هل بلغت نسبة البطالة في تركيا 22% حقاً ؟!

نشرت مؤسسة الإحصاء التركية، بعد تأخر ما يقرب من ثلاثة أشهر، تقريرها الشهري عن وضع قوة العمل والبطالة في تركيا. ويتناول التقرير المذكور وضع سوق العمل خلال شهر فبراير 2019.
وبصفة عامة، تكتسب التقارير التي تعطي بيانات عن القوى العاملة، ونسبة البطالة في بلد ما، أهمية كبيرة؛ إذ يسترشد بها رجال الاقتصاد وعلماء الاجتماع على حدّ سواء.
يبلغ عدد المواطنين في تركيا ممن هم في الخامسة عشرة فما أعلى 61 مليون نسمة. وهذا يعني أن عدد السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا يقارب عشرين مليونًا. وتحظى هذه الفئة باهتمام المعلمين والتربويين بوجه خاص.
ويشتغل ما لا يقل عن 27.4 مليون فرد من إجمالي 61 مليوناً السابقة في مجال الزراعة، وفي مجالات أخرى بعيدة عنها (النسب المذكورة هنا نسب تقريبية، أما النسب الأكثر دقة فهي موجودة في الجدول أدناه).
وبصفة عامة، تبلغ أعداد العاطلين عن العمل وفق ما جاء في نشرة مؤسسة الإحصاء التركية 4.7 مليون شخص. وقد أظهر تقرير المؤسسة أيضاً أن 15% من إجمالي القوى العاملة خلال عام 2019 لا تزال تعمل في مجال الزراعة، وتشكل هذه النسبة مشكلة كبيرة بالنسبة لدولة متقدمة.
وبجمع أعداد الأيدي العاملة (27.4 مليون) إلى أعداد العاطلين (4.7 مليون) يكون الناتج (32 مليون)، وهو العدد الفعلي لقوة العمل (من هم في سن العمل) في تركيا. وبالنظر إلى أعداد العاطلين (4.7 مليون)، مقارنة بإجمالي قوة العمل (32 مليون) يتضح أنهم يشكلون 14.7% منها.
ومع هذا، فلدي العديد من الاعتراضات على هذه النسب، سأعرض لها بعد قليل.
الموضوع الثاني الذي عرض له الجدول، والذي لا يقل أهمية عن موضوع نسبة البطالة، هو الفئة السكانية التي لا تُصنف ضمن القوة العاملة؛ إذ توضح البيانات أن 32 مليوناً من إجمالي 61 مليون، يتألفون من الفئة العمرية في سن 15 عاماً فما أعلى، يشكلون القوة العاملة في تركيا. وتتوزع هذه الفئة بدورها من شريحة العاملين (من يشتغلون في وظيفة بالفعل)، ويشكلون 27.4 مليون فرد، وأشخاص يبحثون عن عمل ويشكلون 27.4 مليون فرد.
وبطرح أعداد القوى العاملة (32 مليون) من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم 61 مليون (ممن هم في سن الخامسة عشرة فما أعلى)، يتضح لنا أن عدد السكان الذين لا يدخلون ضمن القوى العاملة هو 29 مليون نسمة بنسبة 52.5%.
أو بقول آخر، إن ما يقرب من نصف عدد السكان في سن 15 عاماً فما فوق (47.5%) لا يمكن عدَّهم؛ سواء بين الذين يمارسون أعمالاً فعلية أو بين الذين يبحثون عن عمل. وهذا أمر مثير للاهتمام، خاصة وأن نسبة 47.5% هي بالفعل نسبة مرتفعة للغاية بالنسبة لبلد مثل تركيا.
لا ينكر أحد أن هناك أعداداً لا تصنف ضمن القوى العاملة في الدول الغربية  كذلك؛ أي لا يعملون ولا يبحثون عن عمل، ولكن علينا ألا ننسى كذلك أن نسبة هؤلاء غالباً ما تتراوح بين 25 -30% ولا تتخطاها.
ومن ناحية أخرى، كان التوزيع الداخلي ﻟﻟ 29 مليوناً، التي لم يتم تضمينها داخل قوة العمل، من الأمور المثيرة للاهتمام  كذلك؛ لأن هذا العدد لم يُذكر في الجدول صراحة، وإن كان من الممكن الوصول إليه من خلال موقع مؤسسة الإحصاء التركية نفسها. وفي رأيي، إن هذا الرقم قد يغير حساب البطالة في تركيا إلى حدٍ بعيد؛ فبين هذه الشريحة فئة يمكن أن نُطلق عليها مسمى "فئة المنشغلات بالأعمال المنزلية"، وكلهن من النساء وربات البيوت، ولا يقل أعدادهن عن 11.2 مليون شخص. ولا بد أن تسترعي هذه النسبة أيضاً اهتمام علماء الاجتماع في تركيا على وجه الخصوص.
وهناك أيضاً شريحة المتقاعدين، وعددها 4.8 مليون فرد، والتي يمكن عدَّها في شريحة السكان غير المحسوبين ضمن قوة العمل (29 مليون شخص). ونحن نعلم أن عدد المتقاعدين في تركيا يزيد عن عشرة ملايين شخص. وهذا يعني أن ما يقرب من نصف المتقاعدين لا يزالون يزاولون أعمالاً إلى الآن. وهذه ملحوظة مهمة يجب أن تؤخذ في الاعتبار كذلك.
هناك أيضًا 4.6 مليون طالب فوق سن 15 عاماً. وهم أيضاً ليسوا ضمن قوة العمل، وهو أمر طبيعي للغاية.
حتى الآن لا توجد علاقة بين القيم التي ذكرتها وموضوع نسبة البطالة، ولكن المعلومات التالية ستسهم بشكل أكبر في نقل الصورة كاملة عن معدلات البطالة في تركيا.
أودّ أن أقول للمرة الثانية إن المسؤولين في مؤسسة الإحصاء التركية قد عدُّوا الأشخاص الذين يبحثون عن عمل في فئة العاطلين عن العمل، في حين أغفلوا إدراج أعداد الذين لا يبحثون عن عمل إلى قائمة العاطلين، وهو أمر يثير الجدل بشكل كبير حول حقيقة معدل البطالة في تركيا.
ووفقاً للبيانات المنشورة على موقع مؤسسة الإحصاء التركية، فهناك 2.4 مليون شخص أوضحوا أنهم لا يبحثون عن عمل، ولكنهم أبدوا استعدادهم - في الوقت نفسه - للعمل حال توفر الفرصة الملائمة.
وتشير البيانات نفسها إلى وجود621 ألف شخص قد سئموا من البحث عن عمل، وتذكر الإحصاءات هذه الفئة تحت اسم "أشخاص يأسوا من الحصول على فرص عمل".
وعلى الرغم من أن العدد الإجمالي لهاتين الفئتين (2.4 مليون بالإضافة إلى 621 ألف شخص) يتخطى ثلاثة ملايين، إلا أن إدارة مؤسسة الإحصاء أبت أن تدرجهم ضمن فئة العاطلين عن العمل.  
وبالإضافة إلى ذلك، توجد فئات أخرى، مثل فئة الطلاب، وفئة ربات البيوت، التي لا يقل عددها عن 1.8 مليون فرد، لا تعمل، ومستمرة في حياتها بوضعها الحالي. وعلى الرغم من أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى العمل على المدى القصير، إلا أنهم أبدوا استعدادهم أيضاً للعمل  إذا وجدوا فرصة مناسبة. ومع هذا، فلن أضع هذه الفئة ضمن فئة العاطلين عن العمل.
وإذا قمنا بتضمين المجموعة الأولى (2.4 مليون مضافاً إليها 621 ألف و1.8 مليون) في فئة العاطلين عن العمل، نجد أنفسنا أمام فئة جديدة (4.7 مليون) تساوي تقريبًا العدد الرسمي المعلن للعاطلين عن العمل (4.8 مليون).
وحتى إذا لم نقم، تحت أية ذريعة، بتضمين المجموعة الأخيرة التي يبلغ عددها 1.8 مليون فرد إلى فئة العاطلين عن العمل، فلن يكون من السهل توجيه النقد المنهجي الجاد لإدراج الفئة الثانية التي يبلغ عددها ثلاثة ملايين فرد (2.4 مليون بالإضافة إلى 621) إلى فئة العاطلين عن العمل.
دعونا ننظر الآن إلى أي مدى يمكن أن يرتفع معدل البطالة بهذه الطريقة؛ فإذا قمنا بإدراج الملايين الثلاثة من الأفراد، الذين نحن بصدد الحديث عنهم، إلى قوة العمل، أي أننا إذا وضعنا الذين يبحثون عن عمل ضمن فئة العاطلين، فإن حجم قوة العمل سيرتفع حينها إلى 35 مليون شخص (32 مليوناً مضافاً إليها 3 ملايين) ، وفي المقابل سينخفض عدد العاطلين عن العمل إلى 7.7 مليون شخص (4.7 مليون مضافاً إليها 3 ملايين).
وبحساب أعداد العاطلين عن العمل، مقارنة بقوة العمل، نجد أن نسبة البطالة سترتفع إلى 22% دفعة واحدة، في حين أن المعدل الرسمي المعلن لا يتخطى 14.7% فقط.
ومن الطبيعي أن يتوقف استخدام أيّ من هاتين النسبتين - في الأساس - على الموقف السياسي الراهن في البلاد، والذي سيميل بالتأكيد إلى جعل نسبة البطالة تبدو أقل من معدلها الطبيعي.
ربما لا يكون لنسبة 22% تلك أي معنى بالنسبة لهم. دعونا نتذكر هذا جيدًا...
كنا نتمنى أن نستطيع التحقق من معدلات البطالة من واقع ملفات الضرائب والضمان الاجتماعي كذلك، ولكننا سنظل نتابع هذه النقطة عن كثب ولن نتركها..
 

هل بلغت نسبة البطالة في تركيا 22% حقاً ؟!
المصدر: الإحصاء الصادر في فبراير 2019 عن مؤسسة الإحصاء التركية بخصوص القوى العاملة في تركيا.

هذا المقال يعكس آراء المؤلف، وليس بالضرورة أن يكون متوافقًا مع سياسة التحرير في موقع " أحوال تركية".

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/issizlik/issizlik-orani-yuzde-22mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.