هل كان غزو تركيا لشمال سوريا لا مفر منه

قال مسؤولون في إقليم كردستان العراق في الآونة الأخيرة إن تركيا ربّما لم تكن لتنفّذ هجومها ضد القوات التي يقودها الأكراد في شمال شرقي سوريا، لو أن فصيلاً مرتبطاً بحزب العمال الكردستاني لم يكن هو القوة المهيمنة هناك.

وقال نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، إن العملية التركية في شمال شرقي سوريا ضد القوات التي يقودها الأكراد جاءت نتيجة لمحاولات حزب العمال الكردستاني كسب الشرعية في تلك المنطقة.

وتُصَنِّف أنقرة حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، وترى أنه أحد التهديدات الأمنية الرئيسة التي تواجهها البلاد. وحزب العمال الكردستاني جماعة مسلحة تخوض قتالاً من أجل حكم ذاتي كردي في تركيا منذ عام 1984. وعندما أطلقت الحكومة التركية عمليتها العابرة للحدود في التاسع من أكتوبر، قالت إنها تسعى إلى تطهير الحدود التركية من الإرهابيين.

وقال بارزاني في منتدى لمؤسسة الشرق الأوسط للبحوث في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في الخامس من نوفمبر إن "مشكلة تركيا في البداية لم تكن الأكراد في سوريا، وإنّما كانت حزب العمّال الكردستاني... لقد كانوا واضحين عندما قالوا: لا يمكننا تحمُّل رؤية راية حزب العمّال الكردستاني على حدودنا مع سوريا".

أضاف "المشكلة الأكبر هي أن حزب العمال الكردستاني حاول الحصول على شرعيّته على حساب أكراد سوريا... ما عانى منه الأكراد في النهاية جاء نتيجة للسياسة الخاطئة التي اتبعوها".

وتأسس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري في الأساس كذراع سوري لحزب العمال الكردستاني في عام 2003. وبعد أن حصلت المناطق الكردية في سوريا على استقلال ذاتي بحكم الأمر الواقع في عام 2012، برز حزب الاتحاد الديمقراطي كقوة مهيمنة في تلك المناطق.

ووحدات حماية الشعب، الذراع المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي، هي المُكوّن الأكبر في قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت القوة الرئيسة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، إلى جانب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وقال سفين محسن دزيي، مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في إقليم كردستان العراق، كلاماً مشابهاً لما ذكره بارزاني خلال فعالية أُقيمت في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في 20 نوفمبر. وجاء في تصريحات محسن أن "حزب الاتحاد الديمقراطي تأسس ليتحرك بنفسه، لا لكي يسمح لأحزاب سياسية كردية أخرى بالعمل في المنطقة".

ووفقاً لدزيي فإن "الأمور بدأت تأخذ اتجّاهاً آخر عندما جاء حزب العمال الكردستاني إلى المشهد وفرض نفوذه على الأكراد في سوريا". وقال إن هذا أدى في النهاية إلى العملية العابرة للحدود التي نفذتها تركيا.

وأيدت حكومة إقليم كردستان العراق المجلس الوطني الكردي في شمال شرقي سوريا، ودرّبت قوة كردية سورية مقاتلة تسمى بيشمركة روج آفا.

لكن حزب الاتحاد الديمقراطي ضيّق الخناق على أنشطة المجلس الوطني الكردي في شمال شرقي سوريا، ومنع بيشمركة روج آفا من الدخول إلى المنطقة، تاركاً إيّاهم عالقين في إقليم كردستان العراق.

ويرجّح بارزاني ودزيي أن تركيا ربما لم تكن لتشعر بأنها مضطرة للغزو، لو أن المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي تقاسما السلطة في كردستان سوريا. لكن آخرين يقولون إن أنقرة لا تتهاون أبدا بشأن وجود أي إقليم كردي يتمتع بالحكم الذاتي على حدود البلاد، على الأقل منذ انهيار عملية السلام بين حكومة حزب العدالة والتنمية التركي وحزب العمّال الكردستاني في صيف 2015.

وقال ديفيد بالوك، زميل برنشتاين في معهد واشنطن، لموقع أحوال تركية "رأيي الشخصي هو أن التوجه التركي، منذ أواخر عام 2015، هو على الأرجح عدم التهاون بشأن وجود أي سلطة كردية ذاتية الحكم على الحدود السورية يكون فيها أي مكون من مكونات حزب الاتحاد الديمقراطي – لذا، حتى لو أن حزب الاتحاد الديمقراطي التزم باتفاقيات لتقاسم السلطة مع المجلس الوطني الكردي، فإن ذلك ربّما لم يكن ليهدئ أنقرة".

وحدد بالوك أربعة عوامل بحاجة إلى وضعها في الاعتبار.

وقال إن "حزب الاتحاد الديمقراطي لم يف بالالتزامات التي قطعها على نفسه في عام 2012 (في إطار اتفاق أربيل) بعدم مهاجمة تركيا، وبعدم تقديم دعم منظّم للهجمات التي ينفذها حزب العمال الكردستاني داخل تركيا بشكل مباشر".

أضاف أن أنقرة "تفاوضت مع حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب وتعاونت معهما من عام 2012 إلى أواخر 2015، ومن ثم فإنها تُفرّق بينهما وبين إرهابيّ حزب العمّال الكردستاني".

أيضاً كان حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب "لا يمانعان في السماح لتركيا بتأسيس شريط ضيق عازل داخل سوريا في سبتمبر/أكتوبر من العام الجاري، لكن تركيا نفّذت غزوها على أي حال".

وأشار بالوك إلى أنه على مدى العامين الأخيرين، كان حزب الاتحاد الديمقراطي "يتقاسم السلطة الحقيقية بشكل مطّرد مع غيره من الأطراف المحلية في سوريا، سواء كانوا من الأكراد أو العرب أو الآشوريين والأقليات المختلفة، في صفوف قوات سوريا الديمقراطية والمجالس المدنية".

وأردف قائلاً إن "تركيا، لا حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، هي من تحمل المسؤولية الرئيسة عن الموقف الحالي".

ويرى مصطفى غوربوز، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن، أن "مسار سياسة سنجار" في شمالي العراق يعطي بعض الإشارات على الوضع الذي ربما كانت ستصبح عليه استراتيجية تركيا "في ظل مثل تلك الأوضاع".

وقال غوربوز لموقع أحوال تركية إن "تركيا كانت ستضغط على الأحزاب الكردية لاتخاذ موقف قوي ضد الأطراف المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وتنتهج سياسة احتواء".

وبعد أن أنقذ حزب العمال الكردستاني آلاف اليزيديين في سنجار من مذبحة إبادة جماعية على يد تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، أسس الحزب موطئ قدم له بالوكالة إلى جانب القوة اليزيدية هناك، وحدات مقاومة سنجار. وضغطت تركيا على بغداد وأربيل من أجل إزاحة المجموعة، بل وحتى نفّذت ضربات جوية في المنطقة.

وقال غوربوز "مقارنة مع السياق العراقي، فإن السياق الكردي السوري يشكل مزيداً من التحديات لمنظور الأمن التركي".

أضاف أن هذا بسبب أن "التجنيد لصالح حزب العمال الكردستاني ظل قويّاً لزمن طويل بين أكراد سوريا، الذين عانوا طويلاً تحت حكم النظام السوري، والذي حرمهم حتى من حقوق المواطنة الأساسية".

بالإضافة إلى ذلك، فإن غوربوز ذكر أن العلاقات بين أكراد سوريا وتركيا "أكثر قوة بسبب اللغة وصلات القرابة التي تربطهم ببعضهم البعض" مقارنة مع العلاقات التي تربط أكراد العراق بأكراد تركيا.

وقال إن تركيا بالتالي "تخشى من امتداد أثر الحكم الذاتي الكردي في سوريا".

"يجب ألا ننسى أن إقليم كردستان العراق رفع أيضاً رايات حمراء للجيش التركي في البداية لأسباب مشابهة... صعود حزب العدالة والتنمية من خلال نهج ارتباط اقتصادي غيّر آليات تلك العلاقات بمرور الزمن.

"لو أن عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني لقيت دعماً، لكانت الآليات الحالية اختلفت كثيراً".

اختتم حديثه بالقول بأن تركيا ربما كانت ستقبل بكيان كردي سوري "يضم عدة أحزاب، بما في ذلك حزب الاتحاد الديمقراطي، على أمل السيطرة على الأطراف المسلحة التابعة لحزب العمّال الكردستاني".

ويرى عبدالله حافظ، وهو محلل متخصص في الشأن الكردي، أن "تركيا كانت ستواجه صعوبة أكبر في تبرير غزو شمالي سوريا، لو أن أحزاباً كردية أخرى – مثل المجلس الوطني الكردي – كانت جزءاً من النظام".

وقال لموقع أحوال تركية "أعتقد أنه لو كان أكراد آخرون جزءاً من المنظومة في شمال سوريا، ولو أن حزب الاتحاد الديمقراطي لم يجرؤ على القول بأنه سينفذ رؤية (مؤسس حزب العمال الكردستاني عبدالله) أوجلان للكونفيدرالية الديمقراطية، لكانت الأمور ستصبح مختلفة، ولكانت تركيا واجهت مزيداً من الصعوبات في تبرير الغزو والادعاء بأنه ضد حزب العمال الكردستاني فقط، وليس ضد جميع الأكراد".

على الرغم من ذلك، فإنه يعتقد أنه "ليس هناك ما يضمن أن تركيا لم تكن لتجد مبرراً في شكل آخر لمهاجمة شمالي سوريا... أعتقد أنه كان سيصبح من الصعب للغاية على تركيا أن تقبل بوجود كيان كردي آخر على حدودها الجنوبية".

هذا لأن الأكراد كانوا قد اقتربوا من السيطرة "على الحدود السورية مع تركيا بالكامل، ليقطعوا بذلك كل ما يربط الأراضي التركية بالعالم العربي".

ويرى حافظ أن "اتفاقاً لتقاسم السلطة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، يشبه الاتفاق المبرم بين الحزبين الرئيسين في إقليم كردستان العراق، ربما كانت سلبياته ستصبح أكثر من إيجابياته".

وقال أيضاً إنه بينما كان جزءاً من نقاط بارزاني صحيحاً، فإن طرحها الآن "في الوقت الذي تواجه فيها تركيا انتقادات عالمية، يضر بالادعاء الكردي بأن تركيا تهاجم الأكراد جميعاً، وليس فقط كياناً مرتبطاً بحزب العمال الكردستاني.

أضاف "لو أن اتفاق تقاسم السلطة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي جرى تنفيذه، لكانت زادت صعوبة تبرير تركيا للغزو... كانت حكومة إقليم كردستان العراق ستستخدم حينها قنواتها الديمقراطية بقوة للحيلولة دون مثل هذا الهجوم".

لكن حافظ اختتم حديثه بالقول بأنه "في النهاية، كانت تركيا ستهاجم على أي حال الشمال السوري إذا كان الأكراد يديرونه".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/operation-peace-spring/was-turkeys-invasion-northern-syria-inevitable
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.