة لم تحقق نفعا. وهذه النتيجة يمكن أن تغذي الشعور بالقلق بين أعضاء حزب أردوغان وأيضا خصومه، بأن حياته السياسية أصبحت الآن تسير نحو انحدار لا يمكن الرجوع عنه.