هل أصبحت تركيا وطنًا للجهل والعنصرية

بدأت التدابير، التي اتخذتها الدول للتصدي لفيروس كورونا، تنعكس تدريجياً على الشارع والحياة اليومية للمواطنين. وعلى الرغم من عدم وجود تدابير حجر صحي صارمة، كما هو الحال في إيطاليا، فقد خلت الشوارع والساحات والمقاهي والمطاعم من مرتاديها. من ناحية أخرى، عمّ الهدوء دولاً أخرى، ولم نشهد بها هذه الهستيريا الاجتماعية المحمومة، أو الذعر، الذي رأيناه في الكثير من الدول الأخرى. حرصت تلك الدول على ترك الأسواق مفتوحة؛ فجميع المنتجات، باستثناء "الجل" والكحول المطهر، متاحة بسهولة. لا يوجد نقص (على الأقل في الوقت الحالي) في ورق التواليت، الذي أصبح رمزًا للأزمة.

وبوصفي واحداً من ملايين آخرين؛ يضطرون للبقاء في المنزل، فأنا أشعر بأنني محظوظ نسبيًا؛ إذ إنني، على الأقل، لستُ في دائرة المخاطر؛ لأني لستُ أحد اللاجئين، الذين تكدسوا على الحدود التركية اليونانية، كما أنني ميسور الحال، ويمكنني تلبية كافة احتياجاتي بسهولة. وإذا اشتد الأمر بي يمكنني إجراء كافة الفحوصات اللازمة عبر الاتصال برقم من هاتفي الخاص.

ولعل وضعي هذا قد جعل لدي رفاهية التفكير؛ لأتابع ما يدور في العالم، وفي تركيا، وأُميِّز جوانب القوة وجوانب الضعف في تعامل المجتمعات والأفراد بصفة عامة حيال هذه الأزمة. 

فمن ناحية، تجدونني أستمع إلى الأغاني، التي يغنيها الناس في شرفات المنازل في إيطاليا؛ ليشد بعضهم أزر بعض، وحتى يحافظوا على معنوياتهم مرتفعة، وهم في الحجر الصحي، وأحاول، من ناحية أخرى، أن أفهم كيف يمكن لدولة مثل تركيا، التي تمثل فيها الفئة العمرية، التي تبلغ من العمر 65 عامًا، وفقًا للبيانات الرسمية، 8.8% من جملة عدد السكان فيها، أو بتعبير آخر، كيف يمكن لدولة يبلغ عدد سكانها الأكثر عرضةً لخطر الإصابة بفيروس كورونا 7 ملايين و186 ألفاً و204 نسمة، أن تنشر بيانات كاذبة بهذا الشكل.

تراودني أسئلة بهذا الشكل..

كيف نتصور أن يظل عدد الإصابات بفيروس كورونا في تركيا ضئيلاً بهذا الشكل، في بلد لم يضع أية محاذير على السفر إلى أي من البلدان، في الوقت، الذي سجلت فيه البلدان الأخرى مئات الحالات المصابة؟ لماذا تصر المؤسسات الإخبارية، التي توصف بأنها "مستقلة"، والتي لا تأخذ، في الغالب، ما يرد في وسائل الإعلام الحكومية على محمل الجد، على ترديد هذه الكذبة أيضاً؟ لماذا يؤمن الصحفيون وقادة الرأي والعلماء، الذين كانوا يشككون في كل كلمة، وكل عمل تقوم به الحكومة، بالبيانات الصادرة عن وزارة الصحة في هذا الصدد؟ 

كيف يمكن لشخص وضعوا قبل اسمه لقب أخصائي في علم وظائف الأعضاء أن يتنقل بين قنوات التلفاز، ويدعي في كل لقاء يجريه أن الاختلاف الجيني جعل نسبة الإصابة بالفيروس في العرق الأسيوي أكبر منها لدى الدول الأخرى؟ أي نوع من الجهل هذا، الذي جعله يتشدف بمثل هذا الهراء؟!

"تنحصر منطقة انتشار فيروس كورونا حتى الآن في منطقة ووهان والمناطق المحيطة بها، أي في الصين. يتبع السكان في هذه المناطق أصلاً جينيا واحدًا؛ ولذلك فهم يشتركون في صفات واحدة مثل العرق الأصفر وقصر القامة. وتشير الدراسات، التي أجريت في هذا الصدد، إلى أن بروتين الفيروس يعلق بداخل الرئتين بكمية أكبر في العرق الآسيوي، على عكس العرق الأبيض والعرق الأسود، اللذين لا يحتفظان سوى بسدس بروتين الفيروس؛ لذلك، حتى إذا ظهرت الإصابة في هذين العرقين، فإنها ستكون طفيفة، ولن تستمر طويلاً. قد يأتي فيروس كورونا إلى تركيا، ولكنه حتماً لن يتحول إلى وباء، كما حدث في الصين. قد تظهر عشر حالات أو عشرين، لا نعرف. وعندما يحدث هذا فسنرى".

وسؤالي الآن: هل العرق أم الجهل هو الذي يخضع للعامل الوراثي؟!

تُرى هل هناك ثمة صلة جينية وراثية بين المحللين في قناة فوكس تي في، الذين زعموا أن فيروس كورونا سلاح بيولوجي قامت كوريا الشمالية بتخليقه؛ من أجل نشره في الولايات المتحدة، وعزل ترامب، وذلك العالم التركي المتخصص في علم وظائف الأعضاء؟ أم أنهم ينتمون إلى الرأسماليين الأتراك والأميركيين، الذين انتهزوا الأزمة، وبدأوا يبيعون منتجات مثل "الجِل" المطهر، والأقنعة الوقائية بأسعار فاحشة؟ أم أنهم مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، التي تقاوم عدم إلغاء الاحتفالات الدينية، والاجتماعات، التي تتطلب مشاركة جماعية، ورئاسة الشؤون الدينية في تركيا، التي تحذر المحتشدين لصلاة الجمعة من التجمع؟!

لا أعرف لماذا يذكَّرني هذا الأمر كذلك برواية ألبير كامو الرمزية "الطاعون"، التي نشرت عام 1947؛ فهي لا تحكي عن  مدينة ساحلية وقعت بين براثن وباء فحسب، ولكنها حملت رمزًا للاحتلال النازي، وكانت "مؤشرًا ملموسًا لقضية  ميتافيزيقية"، على حد قول كامو. إذن فالنقطة الأساسية هنا هي المشكلة الميتافيزيقية.

"ينجم الشر في العالم، في معظم الأحيان، عن الجهل وحسن النية بدون علم. وهما يسببان ضرراً لا يقل عن الضرر، الذي يسببه أصحاب النوايا السيئة.. المشكلة الحقيقية هي أن الناس بين جاهل بدرجة كبيرة وجاهل بدرجة صغيرة وهذا ما نطلق عليه أيضا اسم الفضيلة أو الشر. إن أفظع أنواع الأشرار هم الجاهلون، الذين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، وأن معرفتهم هذه تمنحهم الحق في القتل".

نعلم أنه لا يمكن إخفاء أمر فيروس كورونا لسنوات، ولكن ماذا عن الجهل والعنصرية؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/koronavirus/cehaletin-ve-irkciligin-vatani-var-midir-korona
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.