أحوال تركية
أغسطس 05 2019

هل بدأت منظومة الإسلام السياسيّ بالتفكّك في تركيا؟

هل وصل حزب العدالة والتنمية إلى نقطة النهاية وبدأ مسلسل الانهيار الذي يبدو وشيكاً؟ هل تكثّفت الجهود الرامية إلى إنشاء أحزاب منفصلة بسبب المخاوف من أن الحزب سيلحق الضرر قريباً بما يسمى بمصداقية التقاليد الإسلامية المحافظة في تركيا؟ هل بدأت منظومة الإسلام السياسي بالتفكّك في تركيا؟ هل بدأ تآكل المنظومة من داخلها وعلى أيدي الإسلاميين المتكالبين على السلطة؟

وبات من المعلوم أن خسارة بلدية إسطنبول، هزت صورة أردوغان، وساهمت إلى جانب الأزمة التي تعصف بالاقتصاد التركي بإعطاء الفرصة والعذر لقيادات حزب العدالة والتنمية السابقين، بالظهور من جديد والعودة إلى المسرح السياسي التركي، ولكن من بوابة أحزاب جديدة، ستكون الأشد منافسة وخطورة على الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه العدالة والتنمية.

ويبدو أن الأحزاب السياسية المتوقع أن يطلقها قريباً منشقون عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا باتت أكثر أهمية في أعقاب سلسلة الهزائم المفاجئة التي تكبدها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية هذا العام، بما في ذلك العاصمة أنقرة وأكبر مدينة في البلاد ومركزها المالي إسطنبول.

يشير محللون إلى أن العدالة والتنمية نفسه تشكل من خلال الانفصال، تم إنشاؤه عام 2001 بعد أن قطعت جماعة يقودها أردوغان وغول وبولنت أرينج العلاقات مع رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان لاتباع شكل أكثر اعتدالاً من الميول الإسلامية. بعد 18 عاماً، قال رئيس الوزراء السابق أردوغان إن باباجان يقسم الإسلاميين في تركيا بالاستقالة من حزب العدالة والتنمية.

أشارت تقارير إلى أن علي باباجان، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية ونائب رئيس الوزراء السابق والذي يُعزى إليه الفضل في النجاحات الاقتصادية التي تحققت في السنوات الأولى لحزب العدالة والتنمية، يمهد الطريق لحزب جديد مع الرئيس السابق عبد الله غول. وكان باباجان الذي استقال من الحزب الشهر الماضي أعلن بأنّ الاختلافات في القيم والمبادئ تجعل من المستحيل عليه الاستمرار في الحزب. وقال إن تركيا بحاجة إلى رؤية جديدة يتم وضعها بالتشاور مع الجماعات المختلفة.

وفي السابق، انتقد أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق، الرئيس أردوغان علناً في خطاب نشر على موقع فيسبوك بعد الأداء الضعيف للحزب في الانتخابات المحلية التي جرت في الحادي والثلاثين من مارس. ولاحقاً، قال داود أوغلو إنه سيواصل التعبير عن مخاوفه لكنه سيظل عضواً في الحزب، مضيفاً أن الاستقالة من الحزب ستكون الملاذ الأخير.

وشجعت الهزيمة في أكبر مدينة تركية المنتقدين داخل حزب العدالة والتنمية بعد أن ظلوا لسنوات يلمحون إلى خطط لتشكيل حزب جديد. وكل هذه المتغيرات دفعت الرئيس التركي إلى التعليق على احتمالات ظهور أحزاب جديدة من داخل العدالة والتنمية، حيث قال، إن هذه الأحزاب مصيرها الزوال كما الأحزاب الأخرى التي ظهرت سابقا. 

تركيا بحاجة إلى خطاب سياسي جديد
تركيا بحاجة إلى خطاب سياسي جديد

ولا يخفى أن أردوغان سيحارب كل ما يرى فيه تهديدا للهيمنة التي يجسدها، وقال أردوغان: "يُحكى هنا وهناك أنهم يعتزمون تشكيل أحزاب جديدة، لا تلقو لهم بالا، سيزولون كما زالت الأحزاب الأخرى التي شكلها أشخاص انشقوا عن العدالة والتنمية". وتابع أردوغان قائلا: "الجميع يعلم مصير تلك الأحزاب التي تشكلت في السابق، اليوم لم يعد أحد يتذكر أسماء هؤلاء الذين تركوا العدالة والتنمية وشكلوا أحزاب جديدة، وهؤلاء أيضا سيدفعون ثمن الطعن من الخلف باهظا".

وأدلى عمدة إسطنبول الجديد أيضًا بدلوه فيما يتعلق بالخطط المرتقبة لتشكيل حركة سياسية جديدة بقيادة نائب رئيس الوزراء السابق المسؤول عن الاقتصاد، علي باباجان. وقال إمام أوغلو إن تركيا بحاجة إلى خطاب سياسي جديد وأنه يأمل في العمل مع الحزب الجديد للوصول إلى سياسات من شأنها أن تفيد البلاد. وقال إمام أوغلو: "نرى عن كثب أن الهويات الفردية تسبب أضرارا أكبر من توفير المنفعة". كما أكد على أهمية ما وصفه بمواقف حازمة في السياسة. وقال: "المواقف المحددة مهمة للغاية في السياسة. من المهم للغاية ألا يتراجعوا إذا كانوا يؤمنون بشيء ما. تركيا بحاجة إلى مواقف حازمة."

وكانت الهزيمة التي مُني بها حزب العدالة والتنمية في إعادة الانتخابات على منصب عمدة إسطنبول الشهر الماضي نقطة حرجة في تاريخ الحزب السياسي. وقد تكون استقالة باباجان نقطة أخرى حرجة. فبينما ما زال مجتمع الأعمال في تركيا والخارج قلقاً بشأن هشاشة اقتصاد تركيا، قد يحظى باباجان بدعم الكثير من اللاعبين في الداخل والخارج. وقد يؤدي ذلك إلى تغيير الكثير من المعادلات. فباباجان يحقق تطلعات من يريدون لاقتصاد تركيا أن يعود إلى مساره الصحيح وأن يُدار وفقاً لقواعد اللعبة. أما بالنسبة لداوود أوغلو، فإن مؤيديه المحتملين هم من يحلمون بتركيا قوية تضطلع بقيادة العالم الإسلامي، الذي يرون أنه يعاني من الفوضى.

وعلى الرغم من أنه من غير المرجّح أن يستحوذ أي من باباجان وداوود أوغلو على مؤيدي الآخر. لكن كلما زاد تفتت المعارضة، كانت فرصتها أقل في تجاوز عتبة العشرة في المئة الانتخابية، اللازمة للحصول على تمثيل في البرلمان.

ويلفت محللون أتراك إلى أن تركيا تعاني من مشاكل أكثر تعقيداً من تلك التي كانت في الوقت الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. فهي تواجه مشاكل تؤثر على بقائها أو زوالها بالمعنى الحقيقي. أما الحزب الحاكم فلا يرسل أي إشارات تدل على أنه ما زال قادرًا على حل تلك المشاكل، بل إنه ينتقل من أزمة إلى أخرى قبل انتهاء الأولى. حتى إن النظام الرئاسي الجديد الذي تم تشريعه بدعوى أنه سيساعد على حل المشاكل بشكل أسرع وأسهل بدأ يتحول إلى مشكلة بحد ذاته. لذا فإن التوقيت يبدو مناسبًا أيضًا.

ولا يكون التفكك الذي يهدد العدالة والتنمية قادماً من عناصر قيادية متذمرة فيه، بل هناك تفكك وتآكل على نطاق داخلي أوسع لم طف على السطح بشكل علني بعد، ويؤكد محللون أنه في قلب حزب العدالة والتنمية حاليًا هناك ثلاث مجموعات تتنافس بعضها مع بعض: أولها: فريق بيرات البيرق ومَن يدعمونه، وثانيها: فريق سليمان صويلو الذي يعتبر بيرات البيرق أكبر منافس له، أما ثالثها: فهو فريق مدارس الأناضول للأئمة والخطباء في كرتال الذي يقوده بلال أردوغان. وأنّ هذه المجموعات الثلاث تقاتل بعضها بعضًا لأجل السلطة والمناصب والقوة.

يصف رفاق أردوغان القدامى أن قيام نظام الرجل الواحد، وانتهاء مبدأ الفصل بين السلطات، الذي ظل مجرد حبر على ورق لفترة طويلة، شكّل بداية النهاية للحزب كمؤسسة، وقضى على أية فرصة من أجل إصلاحه أو إعادة هيكليته، وأصبح الرئيس هو المتحكم الأوحد بمفاصله ومفاصل الدولة، وأقصى المختلفين معه بذرائع مختلفة.