هل لا يزال في القضية الكردية دماء أخرى نحتاج لإراقتها؟

 

ما المشكلة؟ تبحث في القواميس، فتجد تعريفات مختلفة لكلمة "القضية". يصفها البعض بأنها الأمر الذي يحتاج حلاً، أو الشيء الصعب.
يمكن كذلك أن نطلق عليها لفظ "مشكلة". لكن مشكلة من؟ وما الأمر بالضبط؟ هل المشكلة سياسية أم اجتماعية أم دبلوماسية أم إنسانية أم عرضاً اجتماعيا يتكرر؟ أم تفجيراً من عمل الإرهاب؟
ولعلّ السؤال الأهم هنا هو: هل البيئة مهيئة للحديث عن هذا الأمر؟
حين تتعامل مع حدث ما من بعد تاريخي، يمكنك أن تفهم وجود محظورات تتعلق به. بل ومن الممكن أن تفهم من أين بدأت المشكلة.
لقد انتهت الإمبراطورية العثمانية في حقبة كانت الإمبراطوريات فيها تتهاوى. ومع خروج مثل هذه الكيانات السياسية الكبرى من الساحة، برز في العالم نحو مئتي دولة وطنية.
رأينا هذا في أميركا الجنوبية والوسطى والشمالية. شهدناه أيضا في أفريقيا والشرق الأوسط والشرق الأقصى وفي دول البلقان.
ولعلنا نفهم أكثر لو قرأنا المشهد بطريقة معكوسة، لنجد أن الإمبراطوريات انهارت بسبب ظهور الدول الوطنية.
لا نملك سوى أن نقبل بهذا التطور، سواء أحزننا أو أسعدنا. لا سبيل لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، فليس بيد أحدنا عصا سحرية لإعادة إنشاء إمبراطوريات.
لكن ما يملكه البشر هو القدرة على التقدم للأمام. فعلى سبيل المثال، يمكن للشعوب إقامة "تكتلات بكامل إرادتها واختيارها". ليس بقوة السلاح أو القهر، تكتلات تحتفظ فيها الشعوب بحق الخروج حين تشاء.
ولدينا في الاتحاد الأوروبي خير مثال.
البديل الآخر هو الدول الوطنية التقليدية، لكنّ ذلك يحمل للدول الوطنية "المرشحة" مشكلة مزدوجة. فإنشاء دول وطنية يعني ببساطة إضعاف أخرى وإنشاء تكتل سياسي أوسع. ويتسبب هذا في خلق مقاومة، وهذه هي أولى المشكلات.
لنأخذ الإمبراطورية العثمانية مثالا ولنرى كيف نشأت خمس وعشرون دولة مكانها. لقد عانت الإمبراطورية العثمانية الأمرّين لدرء خطر انفصال أيّ كيانٍ عن مشروعها.
لقد أريقت أنهار من الدماء، وفشلت رغم ذلك في منع عجلة التاريخ من التقدم. في الواقع، عجزت الإمبراطورية العثمانية عن منع إقامة كيانات وطنية. لكنّ تلك الدول الناشئة دفعت أثماناً باهظة.
هناك إمبراطوريات امتلكت القدرة على قراءة المستقبل، منها بريطانيا على سبيل المثال، التي قاومت التفكك في البداية، لكنها سرعان ما استسلمت ومنحت تلك المجتمعات الحق في إنشاء دول وطنية.
لقد وضعت تلك الأطراف أسساً للتعاون فيما بينها بطريقة عادت بالنفع على الجميع.
المشكلة الثانية كانت الأزمات التي نشبت بين الدول الوطنية الناشئة نفسها. أزمات يمكن أن نطلق عليها لفظ "الوطنية الرومانسية" بعد أن تحولت هذه الرؤية إلى عقيدة جعلت القضية مسألة حياة أو موت بالنسبة لها.
فالعقائد الوطنية حين تتحول إلى أحد الثوابت في وجدان الناس، تصبح القيم محظورات ويصبح من يتمسكون بها من المهمشين، وقد يطالهم الضرر، بل والموت جراء تشبثهم بقيمهم.
والقضية الكردية واحدة من مثل هذه التطورات التاريخية التي وصلت في النهاية إلى العجز عن مناقشة أمور جراء تعقيدات عقائدية ومحظورات.
فلا تنتظر مناقشات واقعية حين يتعلق الأمر بالقومية وصراع الأيديولوجيات. ففي مثل هذا الجدال، يصبح الواقع بلا قيمة.
انظر كيف احتاج الأمر لحربين عالميتين ليظهر الاتحاد الأوروبي كمشروع للوحدة عوضاً عن القومية. أريقت الكثير من الدماء قبل أن يبدأ الناس في التفكير وفهم أن الأمر يستحق عناء المحاولة.
وفي الواقع، لا يزال أكثر الأوروبيين يفكرون بنفس المفاهيم القديمة. فالقوميون يطرحون أفكار "الكرامة الوطنية" و"الاستقلال". ولقد نجحت المحظورات في حصد أغلبية بسيطة في بريطانيا كانت نتيجتها الخروج من الاتحاد الأوروبي.
هل لا يزال في القضية الكردية دماء أخرى نحتاج لإراقتها؟ كم من تضحيات تحتاج لتؤسس أمة أو تحميها؟ هذه هي الأسئلة التي تجعل الناس يفكرون.
لنرجع للوراء خطوة. لنفكر فيما سيصبح عليه الأمر بعد ألف عام وننظر للأمر بعين المستقبل مثلا.
سوف ينظر إلينا أهل تلك الفترات المقبلة باعتبارنا من الغزاة.. تماما مثلما نظرنا نحن لحقب الفتوحات الماضية.
وحين يكتمل التغيير في الحدود بين الدول، ربما تصبح بلا معنى، كما نرى في الاتحاد الأوروبي مثلاً.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kuzey-suriye/milli-devleti-korumak-veya-milli-devleti-kurmak-icin-acaba-daha-kac-kurban-vermek
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.